ظن المرتاب أنه على الصواب هو العقاب
الجمعة | 08/06/2012 - 11:50 مساءً

ظن المرتاب أنه على الصواب هو العقاب

 إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ 18/07/1433 الموافق 08/06/2012

        www.Alaqsasalafi.com

 إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد؛

المنافق في الدنيا يداري كذبه بفن المصانعة والمداهنة، لكنه في القبر في:

1- "أول منزل من منازل الآخرة".[أخرجه الترمذي، وهو في "صحيح الترغيب والترهيب"(3550)]

حين يبعث؛ سرعان ما تنزوي عنه المصانعة والمداهنة، ويفتضح أمره وتظهر حقائقه، فعن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

2- "يبعث كل عبد في القبر على ما مات، المؤمن على إيمانه؛ والمنافق على نفاقه".[أخرجه أحمد في "المسند"(3/346) ـ واللفظ له ـ، والطبراني في "الأوسط"(9076)، وإسناده جيد في الشواهد والمتابعات]  

فما ثبت عند المقبور وتمكَّن من قلبه هو الذي يبعث عليه، فالمؤمن يبعث على إيمانه، والكافر أو المنافق يبعث على كفره أو نفاقه.

والنفاق سبب من أسباب العذاب في القبر، وصحَّ عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال:

3- "عذاب القبر حق".[أخرجه أحمد، وهو في "السلسلة الصحيحة"(1377)]

وقال:

4- "[يأيها الناس !] إن هذه الأمة تبتلى في قبورها".[بهذا اللفظ أخرجه أحمد، وأخرجه مسلم دون قوله يا أيها الناس، وهو في "السلسلة الصحيحة"(159) و(3394)]

وفي رواية:

5- "ولقد أوحي إليَّ أنكم تفتنون في قبوركم".[أخرجه الشيخان، وأحمد]

ولا يعني ابتلاء هذه الأمة في قبورها أنه مخصوص بها، فإن المنافقين في كل عصر ومصر، والنفاق داء تبتلى به الخليقة، لذا لا بدَّ لها أيضاً من الابتلاء بعد موتها في قبورهـا. ليستعد كل أنسان لسؤاله في القبر، فمن تعافى من الكفر والنفاق في الدنيا، تعافى عند الإجابة من الضلال في القبر، ومن ثم تعافى في الآخرة من عذاب جهنم. قـال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

6- "والظاهر والله أعلم أن كل نبي مع أمته كذلك، وأنهم معذبون في قبورهم بعد السؤال لهم، وإقامة الحجة عليهم كما يعذبون في الآخرة بعد السؤال وإقامة الحجة".["الروح"(ص:87)]

والمنافقُ في القبر:

7- "يأتيه ملكان (شديدا الانتهار، فينتهرانه، و) يجلسانه". فيقولان له: "من ربك"؟ (وفي رواية: ما دينك؟) (وفي رواية: فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل، (الذي بعث فيكم) لمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ؟ (وفي رواية: ما هذا الرجل الذي كان فيكم؟)". فلا يهتدي لاسمه، فيُقال: "محمد" ! فيقول:

8- "هاه هاه لا أدري". (وفي رواية: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس. (وفي رواية: سمعت الناس يقولون (شيئاً) (وفي رواية: ذاك) (وفي رواية: قولاً) فقلته، (وفي رواية: فقلت مثله)، (وفي لفظ: فقلت كما قالوا)".[أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد، والبزار، وابن خزيمة، وغيرهم، وهو في "السلسلة الصحيحة"(1391)، و(2628) و(3394)، وفي "صحيح الجامع"(1361)]

والمنافق في عذاب متصل: عذاب في الدنيا، وعذاب في القبر، وعذابٌ عظيمٌ في الآخرة، قال تعالى:

9- (..سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (101) [سورة التوبة]

قال الحسن البصري، وقتادة، وابن جريج، والربيع بن أنس، في قوله تعالى: (سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ):

10- "إحداهما في الدنيا، والأخرى هي عذاب القبر".

ونقل ابن كثير ـ رحمه الله ـ قول عبد الرحمن بن زيد:

11- "أما عذاب في الدنيا فالأموال والأولاد، وقرأ قول الله: (فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَ وَلاَ أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (55) [سورة التوبة] فهذه المصائب لهم عذاب، وهي للمؤمنين أجر".

حقَّرَ الله تعالى بهذا اللفظ (فَلا تُعْجِبْكَ) شأن المنافقين وعلَّل إعطاءه لهم الأموال والأولاد بإرادته تعذيبهم بها. فلا تنبغي أن تكون أموالهم وأولادهم وما أوتوه من زينة الدنيا محل إعجاب المؤمنين أو استحسانهم، كما قال تعالى:

12- (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ..(131) [سورة طه]

ودلَّت الآية على أن للمال وحده إعجاباً، فما بالك إذا اجتمع العطاء به مع الأولاد، فالحظ العاجل الذي يرزقوه من الأموال والأولاد سبب لفتنتهم وعذابهم في الدنيا، فتنبَّه أيها البصير، كما قال تعالى:

13- (فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45) [سورة القلم]

فالمنافق متعلِّق بالدنيا وكلّما ازداد شأنه بها قويت عزيمته نحوها، وفترت عزيمته للآخرة، وكلَّما ابتعد عن الآخرة ازداد عطاء الله له استدراجاً، حتى يصل إلى اعتقاده فيظن أن ذلك من الله كرامة! وهو في نفس الأمر إهانة، قال القصاب ـ رحمه الله ـ:

14- "لأن الاستدراج في اللغة هو كالخديعة، كأنه يفعل بهم الشيء الذي يحسبونه خيراً، وهو في الحقيقة ضده".

وقال ابن قتيبة ـ رحمه الله ـ:

15- "والاستدراج:أن يدنيهم من بأسه قليلاً قليلاً".["تأويل مشكل القرآن" (ص:166)] وقال ابن جرير ـ رحمه الله ـ في تفسير قوله تعالى: (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ)

16- "سنكيدهم من حيث لا يعلمون، وذلك بأن يمتعهم بمتاع الدنيا حتى يظنوا أنهم متّعوا به بخير لهم عند الله، فيتمادوا في طغيانهم، ثم يأخذهم بغتة وهم لا يشعرون".

فالدنيا منتهى مطلوب المنافق، وغاية مرغوبه بحيث لا يبقى في قلبه للآخرة نصيب، فإذا كلِّف بزكاتها والنفقة منها في سبيل الله، تأفف وقعد، واكتفى بما يظهره من شعائر الإسلام.

فالآية فيها وعظ قوي، لينخلع الضال عن غيِّه ويعلم أن الله تعالى قريب منه بالعقاب، وأن أسوأ ما في العقاب شعور المستدرج بعد قيام الحجة أنه على صواب، وهو في الحقيقة في عقاب، ومن صور هذا الشعور: الاشتغال بالنعمة مع نسيان الشكر، كما قال تعالى:

17- (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ(3) [سورة الحجر]

وشكر الله يقتضي الاستجابة لأمره في الوقوف مع الحق والدفاع عنه، فيبدو المستدرج في ظاهره مغبوطاً، وفي الحقيقة هو في باطنه مشوشٌ، لأنه يعلم أنه كلما ازداد معصية ازداد نعمة، فينساق بعد التمكين في النعمة ليؤخذ بغتة هو وأمثاله (مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ) لأنهم يزعمون لغبائهم أن هذه النعم إيثار لهم، وتفضل عليهم مع أنها سبب هلاكهم. لقد أخطأ الكفّار والمنافقون حين جاءتهم الدعوة السلفية وجاءهم النذير

18- (وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) [سورة سبأ]

قال ابن كثير:

19- "أي: افتخروا بكثرة الأموال والأولاد، واعتقدوا أن ذلك دليل على محبة الله لهم واعتنائه بهم، وأنه ما كان ليعطيهم هذا في الدنيا، ثم يعذبهم في الآخرة، وهيهات لهم ذلك".

ثم نزل قوله تعالى في سورة "المؤمنون":

20- (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لاَ يَشْعُرُونَ (56) [سورة المؤمنون]

فمن كان منغمساً في الضلال والنفاق والنعمة اغترَّ؛ فلم يعد لديه الشعور بالذنب أنه أشرك، أو بلغ فيه النفاق إلى الدرجة التي خرج بها عن دائرة الإسلام، وصار عدوّاً للحق وأهله، فهو يكذب على الناس، ويقلب الحقائق، ويدّعي السلفية زوراً وبهتاناً. كما ولم يعد لديه الشعور أنه في الإمهال والإملاء.

فأفعال المنافق الساقطة من حيث يدري أو لا يدري هي بحدِّ ذاتها عقاب، فسَّرها الإضراب بقوله تعالى: (بَلْ لاَ يَشْعُرُونَ) فإذا حصل الاستدراج للمنافق بالنعمة فيعني أنه في الطريق حتماً إلى عقاب أكبر لا يشعر أنه ذاهب إليه لحماقته واغتراره، لذا نزل قوله تعالى في سورة آل عمران:

21- (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (178) [سورة آل عمران]

إنه الاستدراج، هلاك في الدنيا وعذاب في الآخرة، لا يعيه المنافق ولا يلتفت إلى خطورته وهو يتسلل إلى كيانه ليهدم إيمانه بالله واليوم الآخر، ثم يلازمه فلا يفلته حتى يجد نفسه وجهاً لوجه مع الملَك في القبر، مع العلم أن الله تعالى حذَّر من هذا العقاب في مطلع سور التنزيل في سورة الليل بقوله: (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) قال متمم "أضواء البيان":

22- "لا يبعد أن يكون معنى التيسير موجوداً بالفعل، إذ المشاهد أن من خذلهم الله ـ عياذاً بالله ـ يوجد منهم إقبال وقبول وارتياح لما يكون أثقل وأشق ما يكون على غيرهم، ويرون ما هم فيه سهلاً ميسراً لا غضاضة عليهم فيه، بل قد يستمرؤون الحرام ويستطعمونه".

وقوله تعالى في آخر الآية: (وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) وزهوق النفس: خروجها عن الجسد بصعوبة ومشقة. ختمها الله تعالى ببيان سوء مصيرهم بعد بيان عذابهم في الدنيا. قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

23- "ويريد أن يميتهم حين يميتهم على الكفر، ليكون ذلك أنكى لهم وأشد لعذابهم، عياذا بالله من ذلك".

وبالمقابل فإن المؤمن في ثواب وسعادة، فعنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال:

24- "وإن المؤمن يجلس في قبره فيُسأل من ربه؟ فيقول: "ربي الله". فيُقال: "وما دينك؟ فيقول: "ديني الإسلام". فيقولان له: "من نبيُّك (وفي رواية: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ (وفي رواية:ما هذا الرجل الذي [كان] بعث فيكم؟ فيقول:

25- "نبيي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ". (وفي رواية: هو رسول الله)(وفي رواية: عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله، وان محمداً عبده ورسوله)(وفي رواية: محمد رسول الله جاءنا بالبينات [والهدى] من عند الله فصدَّقناه) (وفي رواية: فأجبنا [وأطعنا] وآمنا واتبعنا هو محمد ثلاثاً)

[أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه، وابن أبي عاصم في "السنة"، وأحمد، والبزار، وغيرهم، وهو في "السلسلة الصحيحة"(1391)، و (2628) و(3394)، وفي "صحيح الجامع"(1361)]

فيقولان له: "وما يدريك؟ فيقول:

26- "قرأت كتاب الله وآمنت، وصدقت".

وفي رواية:

27- "إذا أقعد المؤمن في قبره". (وفي رواية: إن المسلم إذا سئل في القبر فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فذلك قول الله عز وجل: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) [سورة إبراهيم]

[أخرجه البخاري، وبنحوه أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم]

فالثبات كنز عظيم كما قال الإمام ابن القيم وقال ـ رحمه الله ـ:

28- "فالخلق كلهم قسمان: موفق بالتثبيت، ومخذول بترك التثبيت، ومادة التثبيت أصله ومنشأه من القول الثابت وفعل ما أمر به العبد، فبهما يثبِّت الله عبده، فكل من كان أثبت قولاً وأحسن فعلاً كان أعظم تثبيتاً".["إعلام الموقعين"(1/177)]

فالمؤمن الموقن عنده رسوخ في الحق وثبات عليه، قرأ كتاب الله وآمن وصدَّق، لذا فسَّر شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ القول الثابت ما في القرآن، وفسَّره غيره: بشهادة أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمداً رسول الله، وبالإيمان، قال الشيخ العلاّمة السعدي ـ رحمه الله ـ:

29- "وأصل الثبات: ثبات القلب وصبره، ويقينه عند ورود كل فتنة، .. فأهل الإيمان أهدى الناس قلوبًا، وأثبتهم عند المزعجات والمقلقات، وذلك لما معهم من الإيمان".

بينما الكافر أو المنافق مرتاب لا يدري فهو متردد ومتشكك، يقول كما يقول الناس، عاملاً بقول أمثاله من المنافقين: (يا أيها الناس اتبعوا الناس)!!

ولمّا شعر المنافق بخذلان الله له فرَّ إلى محاولة إثبات ذكاءه في المصانعة والمداهنة والكذب، ليداري ما عنده من النقيصة والخلل، وكلَّما ازداد مرضه في النفاق زادت حدَّت مصانعته ومداهنته وكذبه، مما يجعله فيما بعد أسير الغفلة، لذا فإنه يرى نفسه (ناجح!) وهو في حقيقته معاقَب. وليس غريباً أن يكتب المنافق في الثبات مثل ذاك الذي كتب في "الثبات على السنَّة"، وذاك الذي كتب في "الثبات على الإسلام"، أما الأول وهو "ربيع بن هادي المدخلي" فقال في كتابه:

*- "وأخطر أهل الأهواء ـ يا إخوتاه ـ: الذين يلبسون لباس السنة والسلفية وهم ينطوون على أشياء غيرها، فهؤلاء أخطر الناس على دين الله وأكثرهم تلبيساً وتشبيهاً على الناس؛ فيجب الحذر والتحذير منهم، ووالله ما اجتاحوا شبابنا في هذه البلاد إلاَّ بهذا اللباس المزيَّف؛ لأن أهل الباطل جربوا وناطحوا صخرة السلفية فتكسَّرت قرونهم فلجئوا إلى هذا الأسلوب الماكر وهو التزيي بزيِّ السلفية وادعاء السلفية".

وقال:

*- "والفطناء يدركون أن هذا لباس مزيَّف، ليس لباساً صحيحاً أبداً، والدليل الواضح أن هذا لباس مزيف لاصطياد البلهاء؛ فالذي عنده فطنة ويعرف المنهج السلفي يدرك حقيقة أمر هؤلاء وأنَّ لباسهم هذا كاذب مزيف للتضليل، واجتاحوا شباباً كثيراً بهذا المكر والدهاء". [ص:38 ـ ط1 ـ دار الإمام أحمد للنشر والتوزيع والصويتيات ، سنة 1428 ـ 2007]

فلمّا وقعت فتنتك يا (ربيع !) بسعد بن عبد الرحمن الحصين فإذا بك تفزع إلى النفاق، وتحرِّض لتجتاح قسماً من شباب فلسطين بمكرك ودهائك، وأنا الآن بعد خذلانك أحذر منك وأحذّر، وأقول: ووالله ما اجتحت شبابنا في بلادنا إلاَّ بهذا اللباس المزيَّف الذي أشرت إليه في كتابك "الثبات على السّنّة"!!. فافرح بهم إن كانوا من أمثالك وعلى شاكلتك. أما الثاني فهو سليم الهلالي فقال في كتابه:

*- "وأصحاب السلطان يستدرجون الدعاة، فإذا سلَّموا في جزء فقدوا هيبتهم وحصانتهم، لأن التسليم في جانب ولو ضئيل من جانب الدعوة هو هزيمة إيمانيَّة بالاعتماد على أصحاب السلطان في نصرة الدعوة، فالله وحده هو الذي يعتمد عليه المؤمنون بدعوتهم، ومتى دبَّت الهزيمة في أعماق السريرة فلن تنقلب الهزيمة نصراً.. وحينئذ يعرف المُتسلِّطون أنَّ استمرار المساومة، وارتفاع السِّعر ينتهيان إلى تسليم الصَّفقة كلها".[ص:48 ـ شركة النور للطباعة والنشر والتوزيع]

ثم قال في (الصفحة:50):

*- "وفي الجملة فالدخول على السلاطين خطر عظيم؛ لأن النيَّة قد تحسن في أوَّل الدخول، ثم تتغير بإكرامهم وإنعامهم، أو بالطمع فيهم، ولا يتماسك عن مداهنتهم وترك الإنكار عليهم".

فلما وقعت فتنتك يا (سليم!) بالكابتن كنعان (عبد الرحيم) فإذا بك ومن معك في المركز العمَاني تفزعون إلى النفاق، لتجتاحون قسماً آخر من شباب فلسطين بمكركم ودهائكم. وأنا الآن بعد خذلانكم أحذر منكم وأحذّر، وأقول: ووالله ما اجتحتم شبابنا في بلادنا إلاَّ بهذا اللباس المزيَّف الذي أشار إليه  رفيقكم ومعلِّمكم المنافق (ربيع!) في كتابه "الثبات على السّنّة"!!. فافرحوا بهم إن كانوا من أمثالكم وعلى شاكلتكم. قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

30- "فأثبت الناس قلبا أثبتهم قولاً، والقول الثابت هو القول الحق والصدق، وهو ضد القول الباطل الكذب، فالقول نوعان: ثابت له حقيقة، وباطل لا حقيقة له، وأثبت القول: كلمة التوحيد ولوازمها، فهي أعظم ما يثبِّت الله بها عبده في الدنيا والآخرة. ولهذا ترى الصادق من أثبت الناس وأشجعهم قلباً، والكاذب من أمهن الناس وأخبثهم وأكثرهم تلوناً وأقلهم ثباتاً، وأهل الفراسة يعرفون صدق الصادق من ثبات قلبه وقت الإخبار وشجاعته ومهابته، ويعرفون كذب الكاذب بضد ذلك، ولا يخفى ذلك إلا على ضعيف البصيرة".["إعلام الموقعين"(1/177)]

فعلى المؤمن التمسك بدين الله الإسلام، ويسأل الله تعالى الثبات على الحق، لأن الفتن تختبر الحقائق، وإذا كانت هذه الأمة تبتلى في قبورها، فمعناه أنها خلقت لتبتلى في دنياها، قال تعالى:

31- (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56) [سورة الذاريات]

فمن ثبت في الدنيا على الإيمان ثبت في الآخرة على صدق جواب الرحمن، قال ـ عليه السلام ـ:

32- "فإذا الإنسان دفن فتفرَّق عنه أصحابه؛ جاءه ملك في يده مطراق فأقعده، قال: ما تقول في هذا الرجل

فقال بعض القوم: يا رسول الله! ما أحد يقوم عليه ملَك في يده مطراق إلا هَبِلَ عند ذلك؟ فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ". [أخرجه أحمد، وابن أبي عاصم في "السّنّة"، وغيرهما، وهو في "السلسلة الصحيحة"(3394)]

وزاد شعبة:

33- "نزلت في عذاب القبر".[في الصحيحين، وغيرهما]

واعلم أن سؤال الملكين يعم كل ميت، ذهب إلى هذا القرطبي وابن القيم ورجحه ابن حجر، فلا بد من الاستعداد لتلك الفتنة، قال ابن جرير الطبري ـ رحمه الله ـ:

34- "وذلك تثبيته إياهم في الحياة الدنيا بالإيمان بالله وبرسوله محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفي الآخرة بمثل الذي ثبَّتهم به في الحياة الدنيا، وذلك في قبورهم حين يُسْألون عن الذي هم عليه من التوحيد والإيمان برسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وأما قوله: (وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ) ، فإنه يعني، أن الله لا يوفِّق المنافق والكافر في الحياة الدنيا، وفي الآخرة عند المُسَاءَلة في القبر".

عن أنس عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

35- "إن المؤمن إذا وضع في قبره أتاه ملك فيقول له: ما كنت تعبد؟ فإن الله هداه قال: كنت أعبد الله فيقول له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: هو عبد الله ورسوله فما يسأل عن شيء غيرها، فينطلق به إلى بيت كان في النار فيقال له: هذا بيتك كان في النار، و لكن الله عصمك ورحمك فأبدلك به بيتاً في الجنة فيقول: دعوني حتى أذهب فأبشر أهلي، فيقال له: اسكن".

36- "وإن الكافر إذا وضع في قبره أتاه ملك فينتهره فيقول له: ما كنت تعبد؟ فيقول: لا أدري فيقال له: لا دريت و لا تليت فيقال: فما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: كنت أقول ما تقول الناس فيضربه بمطراق من حديد بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها الخلق غير الثقلين".[أخرجه أبو داود، وهو في ""صحيح الجامع"(1930)]