القرآن العظيم تذكرة خصَّ الله بنفعها المتقين
الأربعاء | 27/02/2013 - 11:03 مساءً

5

القرآن العظيم تذكرة خصَّ الله بنفعها المتقين

إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ 17/04/1434 وفق 27/02/2013

حين يوصف القرآن بالتذكرة؛ فالتذكرة لشيء كان موجوداً، إلا أن صاحبه غافل عنه، أو غير مستحضر لتفصيله، والبشرية عاهدت ربَّها وواثقته بميثاق الإيمان والطاعة والعبادة وهم في أصلاب آبائهم، لكن من تمام رحمة الله عند ابتلائهم أنه ذكَّرهم بالعهد بعد أن خلقهم وبعثهم من أصلاب أبائهم.

وحين يوصف القرآن بأنه ذكر للعالمين، فعلينا أن نفهم أن الواجب بالنسبة إليه أن نعلمه أولاً، ثم نذكر ما فيه دواماً؛ لأن الله عز وجل يطالبنا باعتقاد عقائده دواماً، والتزام أخلاقه دواماً، وبالعمل بشرائعه دواماً، وهذا لا يكون إلا بذكره دواماً، عند كل مناسبة تستدعي ذكره .

واعلم أن كل تذكير بالقرآن يُذكَّر به الناس يحصل به نفع بالجملة، ومن هذا النفع قيام الحجة على المخالف، فلا يجوز له أن يخون العهد، ويضرب بالميثاق عرض الحائط، ويعمل بعمل من جاءته التذكرة لينتفع لكنَّه كما قال تعالى في سورة المدَّثر:

1- (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

2- "والتذكير المطلق العام ينفع، فإن من الناس من يتذكر فينتفع به، والآخر تقوم عليه الحجة، ويستحق العذاب على ذلك فيكون عبرة لغيره فيحصل بتذكيره نفع أيضاً، ولأنه بتذكيره تقوم عليه الحجة، فتجوز عقوبته بعد هذا بالجهاد وغيره، فتحصل بالذكرى منفعة.

فكل تذكير ذكَّر به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ المشركين حصل به نفع في الجملة، وإن كان النفع للمؤمنين الذين قبلوه، واعتبروا به، وجاهدوا المشركين الذين قامت عليهم الحجة".

والآية الكريمة من قوله عز وجل:

3- (فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (9) [سورة الأعلى]

أطلقت التذكير، وأطلقت النفع، لكنها اشترطت التذكير عند ظنِّ الفائدة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

4- "فقوله: (فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى) لا يمنع كون الكافر يُبَلَّغُ القرآنَ؛ لأنه لم يخصَّ قوماً دون قوم. لكن قال: (فَذَكِّرْ) وهذا مطلق بتذكير كل أحد.

وقوله: (إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى) لم يقل: (إن نفعت كل أحد)، بل أطلق النفع، فقد أمر بالتذكير إن كان ينفع". (1)

وقال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

5- "ذكِّر حيث تنفع التذكرة، ومن ههنا يؤخذ الأدب في نشر العلم فلا يضعه عند غير أهله".

وجاء في "أضواء البيان":

6- "ويفهم من هذه الآية الكريمة أن التذكير لا يطلب إلا عند مظنَّة نفعه بدليل (إنْ) الشرطية، وأنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد أن يكرر الذكرى تكريراً تقوم به حجة الله على خلقه، مأمور بالتذكير عند ظن الفائدة، أما إذا علم الفائدة فلا يؤمر بشيء هو عالم أنه لا فائدة فيه؛ لأن العاقل لا يسعى إلى ما لا فائدة فيه

وبيان ذلك: أنه تارة يعلمه بإعلام الله به كما وقع لأبي لهب حيث قال الله ـ في سورة "المسد" ـ (سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ(3)وَامْرَأَتُهُ ..) الآية.

فأبو لهب هذا وامرأته لا تنفع فيهما الذكرى؛ لأن القرآن نزل بأنهما من أهل النار، بعد تكرار التذكير لهما تكراراً تقوم عليهما به الحجة، فلا يلزم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ علمه بذلك أن يذكِّرهما بشيء؛ لقوله: (فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى).

وتارة يعلم ذلك بقرينة الحال، بحيث يُبلِّغُ على أكمل وجه، ويأتي بالمعجزات الواضحة، فيعلم أن بعض الأشخاص عالم بصحة نبوته، وأنه مصر على الكفر؛ عناداً ولجاجاً، فمثل هذا لا يجب تكرير الذكرى له ـ دائماً ـ بعد أن تكرر عليه تكريراً تلزمه به الحجة.

وحاصل إيضاح هذا الجواب أن الذكرى تشتمل على ثلاث حكم:

الأول: خروج فاعلها من عهدة الأمر بها.

الثاني: رجاء النفع لمن يوعظ بها.

الثالث: إقامة الحجة على الخلق.

فالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا كرر الذكرى حصلت الحكمة الأولى والثالثة، فإن كان في الثانية طمع واستمرَّ على التذكير، وإلاَّ لم يكلف بالدوام، والعلم عند الله ـ تعالى ـ".

وحاصله أن القرآن كما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

7- "حجة لك أو عليك".(2)

قال النووي ـ رحمه الله ـ:

8- "أَيْ: تَنْتَفِع بِهِ إِنْ تَلَوْته وَعَمِلَتْ بِهِ، وَإِلاَّ فَهُوَ حُجَّة عَلَيْك".

فالواجب على من خصَّه الله بحفظ كتابه أن يتلوه حق تلاوته لينتفع به، ومن لم يتلُه بحق لا ينتفع به، وبالتالي فإن القرآن يكون حجة عليه. كما قال الحسن البصري ـ رحمه الله ـ:

9- "القرآن تذكرة للمؤمن، وحجة على الكافر".(3)

ونقل القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" قول ابن عباس في قوله تعالى: (إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى) قال:

10- "تنفع أوليائي، ولا تنفع أعدائي".

إن الله عز وجل إذا أراد أن يمكن للدعوة على منهاج النبوة والسلف، وأن يمكِّن للمذكِّر الواعظ وليَّه فإنه سبحانه وتعالى يُسَخِّرُ لها وله الأسبابَ، ومنها قيام المذكِّر بالتذكير على بصيرة، ومعلوم أن الواعظ المذكِّر بالقرآن لا بدَّ أن يكون على دراية وفقه بنصوص الوحي، وعلى ضوء التذكير والوعظ العلمي الصحيح نتحصَّل على نتيجة الوعظ وهي:  كما قال تعالى:

11- (سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى(10) وَيَتَجَنَّبُهَا الأشْقَى(11) 

إشارة إلى أن أقرب الناس إلى التدبُّر والاعتبار، والاتعاظ والانزجار، من يراقب الله ويخافه، أو بمعنى آخر: سينتفع بتذكيرك ـ أيها المذكِّر الواعظ ـ من يخشى الله تعالى ويخاف عذابه، ويرجو ثوابه.

فكأنه لم يعِظْ به غيره وإن كانوا موعوظينَ به جميعاً. ومعلوم أن التذكير والوعظ بالقرآن ينفع، فكان من حِكَم إنزال القرآن: أنه تذكرة لمن يخشى، فيُسعد بتذكُّره المؤمن كما يدل له الحديث الصحيح:

12- "مَن يُرد الله به خيراً يفقهه في الدين".(4)

ويشقى بتجنّبه الكافر وهو:

13- (الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (12)

والأشقى  يكلِّف نفسَه وفطرته الأولى المستقيمة تجنب الذكرى التي يشاء الله تعالى تذكيره بها على لسان أشرف الخلائق وأعظمهم صلةً بالخالق. لكنه لكفره وضلاله يعالج نفسه على العوج. فهو شديد الشقاوة والتعاسة، قال قتادة ـ رحمه الله ـ:

14- "فلا والله لا يتنكب عبد هذا الذكر؛ زهداً فيه، وبغضاً لأهله، إلا شَقِيٌّ بَيِّنُ الشقاء".(5)

والتذكير ضرورة فرضها الله تعالى على من أنعم عليه بالهدى، كما قال تعالى في سورة الضحى:

15- (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ(11)

الملف بصيفة pdfمن هنا