القرآن ذكر وتذكرة
السبت | 23/02/2013 - 06:23 مساءً

4

القرآن ذكر وتذكرة

إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ 13/04/1434 وفق 23/02/2013

لمّا كان التذكير ضرورة وحاجة للناس في كل وقت، فقد سمّى الله تعالى القرآن تذكرة فقال:

1- (كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54) [سورة المدثر]

أي: القرآن تذكرة، فليس الأمر كما يدَّعي المشركون أنه سحر يؤثر، أو أنه قول البشر، أو أنه إفك افتراه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، أو أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً، إنما القرآن حقّاً تذكرةٌ بليغةٌ كافيةٌ من الله لخلقه.

وفي قوله تعالى في سورة القلم:

2- (وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (52)

إبطال لنعتهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالجنون. فالقرآن كلام الله عز وجل، فهو رفيع القدر، فلا يليق لأحد أن يصفه بغير ما وصفه الله تعالى، كما لا يليق لأحد أن يصف من نُزِّل عليه الذكر بالجنون. كما أنه لا يليق لأحد أن يشطب من ذاكرته القرآن والعمل بالقرآن، لأن القرآن ذكر للعالمين حتى آخر ممتحَن مكلَّف في الحياة الدنيا، فيجب على جميع الناس أن يؤمنوا به ويتفهَّموا معانيه، ويتذكَّروه عند كل لحظة تدعوهم للتذكر. وإنما أطلق على القرآن اسم "الذكر" لما فيه من هداية للضال، وتذكير للناسي، وتنبيه للغافل.

وأقسم الله تعالى بالقرآن في مطلع سورة "ق" ووصفه بالمجيد فقال:

3- (ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ (1) 

والقرآن بمعنى المقروء من قول العرب: قرأت الشيء إذا أظهرته وأبرزته، وبمعنى القارىء أي: الجامع لأن الله جمع فيه جميع ما في الكتب المنزلة. ووصف الله تعالى القرآن بـ (الْمَجِيدِ): لسعته وكرمه وعظيم فائدته.

وأقسم به أيضاً في مطلع سورة "ص" فقال:

4- (ص وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ (1)

فمن سعته وكرمه أنه (ذِي الذِّكْرِ) فهو للتذكير والوعظ، يذكِّر العباد بما فيه نفعهم في المعاش والمعاد، في الدنيا والآخرة. ويذكِّرهم بما يحتاجون إليه من العلوم، والأحكام، والقصص.

أقسم الله تعالى بالقرآن الكريم لعظيم نفعه وكثرة خيراته وغزارة علمه. وأقسم به لأنه في غاية البيان والفصاحة، فمن تأمَّله وتدبَّره وتذكَّره صارت الأمور إليه في غاية الوضوح. لذلك دعا الله تعالى المسلمين للاستمساك به، وامتدح من استمسك به فقال:

5- (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ..(170) [سورة الأعراف]

فهؤلاء لم يحرِّفوه ولم يكتموه ولم يتأكَّلوا به. بل تمسَّكوا به علماً وعملاً، لذا تنعَّموا ببركاته وخيراته.  

والمقسم عليه في السورتين محذوف، تقديره: أقسم بالقرآن العظيم ذي المجد وذي الذكر، أنك أيها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ صادق، وأن رسالتك حق، وأن الكفّار كذبة في إنكارهم رسالتك، وكذبة في إنكارهم البعث، وكذبة في إنكارهم أن المعبود بحق هو الله عز وجل.

ولمًا كان القرآن تذكرة، فالتذكرة هي الموعظة التي تلين لها القُلوب؛ فتمتثل أمر الله، وتجتنب نهيه. فإذا صار المنتفع بالقرآن إلى حظه من التذكرة والوعظ، صار إلى ما خصَّه الله تعالى من الشفاء والهدى والرحمة كما قال:

6- (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) [سورة يونس]

والذين يتَّهمون الأنبياء والرسل ومن تبعهم بإحسان بالجنون، ويتهمونهم بالكذب، لا يؤتمنون؛ لأنهم خائنون، بل إنهم ينافقون، ويتلاعبون، وأخطر ما ينافقون به الدين، وأخطر ما يتلاعبون به القرآن.

ولو تأملنا نجوم التنزيل؛ لوجدنا في نهاية كل سلسلة من كِبْر كبراء مشركي مكة؛ تعبيرهم عن شديد استيائهم وبغضهم أن يكون القرآن ذكراً للعالمين، وأن يكون محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ رسولاً للناس أجمعين، لذا فإنهم واجهوه بالشتيمة!

ففي سورة "الحجر" بلغت الوقاحة بهم مبلغاً؛ بحيث انتقلوا في اتهامهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالجنون من التستر إلى المواجهة (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ(6) فردَّ الله عليهم إنكارهم واستهزاءهم بقوله في السورة ذاتها:

7- (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) 

فأكدَّ أنه هو المنزِّل القرآن بالقطع، فإنكارهم عليه بقولهم: يا أيها الذي (نُزِّلَ عَلَيْهِ) بني للمفعول ـ أي بزعمه ـ. فكان الردُّ بقوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ) أي: بما لنا من العظمة نحن نزّلنا الذكر. و(نَحْنُ) للتعظيم ولا يراد بها التعدد، وقوله: (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) أي: وبما لنا من العظمة نحن للقرآن حافظون.

فهو سبحانه ليس المتكفِّل بتنزيل القرآن لينتفع المؤمنون به فحسب، بل أيضاً متكفّل بحفظه، فقطع بذلك رجاءهم وأبطل كيدهم ومكرهم من أن تمتدَّ أيديهم إلى كتابه العزيز بأي نوع من أنواع التلاعب. قال الشنقيطي ـ رحمه الله ـ:

8- "بيَّن تعالى في هذه الآية الكريمة أنه هو الذي نزَّل القرآن العظيم، وأنه حافظ له من أن يزاد فيه أو ينقص أو يتغير منه شيء أو يبدَّل".

ومقصود حفظ الله لكتابه العزيز بقاء الهداية والحجة، كما قال العلاّمة المعلّمي اليماني ـ رحمه الله ـ:

9- "ولا شبهة أنه ليس المراد حفظ ألفاظه فقط، وإنما المقصود بحفظه بقاء الحجة قائمة، والهداية دائمة إلى قيام الساعة".(1)

فأهل الكتاب جعل الله تعالى حفظ كتبهم إليهم فخانوها ولم يحفظوها، بل تلاعبوا بها فبدَّلوا وحرَّفوا وغيَّروا حتى أضاعوها، أما القرآن فإن الله تعالى لم يكل حفظه إلى أحد حتى يمكنه تضييعه، فتولَّى حفظه بنفسه ـ الكريمة المقدسَّة ـ من التبديل والتحريف والتغيير، وفي هذا بشارة للمؤمنين، وإغاظة للمشركين.

بشارة للمؤمنين حتى يكون الدين كلُّه لله، وإغاظة للمشركين لأن القرآن لا يزال يتحدّى طوائف الضلاَل بأنواعهم، فهو كلام الله المهيمن على كلِّ الكتب.

فلو كان هذا القرآن من عند غير الله كما يدَّعي المشركون لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً، لأنه يكون قد تعرَّض للتغيير والتبديل، لكن نزل به الروح الأمين على قلب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ محفوظاً من الشياطين فلا يزيدون عليه ولا ينقصون، بخلاف الكتب المتقدِّمة فإن العلماء السوء والرهبان السوء لمّا خانوا الأمانة امتدَّت أيديهم إلى كتب الله فعاثوا بكلماتها ومعانيها فساداً!! تماماً كما خان ويخون العلماء السوء في أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لولا حفظ الله تعالى له.

وسمّى الإمام مسلم في مقدمة صحيحه باباً هو:

10- "باب النهي عن الرواية عن الضعفاء، والاحتياط في تحمّلها".

ذكر فيه عدداً من الأحاديث بيَّن من خلالها تحذير النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أناس في آخر الزمان يحدِّثونكم ما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، وفيها عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ:

11- "إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَتَمَثَّلُ فِى صُورَةِ الرَّجُلِ فَيَأْتِى الْقَوْمَ فَيُحَدِّثُهُمْ بِالْحَدِيثِ مِنَ الْكَذِبِ".

وفيها عن عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ قال:

12- "إن في البحر شياطين مسجونة أوثقها سليمان، يوشك أن تخرج فتقرأ على الناس قرآناً".

وكلا الحديثين لهما حكم المرفوع، وقال القاضي عياض ـ رحمه الله ـ:

13- "وقد رام الروافض والملحدة ذلك فما يمكن لهم، ولا يصح أن يقبل مسلم من أحدٍ قرآناً يدَّعيه مما ليس بين الدَّفتين".(2)

وذكر الإمام مسلم ـ رحمه الله ـ في الباب ذاته عن بعض أصحاب علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ فأشاروا إلى ما أفسدته الروافض في علمه ودَعوا عليهم قائلين:

14- "قاتلهم الله؛ أيُّ علمٍ أفسدوا".

فإنهم تلاعبوا بحديثه، وأضافوا إليه من الروايات المفتعلة، وتقوَّلوا من الأباطيل، حتى خلطوا الحق بالباطل. وهكذا تفعل طوائف المبتدعة، فإنها أدخلت في الدين ما ليس منه، وتأولت القرآن بما تهوى. 

لكن كتاب الله تعالى عزيز مصون من التبديل والتحريف، إذ لا يمكن لعلماء السوء والمبتدعة أن تمتدَّ أيديهم إليه من أي جهة كانت لأنه كما قال تعالى:

15- (...وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ..(42) [سورة فصلت]

قال قتادة ـ رحمه الله ـ:

16- "لا يقدر الشيطان أن يبطل منه حقاً، ولا يحق فيه باطلاً".(3)

ووصف الله تعالى لكتابه بالعزيز لأنه قوي غالب بحججه وبراهينه، والله تعالى استعمل ويستعمل أهل هدايته وحجته في حفظ القرآن، فالطائفة المنصورة في أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا تزال ـ بفضل الله تعالى ـ ظاهرة على الحق، باقية على عملها في الدفاع عن كتاب الله وسنة نبيِّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ، قال عبد الله بن المبارك ـ رحمه الله ـ:

17- "لو هَمَّ رجلٌ في السَّحرِ أنْ يكذبَ في الحديثِ، لأصبحَ والناسُ يقولون فلانٌ كذّابٌ. وروينا عنه أنّهُ قيل له: هذهِ الأحاديثُ المصنوعةُ ، فقال: تعيشُ لها الجَهَابِذةُ (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)".(4)

ولمّا سئل العلماء الجهابذة عن الطائفة المنصورة من هم؟ قالوا: "هم أهل الحديث". فاقتصروا على ذلك، ولم يقولوا: هم أهل القرآن، لأن القرآن لا يمكن فهمه بغير من عرَّفهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أنهم الظاهرين على الحق، فتعريفهم بأهل الحديث أقوى وأصح، وإلاَّ فإن الطائفة المنصورة في نتيجة التحقيق: هم أهل القرآن، أهل الوحي من غير منازع، لأنهم يعلمون ما جاء من عند الله، كما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

18- "إن لله أهلين من الناس".

قالوا: يا رسول الله من هم؟ قال:

19- "هم أهل القرآن، أهل الله وخاصته".(5)

قال محمد مرتضى الزبيدي ـ رحمه الله ـ:

20- "المراد بأهل القرآن: حفظته الملازمون له بالتلاوة، العاملون بما فيه، أي أن هؤلاء أولياء الله وخاصّته، أي المختصون به اختصاص أهل الإنسان به، سمّوا بذلك تعظيماً لهم كما يُقال: بيت الله".(6)

وبحفّاظ الأمة أنجز الله تعالى حسن موعوده، كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

21- "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين". (7)

وبناء عليه فإن الله تعالى وجَّه الناس إليهم لأخذ الحكم الشرعي منهم في مسائلهم كونهم أقدر من غيرهم لأنهم: عدول، فقهاء في دينهم، ويحمون الشريعة من تحريف غلاة الدين، ويحمونها فيدفعون عنها الخلط والتزوير والخطأ، ويحمونها من الجهلاء الذين يذهبون إلى التأويلات الفاسدة والمعاني الضعيفة. لذا قال في سورة النحل:

22- (...فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (43)

فهم أهل القرآن والعلم، ولولا أن أخبارهم صحيحة تفيد العلم لم يأمر بسؤالهم، واعلم أن خبر الواحد الثقة منهم يفيد العلم، فلو كان واحداً لكان سؤاله وجوابه كافياً، فمن كان يجهل الحكم فيجب عليه سؤال هؤلاء العلماء أو واحدٍ منهم ليعمل بما أفتوه به. قال الشيخ العلاّمة السعدي ـ رحمه الله ـ:

23- "وهذه الآية وإن كان سببها خاصاً بالسؤال عن حالة الرسل المتقدمين لأهل الذكر وهم أهل العلم، فإنها عامة في كل مسألة من مسائل الدين أصوله وفروعه إذا لم يكن عند الإنسان علم منها أن يسأل من يعلمها، ففيه الأمر بالتعلم والسؤال لأهل العلم، ولم يؤمر بسؤالهم إلا لأنه يجب عليهم التعليم والإجابة عما علموه".

الهامش

(1)          "القائد إلى تصحيح العقائد"(ص:178)

(2)          "إكمال المعلم بفوائد مسلم"(1/119)

(3)          أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" عن معمر عنه.

(4)          "شرح التبصرة والتذكرة" للعراقي(ص:96)

(5)          أخرجه أحمد، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم، وغيرهم، عن أنس ـ رضي الله عنه ـ وهو في "صحيح الجامع"(2165)

(6)          "اتحاف السادة المتقين"(4/465)

(7)          أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(10/209)، والبزار كما في "كشف الأستار"، والخطيب البغدادي في "شرف أصحاب الحديث"، وابن وضاح في "البدع والنهي عنها"، وابن عدي في "الكامل"، وهو في "مشكاة المصابيح"(248)، وذكره ابن كيكلدي العلائي في كتابه"بغية الملتمس" وصححه لتعدد طرقه، وسئل الإمام أحمد عن هذا الحديث، فقيل كأنه كلام موضوع؟! قال: لا، هو صحيح، سمعته من غير واحد.