اقرأ القرآن
الإثنين | 04/02/2013 - 06:57 صباحاً

 

اقرأ القرآن

إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ 22/03/1434 وفق 03/02/2013ِِ

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد؛

إن أجلَّ العلوم التي يدعو القرآن إلى اكتسابها هي علوم الدين، لأنها تهدي الإنسان إلى سبيل سعادته في الدارين، فكان أول الذي نزل من قوله تعالى:

1- (اقْرَأْ)

فافتتح سورة العلق بالأمر بالقراءة الناشئة عن العلم، فالعلاقة بين القراءة والكتاب، والقرآن والذكر، علاقة قوية ومنسجمة انسجاماً عظيماً. فقوله تعالى: (اقْرَأْ) نبه بها على أعلى أسباب القرب إليه وهو العلم. ودلَّ على القرب قوله تعالى في خاتمة السورة:

2- (..وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19) 

وقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ:

3- "أقرب ما يكون العبد إلى الله (وفي رواية: أقرب ما يكون العبد من ربه) وهو ساجد.... الحديث".(1)

وتكرَّر في السورة الأمر بقراءة القرآن؛ لإشعار الإنسان بأهمية قراءته، وتنبيهاً له على التزام أقوى أسباب السعادة، دلَّ عليه قوله تعالى في سورة طه:

4- (طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (2)

وللقراءة من المُصحف فضيلة عظيمة أشار إليها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله:

5- "من سرَّه أن يحبَّ الله ورسوله فليقرأ في المُصحَف".(2)

قال المناوي ـ رحمه الله ـ:

6- "فيحصل من ذلك ـ أي: القراءة في المصحف ـ زيادة ارتباط توجب زيادة المحبة".

وبمصاحبة القرآن ومحبته يوفّق قاريء القرآن إلى البركات والحسنات وأعظمها: التوفيق إلى منهج النبوة والسلف في الاعتقاد والعمل.

ولمّا كان القرآن وحياً فقد طالبنا الله عز وجل بقراءته، وأصل القراءة جمع الحروف، وقالوا: "القراءة تكون للكلمة الواحدة".

أما الترتيل فهو القراءة المفسَّرَة حرفاً حرفاً، فقوله تعالى في سورة المزمل:

7- (...وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلاً (4)

معناه: بيِّنْهُ وأنت تقرأ به بياناً واضحاً، لا تسرع بقراءته إسراعاً مفرطاً كهذِّ الشعر بحيث تخفي كثيراً من الحروف، فوجب الترتيل كما بيَّن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، قال الإمام الألباني ـ رحمه الله ـ:

 8- "والسُّنَّة أن يرتل القرآن ترتيلاً؛ لا هذّاً ولا عجلةً، بل قراءة مفسرة حرفاً حرفاً، ويزيِّن القرآن بصوته، ويتغنى به في حدود الأحكام المعروفة عند أهل العلم بالتجويد، ولا يتغنى به على الألحان المبتدعة ولا على القوانين الموسيقية".(3)

 

 

وصاحب القرآن من جمع بين قراءة القرآن وترتيله، ويقال له يوم القيامة:

9- "اقرأ وارتق، ورتِّل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرأ بها".(4)

وعن أبي هريرة مرفوعاً:

10- "اقرأ وارق في الدرجات، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلك عند آخر آية معك".(5)

وقال الإمام ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

11- "اقرأه على تمهُّل فإنه يكون عوناً على فهم القرآن وتدبُّره".

وقال صاحب "التفسير الكبير":

12- "واعلم أنه تعالى لمَّا أمره بصلاة الليل أمره بترتيل القرآن، حتى يتمكن الخاطر من التأمل في حقائق تلك الآيات ودقائقها".

إلى أن قال:

13- "ومن أحب شيئاً لم يمر عليه بسرعة، فظهر أن المقصود من الترتيل إنما هو حضور القلب، وكمال المعرفة".

وقال صاحب "إحياء علوم الدين":

14- "الترتيل والتؤدة أقرب إلى التوقير والاحترام، وأشدُّ تأثيراً في القلب من الهذرمة والاستعجال".

ولمّا كان القرآن الكريم هو رسالة الله وهي الرسالة العظيمة، فقد تكفَّل ـ سبحانه وتعالى ـ أن تصل إلى خلقه من الجن والإنس، لذا أخبر نبيَّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأنه سيُقرئه القرآن قراءة لا ينساها فقال في سورة الأعلى:

15- (سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى (6)

فالآية لإزالة تخوُّفِ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من عدم قدرته على القيام بالدعوة إلى الله، ودلّت على معجزة من وجهين:

الأول: أنه كان أمياً، فحفَّظه لهذا الكتاب من غير دراسة وكتابة.

الثاني : هذه الآية من أوائل ما نزل بمكة، وفيها إخبار عن أمر عجيب، سيقع في المستقبل، وقد وقع.

كما أشارت الآية إلى الهداية الخاصة للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، بعد أن دلَّت الآية

16- (وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) 

من السورة ذاتها إلى الهداية العامة للمخلوقات. وإذا كان الخلْقُ، والهدايةُ، والمعيشةُ، نعماً من الله على الناس جميعاً، فنعمةُ اختيار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ رسولاً ـ  للقيام بمهمة تبليغ الرسالة العظيمة ـ نعمةٌ خاصةٌ. وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال:

17- "كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعالج من التنزيل شدة، وكان يحرك شفتيه قال الله عز وجل:

18- (لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)  [سورة القيامة]

قال: جمعه لك في صدرك ثم تقرؤه، (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ) قال: فاستمع له وأنصت، فكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق قرأه كما أقرأه".(6)

وقوله في الحديث: (وكان يحرِّك شفتيه) يلزم منه تحريك اللسان، لذا جاء في رواية الإمام البخاري في كتاب التفسير:

19- "كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا نزل جبريل بالوحي فكان مما يحرك به لسانه وشفتيه".

وهذا التحريك الغاية منه الحفظ، بدليل ما ورد في رواية الترمذي:

20- "يريد أن يحفظه".(7)

وللنسائي في "الكبرى":

21- "إذا نزل القرآن عليه يعجل بقراءتها ليحفظه".

وفي الرواية التي أخرجها الإمام البخاري:

22- "يخشى أن ينفلت منه".

أي: يضيع ويفوت، ولفظه عند النسائي في "الكبرى":

23- "كان يحرك لسانه مخافة أن يفلت منه".

24- "وكان هذا في الابتداء. كان ـ عليه الصلاة والسلام ـ من شدَّة حرصه على أخذه من الملك ما يوحى إليه عن الله عز وجل يسابقه في التلاوة، فأمره الله تعالى أن ينصت لذلك حتى يفرغ من الوحي وتكفَّل له أن يجمعه في صدره، وأن ييسر عليه تلاوته وتبليغه، وأن يبيِّنه له ويفسره ويوضحه ويوقفه على المراد منه. ولهذا قال:

25- (..وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114)".(8)

فطالبه عز وجل بالإنصات والتدبر، وألاَّ يعجل بالقراءة، وهو المقصود من قوله تعالى: (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا). وفي سورة الإسراء قال تعالى:

26- (وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً (106)

ومعنى (عَلَى مُكْثٍ) أي: على تؤدة، قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

27- "دليل على استحباب ترتيل القراءة والترسل فيها من غير هَذْرَمة ولا سرعة مفرطة، بل بتأمل وتفكر".

وعائشة ـ رضي الله عنها ـ تنقل لنا مدة ختم النبي ـ صلى الله عليه وسلم القرآن ـ فتقول:

28- "كان لا يقرأ القرآن في أقل من ثلاث".(9)

فمن فعل أقل من ثلاث فقد خالف السّنّة، وقد علَّل النبي سبب ذلك بقوله:

29- "من قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم يفقهه".(10)

وفي لفظ:

30- "لا (وفي لفظ: لم) يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث".(11)

لأن الزيادة على الثلاث تمنعه الترتيل، لذا امتدح ـ صلى الله عليه وسلم ـ الماهر بالقرآن فقال:

31- "الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة ..(الحديث)".(12)

قال الحافظ ـ رحمه الله ـ:

32- "معنى الماهر: أي الحاذق، والمراد به هنا جودة التلاوة مع حسن الحفظ، والمراد بالسفرة: الكتبة، وهم هنا الذين ينقلون من اللوح المحفوظ، فوصفوا بالكرام أي المكرمين عند الله تعالى، والبررة المطيعين المطهرين من الذنوب".(13)

واعلم أن القرآن يقرؤه ثلاثة كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ مرفوعاً:

33- "ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن، ومنافق، وفاجر".(14)

قال الوليد بن قيس:

34- "المنافق كافر به، والفاجر يتأكل به، والمؤمن يؤمن به".

وقوله تعالى في سورة الأعراف، والشعراء، ويونس، والمائدة:

35- (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ..)

المصدر: التلاوة، فتكون التلاوة في الكلمات يتبع بعضها بعضاً، وقالوا: التلاوة لا تكون إلا لكلمتين فصاعداً، وتلوت القرآن: إذا قرأته كأنك اتبعت آية في إثر آية. قال الراغب الأصفهاني:

36- "التلاوة تختص باتباع كتب الله المنزلة تارة بالقراءة وتارة بالارتسام، لما فيها من أمر ونهي وترغيب وترهيب، أو ما يتوهم فيه ذلك، وهي أخص من القراءة، فكل تلاوة قراءة، وليس كل قراءة تلاوة، فقوله تعالى:

37- (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ...(27) [سورة الكهف]

فهذا بالقراءة، وقوله تعالى:

38- (الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ ..(121) [سورة البقرة]

فاتباع له بالعلم والعمل، وإنما استعمل التلاوة في قوله تعالى:

39- (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ..(102) [سورة البقرة]

لما كان يزعم الشياطين أن ما يتلونه من كتب الله.(15)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الهامش

(1)          أخرجه مسلم، وأحمد، والبزار، وغيرهم.

(2)   أخرجه ابن شاهين، وأبو نعيم في "الحلية"، وعنه الحافظ ابن حجر في "نتائج الأفكار"، وهو في "السلسلة الصحيحة"(2342).

(3)          "تلخيص صفة الصلاة"(ص:24).

(4)   أخرجه أبو داود، والترمذي، وأحمد، وغيرهم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً، وهو في "السلسلة الصحيحة"(2240).

(5)          أخرجه الطبراني في "الأوسط"، وهو في "السلسلة الصحيحة"(2829).

(6)          أخرجه البخاري، ومسلم، وأحمد، والترمذي، والنسائي، وغيرهم، والمعالجة محاولة الشيء بمشقة.

(7)         "صحيح سنن الترمذي"(3329).

(8)          "صحيح السيرة النبوية"(ص:111).

(9)          أخرجه ابن سعد في "الطبقات"، وغيره، وهو في "السلسلة الصحيحة"(2466).

(10)   أخرجه أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بسند صحيح، وهو في "صفة الصلاة" لشيخنا الألباني.

(11)   أخرجه الدارمي، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي من حديث عبد الله بن عمرو.

(12)   متفق عليه، ورواه غيرهما.

(13)   "الفتح"(13/518).

(14)   أخرجه ابن حبان، والحاكم، وأحمد، وهو في "السلسلة الصحيحة"(3034).

(15)   "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب الأصفهاني (ص:168).