جنون البغض للقرآن والحسد لأهله
الجمعة | 15/02/2013 - 09:09 مساءً

3

جنون البغض للقرآن والحسد لأهله

إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ 05/04/1434 وفق 15/02/2013

الجنون يتنافى مع النعمة العظيمة التي تبيَّن للناس أهمية العلم والتعلُّم، وتحث على القراءة والتدبُّر، فالدعوة الصحيحة تواكب التقدم والرقي وتستخدم القلم وسيلة في الكتابة والتدوين والتوثيق. وبناء عليه فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن مُغْفِلاً شأن القلم، فالذي يدعو إلى الله تعالى على بصيرة ليس بمجنون، بل عاقل وخلوق وكلُّه شرف وعِزَّة.

لكن العداوة التي تنشأ بين أهل الحق وأهل الباطل سببها في الأصل: بغض أهل الباطل للقرآن العظيم، والنفور عن الهدى.

فوصف المغرضين للرسل والأنبياء بالجنون؛ أصله: بُغضهم وكراهيتُهم للقرآن، وبالتالي حسدهم لمن أنعم الله عليهم بنعمة القرآن والهدى. لذلك افتتح الله عز وجل السورة التي سمّاها بسورة القلم بنفي آفة الجنون عن أفضل أوليائه؛ محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله:

1- (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2)

وتوعَّدهم في السورة بقوله:

2- (فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ (6)

أي: ستعلم يا محمد! وسيعلم الذين اتهموك بالجنون من المجنون، ثم إن الله تعالى بيَّن في خاتمة السورة أن كراهيتهم وحسدهم هما الدافعان الرئيسان لاتهامه بالجنون، فأرادوا تنحيته وإبعاده عمّا جاءهم من الصدق بإصابته بالعين، وهذا أول بغي لهم، وإنما حدث ذلك لمّا سمعوا الذكر قال تعالى:

3- (وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51)

وبعد أن أثبت الله جل جلاله النعمة لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونفى عنه الجنون ألزمهم في سورة التكوير بقوله:

4- (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22)

فصاحبكم هو: محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد عرفتموه حقَّ المعرفة، فهو لكمال عقله وقوة إدراكه في السند العظيم الذي لا يتم وصول القرآن إلى البشرية إلاَّ به. فليس هذا القرآن المنزَّل عليه أيها المبغضون الحاسدون:

5- (..بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (25)

وإنما هو كلام الله تعالى، فلزم الأخذ به وإلاَّ:

6- (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26)

أين عقولكم ؟ من المجنون ؟ فالآيات بمثابة الحجة اللازمة، فمن أراد الهداية فعليه بهذا القرآن. فالقرآن العظيم نعمة وحجة وتذكرة، وليس قهراً ولا جبراً، لذا ختم الله تعالى سورة التكوير بالتذكير والتهديد بقوله:

7- (إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (27) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28)

فمن أراد الهداية فعليه بهذا القرآن.

فالمؤمنون هم وحدهم المنتفعون بالذكر والهداية، فكأنه لم يوعظ به غيرهم، وإن كانوا موعوظين به جميعاً.

وأفادت الآية أن من لم يرد الاستقامة لا يمكنه الانتفاع بالقرآن.

إن اتهام أهل الباطل لأهل الحق بالجنون والبعد عن العقلانية عادة درجوا عليها من عهد نوح ـ صلى الله عليه وسلم ـ، قال تعالى:

8- (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) [سورة القمر]

فليس قومك ـ يا محمد! ـ هم أول المكذِّبين، بل إن التكذيب للرسل والأنبياء حاصل من عهد أول نبي أرسل، كذَّبوا عبدنا نوحاً ـ عليه السلام ـ وشتموه واتهموه بالجنون، لزعمهم أن ما هم عليه وآباؤهم من الشرك والضلال هو الذي يدل عليه العقل!!

وقولهم: (وَازْدُجِرَ) أي: زجروه وعنَّفوه على مخالفته لهم بدعوته إلى عبادة الله عز وجل وتوحيده، قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

9- "فإن الأنبياء أتوا بخلاف ما يعرفونه، وهو عندهم يضر صاحبه في عقله، ويفارق به دينه الذي هم عليه".(1)

فالعلاقة بين التكذيب والحسد والاتهام بالجنون علاقة وطيدة متكاملة، بمعنى لا يمكن أن يكون هناك حسد من غير تكذيب، أو بعبارة أخرى: لا يمكن أن يكون اتهام للصادق العاقل بالجنون من غير حسد وتكذيب، فتكذيب الحق تصاحبه أمراض سيئة غاية؛ تأتي في النهاية بنتائج وخيمة، فإذا لم يكن عند القوم استعداد لمعالجتها فقد لخصَّ الله تعالى نهاياتها بما ذكره عن نوح ـ عليه السلام ـ في سورة القمر:

10- (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10)

فعاقبهم الله تعالى، وبيَّن لنا كيف حصل العقاب فقال:

11- (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الأرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12)

وهكذا ابتليت ثمود بنبيِّها صالح ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقصتها مشهورة عند العرب، فماذا كان من نتائج ابتلائها؟

الجواب: التكذيب والحسد والشتم لنبيِّهم صالح ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال تعالى في السورة:

12- (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ(24) أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25)

قال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:

13- "والمقصود بهذا الكلام الصادر من ثمود لنبيهم صالح تكذيبه، ولهذا حكموا عليه بهذا الحكم الجائر، فقالوا: (بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ) أي: كثير الكذب والشَّر، فقبَّحهم الله ما أسفه أحلامهم وأظلمهم، وأشدَّهم مقابلة للصادقين الناصحين بالخطاب الشنيع".

فإذا سلَّموا قيادتهم لواحد ـ على حدِّ زعمهم ـ واتبعوه، فهذا يعني خيبتهم لأنهم كما يدَّعون لجمهورهم الغبي المنتفع الجبان أنهم بصنيعهم هذا يكونون في ضلال عن الصواب وجنون.

وزيادة في اقناع جمهورهم تساءلوا بتعجب وإنكار عمَّن هو الأحق من صالح ـ عليه السلام ـ بالدعوة إلى الحق وتذكير الناس بالعلم النافع،  مما يؤكد لك أن ما ذهبوا إليه من الطعن بصالح ـ عليه السلام ـ سببه الحسد ودافعه التكذيب، فردَّ الله عليهم في الآية التالية تكذيبهم وتوَّعدهم وهدَّدهم بقوله:

14- (سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأشِرُ (26)

وابتليت قريش كما ابتلي من سبقها من الأمم والأقوام، وابتلي من ابتلي ببعثة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونزول القرآن الذي امتدحه الله تعالى لبيانه وفصاحته ووضوحه وقوّة حجته، فكان وهو المخصوص ـ عليه السلام ـ بكرامة النبوة؛ فتنة لأشراف الناس من الكفَّار في عصره، وكذلك العلماء، وحكَّام العدل.

لذا فإن قوماً من قريش لشدة عداوتهم للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أبغضوه وحسدوه.

ولمّا كانت ألسنة الكفّار وأعمالهم متشابهة، لأن قلوبهم متشابهة، أنكر كفار مكة أن الله تعالى خصَّ نبيَّه محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ بإنزال القرآن عليه وحده، ولم ينزله على أحد آخر منهم فقالوا:

15- (أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا.. (8) [سورة ص]

قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

16- "يعني: أنهم يستبعدون تخصيصه بإنزال القرآن عليه من بينهم كلهم".

وقال الشنقيطي ـ رحمه الله ـ:

17- "معناه إنكارهم، أن يخصه الله بإنزال الوحي من بينهم، لزعمهم أن فيهم من هو أحق بالوحي منه، لكثرة ماله، وجاهه وشرفه فيهم".

وقال "صاحب الكشّاف":

18- "وهذا الإنكار ترجمة عما كانت تغلي به صدورهم من الحسد على ما أوتي من شرف النبوّة من بينهم".

وفعل (ألقي) في استفهام قوم صالح، غير فعل (أنزل) في استفهام قريش، فالأول فيه اتهام الله عز وجل بالعشوائية وخلو الحكمة، وذلك بإلقاء الذكر على صالح ـ عليه السلام ـ، وكان من الحكمة ـ بزعمهم ـ أن يكون الإنزال على غير صالح، لأن صالحاً ـ بنظرهم ـ كذَّاب أشر، وأن فيهم من هو أحق.

وتأخر متعلق الفعل (عَلَيْهِ) على فاعله (الذِّكْرُ) إشارة إلى ذمِّ الله تعالى على العشوائية حين أنزل الذكر، وبالتالي فإن النتيجة ـ في نظرهم المعتوه ـ كانت قيام صالح بمهمة النبوَّة.

أما الثاني ففيه اتهام الله بالظلم، لأنه خصَّ إنزال الذكر على محمد ـ عليه السلام ـ دون غيره.

وتقدم متعلق الفعل (عَلَيْهِ) على فاعله (الذِّكْرُ) إشارة إلى أن إنكارهم لمحمد كان مقدَّماً على إنكارهم القرآن، وردَّ الله عليهم في الآية بقوله:

19- (..بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (8)

فأضرب عن أقوالهم وأثبت تكذيبهم القرآن، وبيَّن أنهم لم يعتبروا بما حلَّ بقوم نوح ومن بعدهم ممن كذّبوا الرسل فحقَّ عقاب، واغترّوا بطول الإمهال.

وفي التعبير بقوله: (لَمَّا) إشارة إلى قرب حصول العذاب. فإنهم قالوا الذي قالوه حيث كانوا لم يصبهم من عقاب الله شيء، فكيف بهم إذا نزل بهم العذاب؟

وقد سجَّل فرعون ـ عند ابتلائه ـ الموقف ذاته حيال موسى ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما دعاهم إلى الحق، وقصَّته مشهورة عند أهل الكتاب، فماذا كان فرعون قائلاً لقومه مستغلاً خضوعهم وخنوعهم له؟:

20- (قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) [سورة الشعراء]

أشارت الآية الكريمة إلى قرار أحمق يتخذه من صعقته الحجة، وهو اللجوء  إلى اتهام أهل الحق الذين على منهاج العدل والإنصاف، على منهاج النبوة والسلف، بالجنون؛ ثم يمشي الأحمق وأعوانه بين الناس بالنميمة والإشاعة.

هذه عادة السفهاء الضالّين، وذريعة يلجأ إليها المكذِّبون بدين رب العالمين، ولام المزحلقة في قوله: (لَمَجْنُونٌ) إعلام المفلسين من الحجج والبراهين، وخديعة الحاسدين لإحباط دعوة الصادقين، ليبدأ بعدها جمهورهم اللعين ببث حقدهم الدفين.

فماذا ردَّ موسى ـ عليه السلام ـ بعد ان سمع منهم الرفض والصدَّ والطعن؟

21- (قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28)

أعرض موسى ـ صلى الله عليه وسلم ـ عنهم واستمر بدعوته، وبيَّن لهم أن الذي يستحق العبادة والتأليه والخضوع والطاعة هو الله تبارك وتعالى، رب المشرق والمغرب وما بينهما.

فإن كنتم آمنتم أن الله هو وحده المتصف بصفات الربوبية، فعليكم أن تؤمنوا أنه هو وحده الذي يستحق الألوهية، فلماذا تصرفون التأليه والعبادة والخضوع لغيره إن كنتم تعقلون؟ فإن الجنون كلّ الجنون أن تؤمنوا بربوبية الله ثم تكفروا بألوهيته! كما قال تعالى في سورة يوسف:

22- (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106)

فإن كنت أنا بزعمكم المجنون! أيها المبغضون الحاسدون الضالّون، فكونوا أنتم العقلاء. فإن اتخاذكم لفرعون إلهاً تطيعونه من دون الله هو الذي جعل شرككم ـ بزعمكم ـ الدين الحسن، وتوحيد الله وعبادته بحق ـ بزعمكم ـ هو الجنون بعينه! (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ)؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

23- "فإن العقل مستلزم لعلوم ضرورية يقينية، وأعظمها في الفطرة الإقرار بالخالق.  فلما ذكر ـ أولاً ـ أن من أيقن بشيء فهو موقن به، واليقين بشيء هو من لوازم العقل، بيَّن ـ ثانيًا ـ أن الإقرار به من لوازم العقل.

ولكن المحمود هو العلم النافع الذي يعمل به صاحبه، فإن لم يعمل به صاحبه قيل: إنه ليس له عقل. ويقال ـ أيضًا ـ لمن لم يتبع ما أيقن به: إنه ليس له يقين. فإن اليقين ـ أيضًا ـ يراد به العلم المستقر في القلب ويراد به العمل بهذا العلم. فلا يطلق: الموقن  إلا على من استقر في قلبه العلم والعمل.

وقوم فرعون لم يكن عندهم اتباع لما عرفوه، فلم يكن لهم عقل ولا يقين. وكلام موسى يقتضي الأمرين: إن كان لك يقين فقد عرفته، وإن كان لك عقل فقد عرفته. وإن ادعيت أنه لا يقين لك ولا عقل لك، فكذلك قومك، فهذا إقرار منكم بسلبكم خاصية الإنسان. ومن يكون هكذا، لا يصلح له ما أنتم عليه من دعوى الإلهية. مع أن هذا باطل منكم، فإنكم موقنون به".(2)

إن كراهية كفار مكة للإيمان والقرآن، وحسدهم للمؤمنين وحملة القرآن بلغ بهم مبلغاً أحمقاً، فخاطبوا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجهاً لوجه بكل وقاحة وجراءة وصَلَف:

24- (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6) [سورة الحجر]

إنهم معترفون بنزول القرآن، فكان استعمالهم لام المزحلقة في قولهم (لَمَجْنُونٌ) رفعاً لمعنويات جمهورهم المريض، وتشجيعاً لهم، فقد بلغ الاستهزاء بهم والشتيمة مبلغ الوقاحة؛ فانتقلوا بحماقتهم بهذا الاتهام له من التداول فيما بينهم بصمت؛ إلى الإعلان والصراخ في وجهه!

ثم في سورة الصافات كشف الله لنا عن مرض آخر فيهم وهو الاستكبار قال تعالى:

25- (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (36)

استكبروا بعد أن كذّبوا، فأضاف الله تعالى إلى أخلاقهم وأفعالهم الاستكبار، وبيَّن أنهم لا يزالون لاستكبارهم مستمرّين على استهزائهم بالحق، وعنادهم على الشرك، فلا يمكنهم التنازل عنها لشاعر مجنون ـ على حدِّ زعمهم ـ ولا زالت لام المزحلقة تعمل عملها عندهم، فإنهم قالوا هنا (لِشَاعِرٍ) والغرض زحلقت الجاهل العنيد بالدعاية المغرضة ليجد نفسه بعد فخهم المنصوب في بئر الظلام لا يبصر شيئاً من النور.

وإنما قالوا شاعر وهم يعلمون أنه ليس بشاعر ولا يعرف الشعر والشعراء، لكنهم أرادوا ان يرموه بالكذب:

26- "فإن الشعر يعبر به عن الكذب، والشاعر: الكاذب، حتى سمى قوم الأدلة الكاذبة: الشعرية، .. ولكون الشعر مقر الكذب قيل: أحسنُ الشعر أكذبه".(3)

فردَّ الله عليهم وكذَّبهم بأن ضرب على استكبارهم وشركهم وأثبت أن نبيَّه محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ جاء بالحق وصدَّق المرسلين فقال في الآية التالية:

27- (بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (37)  

ثم في سورة "المؤمنون" بيَّن الله تعالى أن استكبارهم زادهم بغضاً وكراهية للحق فقال:  

28- (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70)

أيكون سبب إصرارهم على استكبارهم اتهامهم للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالجنون؟ كلاَّ، فإنهم يعلمون حق العلم أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد أربعين عاماً من صحبته لهم بعثه الله وهو أكمل الناس عقلاً، وأعظمهم خُلُقاً، وأصدقهم لساناً ولهجةً، جواد كريم، شجاع أمين، فلِمَ يتَّهموه بالجنون؟

لذا ضرب الله على اتهامهم، وبيَّن أن الخاصة اللئيمة وقد لحقتها الأكثرية من أهل الباطل تبغض الحق وتكرهه، أما القلة منهم فهي وإن لم تكره الحق لمعرفتها به، إلا أن سكوتها لجبنها لم يسعفها؛  فبقيت في دائرة الباطل.

ونجا قلة القلة، وهم أهل الحق، لأنهم عرفوه وأحبوه وأخلصوا لله فيه، وانتصروا له، ودعوا له، وجاهدوا فيه، فكانوا بفضل الله على النعمة، على القرآن بمنهاج النبوة والسلف.

وظهر في الآية تكامل العلاقة بين التكذيب والطعن، ابتداء من حسدهم واتهامهم لأهل الحق بالجنون، وانتهاء ببيان الدافع للحسد وهو: التكذيب والاستكبار بغضاً وكراهية للحق. قال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:

29- "وأعظم الحق الذي جاءهم به إخلاص العبادة لله وحده، وترك ما يعبد من دون الله، وقد علم كراهتهم لهذا الأمر وتعجبهم منه، فكون الرسول أتى بالحق وكونهم كارهين للحق بالأصل هو الذي أوجب لهم التكذيب بالحق لا شكاً ولا تكذيباً للرسول".

الهامش

(1)          "تفسير آيات أشكلت"(1/151)

(2)          "مجموع الفتاوى"(4/333)

(3)          "المفردات في غريب القرآن" (ص:262)