نار الخلود لمن لم يخلص لله السجود
الأربعاء | 20/06/2012 - 11:45 مساءً

نار الخلود لمن لم يخلص لله السجود

إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ 30/07/1433 الموافق 20/06/2012

        www.Alaqsasalafi.com

 إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد؛

المنافق في دنياه معذب، وفي قبره معذب، وفي آخرته معذب، أمّا عذابه في الدنيا فقد تقدَّم بيانه في مقال بعنوان:

1- "ظنُّ المرتاب أنه على الصواب هو العقاب".[تاريخ 18/7/1433 الموافق 8/6/2012]

وأما عذابه في القبر:

2- "فيقال له اجلس؛ فيجلس مرعوباً خائفاً".[أخرجه الطبراني في "الأوسط"، وابن حبان في "صحيحه" ـ واللفظ له ـ، والحاكم، عن أبي هريرة مرفوعاً، وهو في "صحيح الترغيب والترهيب"(3561)]

وزاد الطبراني:

3- "قال أبو عمر ـ يعني الضرير ـ: قلت لحمّاد بن سلمة: كان هذا من أهل القبلة؟ قال: نعم". وقال أبو عمر:

4- "كان يشهد بهذه الشهادة على غير يقين يرجع إلى قلبه؛ كان يسمع الناس يقولون شيئاً فيقوله".

5- "فإذا جلس في قبره أو أُجْلِس، (في قبره فزعاً مشعوفاً) فيقال له: من ربك؟ فيقول: لا أدري! فيقال: لا دريت".[أخرجه البزار، وهو في "السلسلة الصحيحة"(2628)، وما بين القوسين لأحمد، بسند صحيح، ومعنى (الشعف): الفزع حتى يذهب بالقلب ]

6- "ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيقول: هذا منزلك لو آمنت بربك، فأما إذ كفرت به؛ فإن الله عز وجل أبدلك به هذا، ويفتح له باب إلى النار".[أخرجه أحمد، وابن أبي عاصم في "السنة"، والبيهقي في "عذاب القبر"، وابن جرير في "التفسير، و"تهذيب الآثار"، وهو في "السلسلة الصحيحة"(3394)]

وفي رواية:

7- "ثم يفتح له باب من أبواب النار (وفي رواية: فيفتح له باب من جهنم) فيقال له: هذا مقعدك من النار، وما اعدَّ الله لك فيها، فيزداد حسرة وثبوراً، ثم يفتح له باب من أبواب الجنة، فيقال له: هذا مقعدك منها، وما أعدَّ الله لك فيها لو أطعته، فيزداد حسرة وثبوراً".[أخرجه ابن حبان في "صحيحه"، والطبراني في "الأوسط"، وابن جرير في "تهذيب الآثار، وابن أبي شيبة، وغيرهم، وهو في "السلسلة الصحيحة"(2628) وفي "صحيح الترغيب والترهيب"(3561)]

8- "ثم يقيض له ملك [أعمى] أصم أبكم معه مرزبة من حديد، لو ضرب بها جبل كان تراباً. أو قال: ـ رميماً ـ، فيضربه [بين أذنيه] ضربة فيصير تراباً، ثم يعيده الله كما كان، (وفي رواية: ثم تعاد فيه الروح)، فيضربه ضربة أخرى؛ فيصيح صيحة يسمعه كل شيء، (وفي رواية: يسمعها الخلائق) (وفي رواية: يسمعها ما بين المشرق والمغرب)، (وفي رواية: يسمعها كل دابة)، إلاَّ الإنس، (وفي رواية: إلاَّ الثقلين)".[أخرجه الطيالسي، وأبو داود، وابن جرير في "تهذيب الآثار"، والطبراني، وهو "صحيح الترغيب والترهيب"(3558)، وفي "السلسلة الصحيحة"(2628)، والمرزبة بالتخفيف: المطرقة الكبيرة]

وعن أبي حازم عن أبي هريرة مرفوعاً:

9- "ثم يقال له: نمْ كما ينام المنهوش ـ أو المنهوس ـ".

فقلت لأبي هريرة:

10- "ما المنهوش"؟

قال:

11- "الذي ينهشه الدواب والحيَّات".[أخرجه الطبري في "تهذيب الآثار"، والبزار، وهو في "السلسلة الصحيحة"(2628)]  

 

وقد ثبت عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذا المعنى:

12- "والذي نفسي بيده ! إنه يسلط عليه تسعةٌ وتسعون تنيناً، أتدرون ما التنين؟! تسعون حيةً، لكل حيةٍ سبع رؤوس يلسعونه ويخدشونه إلى يوم القيامة".[رواه أبو يعلى، وابن حبان ـ واللفظ له ـ، وهو في "صحيح الترغيب والترهيب"(3552)]

وفي حديث البراء مرفوعاً:

13- "ثم يفتح له باب من النار، ويمهَّد له من فرش النار".[أخرجه أحمد، وهو في "صحيح الترغيب والترهيب"(3558)]

وفي رواية:

14- "فينادي منادٍ من السماء: أن كذب، فأفرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرِّها وسمومها".[أخرجه أحمد، وأبو داود، والبيهقي في "شعب الإيمان"، وهو في "صحيح الترغيب والترهيب"(3558)]

وفي رواية:

15- "فينظر إلى مقعده منها حتى تقوم الساعة".[أخرجه ابن جرير في "تهذيب الآثار" بسند صحيح]

16- "ثم يضيق عليه قبره [حتى تختلف فيه أضلاعه]". [أخرجه أحمد، وابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، والطبراني، وابن حبان ، والبزّار، وغيرهم، وهو في "السلسلة الصحيحة"(2628)]

وفي رواية:

17- "ثم يأمران الأرض فتنضم عليه حتى تختلف أضلاعه، فلا يزال مرعوباً إلى يوم القيامة".[رواه الطيالسي، وابن أبي شيبة، والحارث في "مسنده" بسند صحيح]  

وفي رواية:

18- "فيقال للأرض التئمي عليه، فتلتئم عليه، فتختلف أضلاعه، فلا يزال فيها معذباً حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك".[أخرجه الترمذي، وابن حبان، والبزار، وغيرهم، وهو في "السلسلة الصحيحة"(1391)]

 

قال أبو إسحاق بن شاقلاَّ ـ رحمه الله ـ::

19- "سئل الشيخ ـ يعني أبا بكر ـ عن المصلوب هل تضغطه الأرض؟ فقال: قدرة الله لا يتكلم عليها، أرأيت رجلاً لو قطعت يده؟ أو رجله؟ أو لسانه في بلد، ومات في بلد آخر، هل ينزل الملكان على الكل منه؟ وهذا في القدرة واليد في معنى التبع".["طبقات الحنابلة"(2/137)]

فعلمنا مما تقدم من الأحاديث الصحيحة أن المنافق يعذب في قبره على النحو التالي:

1-              الفزع الشديد.

2-              الحسرة والثبور.

3-              ملك يضربه بين أذنيه بمرزبة من حديد فيصير تراباً.

4-              وتعاد روحه فيضرب ضربة أخرى فيصيح صيحة يسمعها الخلائق إلاَّ الثقلين.

5-              ينام نوم المنهوش. فيسلط عليه تسعة وتسعون تنيناً يلسعونه ويخدشونه إلى يوم القيامة.

6-              ويفتح له في قبره باب إلى النار، فيأتيه من حرِّها وسمومها.

7-              ويمهَّد له من فرش النار.

8-              ويُلبس من النار.

9-              وينظر إلى مقعده من النار حتى تقوم الساعة.

10-       ثم يضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه.

11-       ويستمر في قبره في الضيق والرعب والفزع والعذاب إلى يوم القيامة.

قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

20- "فتلك المعيشة الضنكة التي قال الله: (... فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) [سورة طه، والحديث أخرجه ابن حبان في "صحيحه" ـ واللفظ له ـ، والطبراني  في "الأوسط"، وغيرهما، وهو في "صحيح الترغيب والترهيب"(3561)]

والضنك في اللغة: الضيق، وقوله تعالى: (مَعِيشَةً ضَنْكًا) أي: عيشاً ضيِّقاً، نعوذ بالله تعالى من الخذلان في الدنيا ومن معيشة ضنك في القبر.

وفي المقابل فإن المؤمن:

21- "في قبره لفي روضة خضراء".[رواه أبو يعلى، وابن حبان في "صحيحه" ـ واللفظ له ـ، وهو في "صحيح الترغيب والترهيب"(3552)]

ومعيشة المنافق عذاب في عذاب، ليس في القبر فحسب، بل أيضاً في الدنيا والآخرة، وقد ثبت عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال:

21- "أتدرون فيم أنزلت هذه الآية: (... فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) [سورة طه] قال: أتدرون ما المعيشة الضنك؟"

قالوا: الله ورسوله أعلم. قال:

22- "عذاب الكافر في قبره،...(الحديث)". [رواه أبو يعلى، وابن حبان في "صحيحه" ـ واللفظ له ـ، وهو في "صحيح الترغيب والترهيب"(3552)]

والمعتزلة ومنهم "حزب التحرير" ينكرون عذاب القبر، وإحياء الموتى في قبورهم، وسؤال الملكين: منكر ونكير، لأنهم عقلانيون، ومنافقون.

وإنما كان عيشُ المنافق في الدنيا ضيِّقًا لأن ضلاله وحيرته وتشككه أحدثوا له قلقاً؛ فهو غير مطمئنٍ ولا مستقرٍ، لذا فإنه يحاول باستمرار البحث عن الغبطة والسعادة وهيهات هيهات، فلا يزال بمجامع همَّته، ومطامح نظره وتأملاته، يتهالك ليزداد من أعراض الدنيا؛ خائفاً من انتقاصها، ليحصل على ما يصبو إليه من السعادة؛ فيظن بظنه المنحوس أن ذلك يقضي على قلقه وهمِّه وحزنه وتفكيره في سوء عاقبته، فإذا هو يصطدم مرة تلو مرة بالخذلان والعذاب والضيق. قال تعالى:   

23- (فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا..(55)  [سورة التوبة]     

فلا يعجبك شأن الكفَّار والمنافقين إن تظاهروا بالسعادة، أو ظهر عليهم الفضل واليسار، أو أطال الله بهم الأعمار، لأنهم معذَّبون، وقلقون ومتحيِّرون، وضالّون غير مهتدين، وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

24- "من كانت الدنيا همَّه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله (وفي رواية: أمره)ولم يأته من الدنيا إلا ما قدِّر (وفي رواية: كتب) له".[أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وأحمد، وغيرهم، وهو في "السلسلة الصحيحة"(949) و (950)]

والمنافق معرض عن القرآن، حريص على الدنيا، كثير الطمع والجزع والهلع، فهو في ضيق وعذاب مستمر، فالحياة التي يعيشها المنافق وهو معرض عن كتاب الله تعالى عذاب. لذلك فسر ابن كثير ـ رحمه الله ـ عذاب المنافق في الدنيا بقوله:

25- "فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيِّق حَرَج لضلاله، وإن تَنَعَّم ظاهره، ولبس ما شاء وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى، فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبة يتردد".

وللمؤمن نصيب من العذاب في الدنيا وذلك  بحسب إعراضه وإن تنعَّم في الدنيا بأصناف النعم؛ فإن قلبه وإن خلص إلى اليقين والهدى ففيه من الوحشة والذل والحسرات بقدر ما نقص من إيمانه، وبقدر انشغاله عن القرآن. أما وصف عذاب الكافر أو المنافق في الدنيا كقول ابن كثير ـ رحمه الله ـ: "فهذا من ضنك المعيشة". ليس بصواب، لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قيد المعيشة الضنك بقوله: "عذاب الكافر في قبره". قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

26- "والمعيشة الضنك فأكثر ما جاء في التفسير: أنها عذاب القبر، قاله: ابن مسعود، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وابن عباس وفيه حديث مرفوع، وأصل الضنك في اللغة: الضيق والشدة".["الفوائد"(ص:168)]

فإذا مات المنافق على إعراضه وكفره كانت حياته ومعيشته في القبر ضنكاً، ونظيره قوله تعالى:

27- (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلاَئِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93)  [سورة الأنعام]

فقول الملائكة: (الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ) المراد به: عذاب القبر في حياة البرزخ الذي أوله يوم القبض والموت، ونظيره قوله تعالى في حق آل فرعون:

28- (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا..(46) [سورة غافر]

فهذا في القبر في حياة البرزخ، قال ابن البناء ـ رحمه الله ـ:

29- "ومعلوم أنهم لا يعرضون على النار وهم أحياء على ظهر الأرض، وأنَّه لا غدواً وعشياً في القيامة، فثبت أنهم يعرضون عليها في قبورهم".["الرد على المبتدعة"(ص:175)] 

وقوله تعالى:

30- (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46) [سورة غافر]

فهذا في القيامة الكبرى. فإذا بعث الكافر أو المنافق من قبره بعث على ما مات عليه، فيستقبل آخرته بمزيد من الذلَّة والعذاب ـ والعياذ بالله تعالى ـ. فالمنافق في عذاب متصل. وسورة القلم من أوائل سور التنزيل وقد هدَّد الله تعالى فيها بيوم عصيب فقال:

31- (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (42) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (43) [سورة القلم]

والساق ساقه تبارك وتعالى، فهي صفة من صفات ذات الله سبحانه الخبرية، ثابتة لله تعالى بالكتاب وصريح السنة الصحيحة. ويتأولها المنافقون والمبتدعة: الجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة، والماتريدية، على الشدة والأمر العظيم، وهي تأويلات مردودة باطلة. لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فسَّر الآية بقوله:

32- "يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رئاء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً".[أخرجه الإمام البخاري في "صحيحه" (الفتح – 8/663) كتاب التفسير (باب يوم يكشف عن ساق) واللفظ له، وابن جرير (14/29/41) وهو في "السلسلة الصحيحة" (583)، وللحديث طرق وألفاظ، وهو حديث طويل مشهور]

وفي رواية:

33- "فيكشف لهم عن ساقه، فيقعون سجوداً، وذلك قول الله تعالى:(يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ) ويبقى كل منافق، فلا يستطيع أن يسجد".[أخرجه الدارمي في "سننه"، وهو في "السلسلة الصحيحة" (584)]

وفي رواية:

34- "فعند ذلك يكشف الله عن ساقه فيخر كل من كان بظهره طبق ساجداً، ويبقى قوم ظهورهم كصياصي البقر يريدون السجود فلا يستطيعون وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون".[أخرجه عبد الله بن أحمد في "السنة" (1203)، ومن طريقه الطبراني في "المعجم الكبير" (9763)، والبيهقي في "البعث والنشور" (434) وهو في "صحيح الترغيب والترهيب" (3591) و (3704)]

ومعنى الطبق: فقار الظهر، واحدتها طبقة. ومعنى صياصي البقر: أي قرونها. قال في "النهاية":

35- "يريد أنه صَار فَقارُهم كُلُّه كالفَقَارة الواحدَة فلا يقْدِرُون على السُّجود".

وهذا الموقف في القيامة الكبرى بعد البعث:

36- "يجمع الله العباد بصعيد واحد".[أخرجه الدارمي في "سننه" عن أبي هريرة مرفوعاً، وهو في "السلسلة الصحيحة"(584)]

وفي رواية:

37- "يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قياماً أربعين سنة، شاخصة أبصارهم إلى السماء، ينتظرون فصل القضاء".[أخرجه عبد الله بن أحمد في "السنة" (1203)، ومن طريقه الطبراني في "المعجم الكبير" (9763)، والبيهقي في "البعث والنشور" (434) وهو في "صحيح الترغيب والترهيب" (3591) و (3704)]

 وقوله تعالى: (خاشعة أبصارهم .. الآية) فيها توبيخ للمنافقين لأنهم كانوا يسجدون في الدنيا رئاء وسمعة.

 

قال ابن عطية ـ رحمه الله ـ:

38- "وخصَّ السجود بالذكر من حيث هو أعظم الطاعات".

فالمنافق وإن حصل منه السجود في الدنيا؛ فسجوده خالٍ من الإخلاص والعبودية لله رب العالمين، لأنه متردد متشكك متذبذب، لذا فهو يحاول في الدنيا أن يجمع بين أمرين، ويلعب على حبلين: الكفر في الباطن، والرياء في الظاهر، لكنه هنا في هذا الموقف العصيب سرعان ما تظهر حقيقته عندما يجمع الله تعالى العباد بصعيد واحد ثم يكشف سبحانه عن ساقه الكريمة فيخرّ المؤمنون له سجوداً، ويبقى كل منافق فلا يستطيع أن يسجد. قال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:

39- "أي: إذا كان يوم القيامة، وانكشف فيه من القلاقل والزلازل والأهوال ما لا يدخل تحت الوهم، وأتى الباري لفصل القضاء بين عباده ومجازاتهم فكشف عن ساقه الكريمة التي لا يشبهها شيء، ورأى الخلائق من جلال الله وعظمته ما لا يمكن التعبير عنه، فحينئذ يدعون إلى السجود لله، فيسجد المؤمنون الذين كانوا يسجدون لله طوعًا واختيارًا، ويذهب الفجار المنافقون ليسجدوا فلا يقدرون على السجود، وتكون ظهورهم كصياصي البقر، لا يستطيعون الانحناء، وهذا الجزاء ما جنس عملهم، فإنهم كانوا يدعون في الدنيا إلى السجود لله وتوحيده وعبادته وهم سالمون، لا علة فيهم، فيستكبرون عن ذلك ويأبون، فلا تسأل يومئذ عن حالهم وسوء مآلهم، فإن الله قد سخط عليهم، وحقَّت عليهم كلمة العذاب، وتقطعت أسبابهم، ولم تنفعهم الندامة ولا الاعتذار يوم القيامة".

فالمنافق يفتقد الإخلاص لله تعالى في قوله وعمله، قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

40- "فإن الله تبارك وتعالى لا يقبل من الأعمال إلاَّ ما خلُص له (وفي رواية: إلاَّ ما كان له خالصاً وابتغي به وجهه)".[أخرجه البزار، والبيهقي في "شعب الإيمان"، وأبو داود، والنسائي، وهو في "السلسلة الصحيحة"(2764)]

لذا قال بعض السلف ـ رضي الله عنهم ـ:

41- "ما جاهدت نفسي على شيء ما جاهدتها على الإخلاص".

وعن أبي سعيد بن أبي فضالة وكان من الصحابة قال سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول:

42- "إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة، ليوم لا ريب فيه، نادى منادٍ: من كان أشرك في عمله لله أحداً فليطلبْ ثوابه من عنده، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك".[رواه الترمذي في التفسير من "جامعه"، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه"، والبيهقي، وهو في "صحيح الترغيب والترهيب"(33)]