الْقُرآنُ كلُّهُ عِلْمٌ نافِعٌ
الأحد | 10/02/2013 - 07:19 مساءً


الْقُرآنُ كلُّهُ عِلْمٌ نافِعٌ

إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ 29/03/1434 وفق 10/02/2013

فالسعيد ـ أيها المؤمنون الأفاضل ـ من امتثل قولَ نبيِّه فقرأ كتاب ربِّه القرآن، لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

1- "اقرءوا القرآن فإنكم تؤجرون عليه، أما إني لا أقول: {ألم} حرف، ولكن ألف عشر، ولام عشر، وميم عشر، فتلك ثلاثون".(1)

وفي رواية:

2- "من قرأ حرْفاً من كتاب الله؛ فله به حسنة، والحسنة بعشْرِ أمثالها، لا أقول: {ألم} حرف، ولكن ألفٌ حرف، ولامٌ حرف، وميمٌ حرف".(2)

ثم ذكر عز وجل بعد القراءة: "القلم"، إبرازاً لمكانته وأهميته في حفظ العلم وتبليغه، وأمر ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بكتابة العلم فقال:

3- "قيِّدوا العلم بالكتاب".(3)

والمُصحف:

4- "روعي في تسميته قرآناً كونه متلوّاً بالألسن، كما روعي في تسميته كتاباً كونه مدوناً بالأقلام، فكلتا التسميتين من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه".(4)

إن على طالب العلم النافع أن يدرك أنه يجب عليه أن يقرأ رسالة الله تعالى، وعليه باستمرار أن يعتني بمطالعتها وفهمها حتى يزيده الله تعالى إيماناً وهدايةً.

وبناء عليه فقد تعلَّقت القراءة والكتاب بالعلم النافع، وتعلَّق العلم النافع بالتذكرة. والتذكرة هي رسالته عز وجل للبشرية جميعاً. فمن أهملها أو أعرض عنها  صارت حياته عذاباً وشقاءً. لذا جاء في سورة المدثر التعجيب من الإعراض عنها فقال تعالى:

5- (فَمَا لَهُمْ عَنْ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ(49)

وسرعان ما كشف الله تعالى وبيَّن سبب نفورهم وإعراضهم عن التذكرة فشبَّههم بجاهل الحيوان فقال:

6- (كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51)

قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

7- "وهذا غاية الذم لهؤلاء، فإنهم نفروا عن الهدى الذي فيه سعادتهم وحياتهم كنفور الحمر عما يهلكها ويعقرها".(5)

ويبدو لي أن إعراضهم عن الإيمان بالله تعالى هو الذي قوَّى نفورهم عن القرآن، لأنهم بعد كفرهم ونفاقهم وضلالهم وجدوا القرآن ثقيلاً في معانيه، وثقيلاً في تكاليفه، وثقيلاً في وعده ووعيده، كما قال تعالى:

8- (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (5) [سورة المزمل]

ولو أنهم آمنوا وأقبلوا على القرآن وشرحوا صدورهم له لخفَّفه الله عليهم، فإن المؤمنين لإيمانهم وإقبالهم على كتاب ربهم بخشوع، وقراءتهم له  بتفهم وتدبُّر، خفَّف الله عليهم ثقله، ووفَّقهم وأعانهم للقيام بأعبائه وتكاليفه بإخلاص وهمَّة، كما قال الحسين بن الفضل ـ رحمه الله ـ:

9- "لا يحمله إلا قلب مؤيد بالتوفيق، ونفس مزيَّنة بالتوحيد".(6)

فالمؤمن الموحِّد لربه عز وجل هو المستفيد الأوحد من القرآن، ومعلوم لأولي الألباب أن القـرآن العظيم فيه جمـلة كـبيرة من المنافع والتذكرة والعبر والحجج، كما قال تعالى في سورة طه:

10- (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (99)

قال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:

11- "والقرآن الكريم ذكر للأخبار السابقة واللاحقة، وذكر يتذكر به ما لله تعالى من الأسماء والصفات الكاملة، ويتذكر به أحكام الأمر والنهي، وأحكام الجزاء، وهذا مما يدل على أن القرآن مشتمل على أحسن ما يكون من الأحكام، التي تشهد العقول والفطر بحسنها وكمالها، ويذكر هذا القرآن ما أودع الله فيها، وإذا كان القرآن ذكراً للرسول ولأمته، فيجب تلقيه بالقبول والتسليم والانقياد والتعظيم، وأن يهتدى بنوره إلى الصراط المستقيم، وأن يُقبلوا عليه بالتعلم والتعليم".

وقال تعالى في سورة يوسف:

12- (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3)

وقوله عز وجل في الآية: (وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) كقوله في أول التنزيل:

13- (وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى (7) [سورة الضحى]

فضلاله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن شركاً، بل كان في بُعده عن هدي النبوة، فهداه الله إليها، قال الجمهور ومنهم الحسن والضحاك:

14- "ضالاً عن معالم النبوة، وأحكام الشريعة، فهداك إليها".(7)

قال صديق حسن خان ـ رحمه الله ـ:

15- "ولا يجوز أن يُفهم به عدول عن حق ووقوع في باطل، فقد كان ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من أول حاله إلى نزول الوحي عليه معصوماً من عبادة الأوثان وقاذورات أهل الفسق والعصيان".

وهذه الهداية من النعم التي عدَّدها الله تعالى عليه، وهي من أعظم خيرات الدنيا من صغره إلى شبابه وكبره، ثم اصطفائه بالرسالة، ثم حفظه من الناس، ثم نصره على الأعداء، وإظهار دينه وإعلاء كلمته.

فمن أنعم الله عليه بالهدي النبوي والعلم السلفي فليحمد الله ويشكره، لأن هذه النعمة من أعظم النعم. فمن أحسن فهم القرآن وتدبَّرَه على النحو الصحيح فقد تيسَّر له الإقبال على التكاليف الربّانية بهمَّة عالية، فيؤديها بعزيمة ونشاط. قال تعالى:

16- (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا..(52) [سورة الشورى]

فالعوائق التي تثقل الهمَّة عن فعل الصالحات، يدحرها الإيمان والإقبال على القرآن، وبالتالي فإن القرآن بعد أن يكشف الله به ظلمات الجهل والشك والشرك يجعله روحاً وبيِّنة ونوراً يستضاء به، فمن خرج من ظلمات الجهل والشرك إلى نور القرآن والتوحيد فكأنما بعث من جديد، قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

17- "فسماه روحاً لما يحصل به من الحياة، وجعله نوراً لما يحصل به الإشراق والإضاءة وهما متلازمان، فحيث وجدت هذه الحياة بهذا الروح وجدت الاضاءة والاستنارة، وحيث وجدت الاستنارة والاضاءة وجدت الحياة، فمن لم يقبل هذا الروح فهو ميت مظلم".

وقال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:

18- "والقرآن تحيا به القلوب والأرواح، وتحيا به مصالح الدنيا والدين، لما فيه من الخير الكثير والعلم الغزير. وهو محض منَّة الله على رسوله وعباده المؤمنين، من غير سبب منهم، ولهذا قال: (مَا كُنْتَ تَدْرِي) أي: قبل نزوله عليك، (مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ) أي: ليس عندك علم بأخبار الكتب السابقة، ولا إيمان وعمل بالشرائع الإلهية، بل كنت أمياً لا تخط ولا تقرأ، فجاءك هذا الكتاب الذي (جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا) يستضيئون به في ظلمات الكفر والبدع، والأهواء المردية، ويعرفون به الحقائق، ويهتدون به إلى الصراط المستقيم".

فنعمة القرآن تستحق منّا أن نكون الحمّادين لله على نزولها في كل لحظة، وقد علَّمنا سبحانه كيف نحمده عليها فافتتح سورة الكهف بقوله:

19- (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1)

وهذه النعمة العظيمة وهي القرآن لم يجعل الله فيها أدنى شيء من العِوج، فهي تذكرة كاملة وتامة في الاستقامة، وهو المعنى الذي أفاده ولخَّصه عز وجل في مطلع الآية التالية:

20- (قَيِّماً..(2)

أي أن القرآن قائم مستقيم لا ميل فيه ولا زيغ، فجمع الله تعالى له بين نفي العوج واثبات الاستقامة، وسبقت الإشارة في سورة العلق ـ وهي أول سورة أنزلت ـ إلى أن الله تعالى هو الذي علَّم بالقلم، قال تعالى:

21-       (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4)

قال الزجّاج ـ رحمه الله ـ:

22- "أي علّم الإنسان الخط بالقلم".

فدَلَّ على كمال كرمه، بأنه علَّم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهـل إلى نور العلم، ونبَّه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلا هو، وما دوِّنت العلوم ولا قيِّدت الحِكَم، ولا ضُبطت أخبار الأولين ومقالاتهم ولا كُتُب الله المنزلة إلا بالكتابة، ولولا هي لما استقامت أمور الدين والدنيا، ولو لم يكن على دقيق حكمة الله ولطيف تدبيره دليل إلا أمر القلم والخط لكفى به.

ومن كمال كرمه عز وجل أنه يعلِّم ويرفع، وقد امتدح:

23- (...الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ..(40) [سورة النمل]

وأجرى له من الكرامة ما يحفز  همَّة طالب العلم، ويحثّه ليتعلم كتاب الله ويتذكَّره.

والصحابة ـ رضوان الله عنهم ـ لمّا خالط الإيمان بشاشة قلوبهم أولاً، أقبلوا على تعلّم القرآن، ثم تعلَّموا السّنّة، فرزقهم الله القصد والوسطية، فليسوا هم بالغلاة ولا بالجفاة، فعن حذيفة بن اليمان ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:

24- "أَنَّ الأمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ".(8)

وقال جندب بن عبد الله البجلي ـ رضي الله عنه ـ:

25- "تعلمنا الإيمان قبل القرآن، ثم تعلّمنا القرآن، فازددنا به إيماناً، وإنكم اليوم تعلّمون القرآن قبل الإيمان".(9)

وقال عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ:

26- "لَقَدْ عِشْنَا بُرْهَةً مِنْ دَهْرِنَا وَأَحَدُنَا يُؤْتَى الإِيمَانَ قَبْلَ الْقُرْآنِ ، وَتَنْزِلُ السُّورَةُ عَلَى مُحَمَّدٍ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فَيَتَعَلَّمُ حَلاَلَهَا ، وَحَرَامَهَا ، وَآمِرَهَا ، وَزَاجِرَهَا، وَمَا يَنْبَغِى أَنْ يَقِفَ عِنْدَهُ مِنْهَا. كَمَا تَعَلَّمُونَ أَنْتُمُ الْيَوْمَ الْقُرْآنَ ، ثُمَّ لَقَدْ رَأَيْتُ الْيَوْمَ رِجَالاً يُؤْتَى أَحَدُهُمُ الْقُرْآنَ قَبْلَ الإِيمَانِ فَيَقْرَأُ مَا بَيْنَ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ مَا يَدْرِى مَا آمِرُهُ وَلاَ زَاجِرُهُ وَلاَ مَا يَنْبَغِى أَنْ يَقِفَ عِنْدَهُ مِنْهُ فَيَنْثُرُهُ نَثْرَ الدَّقَلِ.".(10)

فالأمانة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

27- "تنزل في قلوب المؤمنين من نوره وهداه، وهذه حسنات دينية وعلوم دينية حق نافعة في الدنيا والآخرة، وهو الإيمان الذي هو إفضال المنعم، وهو أفضل النعم".(11)

فلم يقتصر انتفاع المؤمنين بما منَّ الله عليهم من الإيمان، بل انتفعوا أيضاً بما منَّ عليهم من بعثة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهي أكبر النعم، فإن القرآن نزل عليه، فتلاه ـ صلى الله عليه وسلم ـ عليهم، وعلَّمهم القراءة، وأمرهم بالكتابة، ولمّا كانوا ـ رضوان الله عنهم ـ يعرفون نسبه، وحاله، ويتكلَّمون بلسانه، تيسَّر انتفاعهم منه، فصاروا به إلى كمال العلم النافع وهو العلم بالقرآن والحكمة ـ وهي السّنة ـ، وتعلَّموا ما لم يكونوا يعلمون، فأنقذهم الله به من الضلالة، وعصمهم به من الهلكة،  قال تعالى:

28- (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ (164) [سورة آل عمران]

قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

29- "فبعثه الله سبحانه وتعالى وله الحمد والمنة، على حين فترة من الرسل، وطُمُوس من السبل، وقد اشتدت الحاجة إليه، وقد مقت الله أهلَ الأرض عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب ـ أي: نزراً يسيراً ـ ممن تمسك بما بعث الله به عيسى ابن مريم عليه السلام؛ .. وذلك أن العرب كانوا قديماً متمسكين بدين إبراهيم الخليل ـ عليه السلام ـ فبدَّلوه وغيَّروه، وقلبوه وخالفوه، واستبدلوا بالتوحيد شركاً، وباليقين شكاً، وابتدعوا أشياء لم يأذن بها الله، وكذلك أهل الكتابين قد بدَّلوا كتبهم وحرفوها وغيَّروها وأوَّلوها، فبعث الله محمدًا ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ بشرع عظيم كامل شامل لجميع الخلق، فيه هدايتهم، والبيان لجميع ما يحتاجون إليه من أمر معاشهم ومعادهم، والدعوة لهم إلى ما يقرِّبهم إلى الجنة، ورضا الله عنهم، والنهي عما يقرِّبهم إلى النار وسخط الله. حاكم، فاصل لجميع الشبهات والشكوك والريب في الأصول والفروع. وجمَعَ له تعالى، وله الحمد والمنَّة، جميع المحاسن ممن كان قبله، وأعطاه ما لم يُعطِ أحدًا من الأولين، ولا يعطيه أحدًا من الآخرين، فصلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين".

واعلم أن باب تعلّم القرآن والسنة وتعليمه لطلاب العلم مهم جدّاً وفيه خير عظيم. لذا امتدح ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحثَّ، وأمر، ورغَّب لنتعلَّم القرآن ونعلِّمه، امتدح فقال:

30- "خيركم (وفي رواية:خياركم) من تعلم القرآن وعلَّمه".(12)

وحثَّ وأمر فقال :

31- "تعلموا كتاب الله واقتنوه".(13)

فمن تعلّمه وأخلص لله في تعلّمه صار إلى اقتنائه، والاقتناء لا يكون إلاَّ للنفيس، ولا يمكن لعاقل أن يقول: أن هناك ما هو أنفس من القرآن، فالقرآن مبارك وهو رغبة المؤمنين الصادقين وفيه يتنافسون ويتفاضلون. ورغَّب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في تعلّمه وتعليمه فقال:

32- "من علم آية من كتاب الله عز وجل، كان له ثوابها ما تليت".(14)

قال ابن رجب الحنبلي ـ رحمه الله ـ:

33- "وقد كان علي بن الحسين يجلس في مجلس زيد بن أسلم فيعاتب على ذلك فيقول: إنما يجلس المرء حيث يكون له فيه نفع. أو كما قال، يشير إلى أنه ينتفع بسماع ما لم يسمعه من العلم والحكمة، وزيد بن أسلم أبوه مولى لعمر، وعلي بن الحسين سيد بني هاشم وشريفهم".(15)

إن الله تعالى علَّم نبيَّنا ـ صلى الله عليه وسلم ـ القرآن، وعلَّمه الشرائع والأحكام، وعلَّمه مسائل الإيمان، وتفاصيل دينه الإسلام فقال:

33- (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113) [سورة النساء]

ومن ثم تعلَّم الصحابة من نبيِّنا ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وبلَّغونا عنه الإيمان والقرآن حروفه ومعانيه، وذلك مما أوحاه اللّه إليه، قال تعالى:

34- (الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) [سورة الرحمن]

قال الطبري ـ  رحمه الله ـ:

35- "الرحمن أيها الناس برحمته إياكم علمكم القرآن، فأنعم بذلك عليكم، إذ بصَّركم به ما فيه رضا ربكم، وعرّفكم ما فيه سخطه، لتطيعوه باتباعكم ما يرضيه عنكم، وعلَّمكم بما أمركم به، وبتجنبكم ما يُسخطه عليكم، فتستوجبوا بذلك جزيل ثوابه، وتنجوا من أليم عقابه".

 

وقال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:

36- "أي: علَّم عباده ألفاظه ومعانيه، ويسَّرها على عباده، وهذا أعظم منَّة ورحمة رحم بها عباده، حيث أنزل عليهم قرآناً عربياً بأحسن ألفاظ، وأحسن تفسير، مشتمل على كل خير، زاجر عن كل شر".

فالله تعالى علَّم نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ القرآن الذى هو أعظم النعم شأناً وأرفعها مكاناً، إذ باتباع توجيهاته وإرشاداته يظفر الإنسان بالسعادة الدنيوية والآخروية، والعلم النافع الذي أتى به القرآن هو من أجلِّ العلوم وأبركها وأوسعها، فبه تحصل الهداية إلى الصراط المستقيم، وهي هداية تامة لا يحتاج معها إلى تخرُّص المتكلمين، ولا إلى أفكار المتفلسفين، ولا لغير ذلك من علوم الأولين والآخرين. وفي الآية الكريمة: (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) ردٌّ على الكافر المعاند القائل:

37- (.. إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ (25) [سورة المدثر]

وردٌّ على المتخرّصين من الكفار المعاندين القائلين:

38- (.. إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (5) [سورة الفرقان]

فشتان بين من أقبل على القرآن بإيمان وتعلَّمه مخلصاً لله، ومن تأكَّل به، ومن أعرض عنه فأهمله أو جحد به، قال تعالى:

39- (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ..(21) [سورة الحشر]

يعني: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ) لأبصَرْته على قوته وشدة صلابته وضخامته، خاضعًا ذليلاً متشققًا من خشية الله تعالى. وفي "الدر المنثور": أخرج ابن المنذر عن مالك بن دينار قال:

40- "أقسم لكم لا يؤمن عبد بهذا القرآن إلا صدع قلبه".

وقال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

41- "فكيف يليق بكم أيها البشر ألا تلين قلوبكم وتخشع، وتتصدَّع من خشية الله، وقد فهمتم عن الله أمره وتدبرتم كتابه

وفي الآية الحث على تعلّم القرآن بعد تعلّم الإيمان. وفيها الحث على تأمل مواعظ القرآن، فلا عذر لمن ترك القرآن؛ فإنه لو خوطب بهذا القرآن الجبال لانقادت لمواعظه، ولرأيتها على صلابتها ورزانتها خاشعة متصدعة؛ أي متشققة من خشية الله. قال القرطبي ـ رحمه الله ـ:

42- "فأين قوة القلوب من قوة الجبال؟ ولكن الله تعالى رزق عباده من القوة على حمله ما شاء أن يرزقهم فضلاً منه ورحمة".

ولا أفصح من الموحِّد المؤمن بالله تعالى على منهاج النبوة والسلف بياناً؛ في التعبير عن علاقته بربه عز وجل وعلاقته بالقرآن، فالله تعالى أحياه وأحيا قلبه في الدنيا بكلمة التوحيد والصدق والإحسان "لا إله إلا الله" منشرحاً بها صدره، مؤمناً بها قلبه، يموت عليها فيختم له بالسعادة، وحين  يُسأل عنها في البرزخ في قبره:

43- (وما علمك

وفي رواية:

44- (وما يدريك)؟(16)

تكون إجابته ثمرة إيمانه بربِّه، وعلمه بالقرآن، وثباته في الدنيا على الحق، فينطق بها بتوفيق من الله وقائلاً:

45- "قرأت كتاب الله فآمنت به وصدَّقت".(17)

  المقالة كاملةً بصيغة بي دي أف

 

الهامش

  

(1)          أخرجه الخطيب في "التاريخ"، والديلمي، عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً، وهو في "السلسلة الصحيحة"(660)

(2)          أخرجه البخاري في "التاريخ"، والترمذي، وهو في "السلسلة الصحيحة"(3327)

(3)