حكمة الإقبال على المقبل، والإعراض عن المعرض
الخميس | 07/03/2013 - 05:37 صباحاً

6

حكمة الإقبال على المقبل، والإعراض عن المعرض  

إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ 24/04/1434 وفق 06/03/2013

من رحمته تعالى أنه نبّه المؤمنين وحثَّهم على ديمومة تدبُّر القرآن والعمل به، لأن الذين أعرضوا عنه لا غرض لهم في اتِّباع الحق، إنما غرضهم ومقصودهم الدنيا وما تهواه أنفسهم.

وإذا كان حالهم كذلك فإن الله تعالى أمر نبيَّه محمداً ـ عليه السلام ـ بالإعراض عمن تولَّى عن ذكره الحكيم فقال في سورة النجم:

1- (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29)

والذكر في الآية الكريمة هو القرآن العظيم، وعوقبوا بالإعراض عنهم لأنهم قصروا إرادتهم على الدنيا وحطامها، وأرادوا أن يجروا وراء لذّاتها وشهواتها.

2- "وأمَّا المؤمنون بالآخرة، المصدِّقون بها، أولو الألباب والعقول، فهِمَّتهم وإرادتهم للدَّار الآخرة".(1)

فتذكير هذا اللون من الناس عبث، ومضيعة للوقت، لأنه لا فائدة في تذكيرهم بعد أن استفرغ المذكِّر جهده معهم.

وإذا وجد في الناس من قصر سعيه على الدنيا، فإن فيهم من يسعى للآخرة، وإذا كان من الضروري الإعراض عن من تولّى عن الذكر في الدنيا من باب البراءة، فإنه من الضروري من باب الموالاة الإقبال على من أقبل على الآخرة، لذا عاتب الله نبيَّه محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ لانصرافه عن تذكير من جاءه يسعى ليتزكّى، فقال:

3- (وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) [سورة عبس]

ولمّا كان الذين أعرضوا عن ذكر الله في غالب أحوالهم هم من الرؤساء والأثرياء وقد قصروا سعيهم على الدنيا وجعلوها مبلغ علمهم وهمِّهم، فإن المستضعفين في غالب أحوالهم وهم الفقراء والضعفاء ـ في المقابل ـ قد جعلهم الله تعالى في سنَّته أتباعاً للرسل وأنصاراً لهم، فلهم الأولوية في التذكير، كما قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

4- "أبغوني الضعفاء؛ فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم".(2)

ليس النصر والرزق بذواتهم، بل بدعائهم وإخلاصهم لله، كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

5- "إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها: بدعوتهم، وصلاتهم، وإخلاصهم".(3)

قال ابن بطال ـ رحمه الله ـ:

6- "وتأويل ذلك أن عبادة الضعفاء ودعاءهم أشد إخلاصًا وأكثر خشوعًا؛ لخلاء قلوبهم من التعلق بزخرف الدنيا وزينتها وصفاء ضمائرهم مما يقطعهم عن الله، فجعلوا همَّهم واحدًا؛ فزكت أعمالهم، وأجيب دعاؤهم".

وبالتالي فإن الكبراء في كل قرية تجدهم عند التذكير لا يأبهون بالذكرى، بل يصمّون آذانهم عن سماعها خشية أن يمتدَّ الحق إليهم فيُطالَبون بما هم فارّون منه. قال علماؤنا:

7- "إنما كان ذلك لاستيلاء الرياسة على الأشراف، وصعوبة الانفكاك عنها، والأنفة من الانقياد للغير؛ والفقير خلي عن تلك الموانع، فهو سريع إلى الإجابة والانقياد. وهذا غالب أحوال أهل الدنيا".(4)

 وهذا كقول هرقل لأبي سفيان:

8- "سَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَزَعَمْتَ ضُعَفَاءَهُمْ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ".(5)

 

وعن سهل بن سعد ـ رضي الله عنه ـ قال: مر رجل على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ  فقال لرجل عنده جالس:

9- "ما رأيك في هذا

قال:

10- "رجل من أشراف الناس؛ هذا والله حري إن خطب أن ينكح وإن شفع أن يشفع".

فسكت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ثم مر رجل فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

11- "ما رأيك في هذا

فقال:

12- "يا رسول الله! هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب أن لا ينكح وإن شفع أن لا يشفع وإن قال أن لا يسمع لقوله".

فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ

13- "هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا".(6)

والذين استُضعفوا هم عامّة النّاس الذين أذلّهم عظماؤهم واستعبدوهم لأنّ زعامة الذين استكبروا كانت قائمة على السّيادة الدّنيوية، وقد حكى الله تعالى مقالة قوم صالح ـ عليه السلام ـ في كتابه العزيز فقال:

14- (قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آَمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (76) [سورة الأعراف]

لم يقف أعيان وأشراف ووجهاء ثمود من قوم صالح ـ عليه السلام ـ عند حدِّ الاستكبار على الحق، بل انطلقوا نحو الذين أقبلوا على الذكر والقرآن؛ الذين استضعفوهم واسترذلوهم من المؤمنين ـ من قومهم ـ قائلين:

(أَتَعْلَمُونَ)؟! وهذا أول احتكاك لهم بالمستضعفين، يسألونهم: أأنتم على اليقين؟ أتجزمون بـ أن (صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ) وأنه غير كذّاب، ولا مجنون!! وهدفهم من الاستفهام السخرية للدفع نحو التشكيك بشخص صالح ـ عليه السلام ـ ! وبالتالي التهديد، وتجاوزوا في الاستفهام رسالته؛ إخفاءً لحقيقة ما أرسل به. إنهم يريدون فتنتهم عن دينهم بعد ثباتهم على الحق الذي جاءهم به ـ عليه السلام ـ.

وقوله تعالى: (لِمَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ) اختصاص هذه الفئة ـ القليلة ـ من المستضعفين بالإيمان، وإلا فهناك من المستضعفين باقين على ولائهم للكفر والباطل.

فالرئاسة والوجاهة في القوم لقساوة قلوبهم وشماخة نفوسهم لا يمكنها أن تكون تبعاً ! لذا فهي تجادل لتحفظ مكانتها، أما الضعفاء والمساكين أنصار الدعوة فإنهم لا يطمعون بالرئاسة ولا أن يكونوا وجهاء القوم يشار إليهم بالبنان ـ كما يخيّل لبعض الأعيان ـ، ولا يستنكفون أن يكونوا تبعاً في الصواب، لأنهم الأسرع للإجابة إذا سمعوا الحق. لذلك انطلقوا بالجواب شجاعاً صريحاً ردّاً على المستكبرين قائلين: (إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ) وتجاوزوا فيه شخص نبيهم ـ عليه السلام ـ (فكونه مرسل أمر مفروغ منه لا يشكّون فيه) لكنهم أخبروا أنهم نظروا إلى ما أرسل به نبيهم فوجدوا رسالته حقاً من رب العالمين فآمنوا، ففوتوا بجوابهم المختصر الحكيم على المستكبرين: فرصة التشكيك بصالح ـ عليه السلام ـ، وفرصة اتهامهم بالتعصب والجهالة والتقليد الأعمى، وواجهوا خصومهم لعلهم يعترفون بدعوة الحق. لكن الحسد والكبر هو الذي حمل خصومهم من أهل الباطل ألاَّ ينقادوا إلى الحق الذي انقادوا إليه.

ولم يترك الله عز وجل نبيَّه محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ من غير أن يبيِّن له طريقة معاملتهم، بل أمره بعد الإعراض عنهم بالصبر على الأذى، ومواجهة الجفاء بالحكمة واللين، فقال في السورة:  

15- (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199)

فأشار في الآية الكريمة إلى ما ينبغى أن يعامل به الأعداء الجهلة من شياطين الإنس، قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

16- "ولهذا أمر الله تعالى بمصانعة شيطان الإنس ومداراته، بإسداء الجميل إليه، ليرده طبعه عمَّا هو فيه من الأذى".

وقال سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة في تفسير الآية:

17- "هذه أخلاق أمر الله عز وجل بها نبيَّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ودلَّه عليها".(7)

لكن لمّا كان الذين انصرفوا عن ذكر الله لا يزالون يحتجّون بحجج واهية تكشف عما في مكنونهم، كما حكى الله تعالى عنهم:

18- (قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ (111) [سورة الشعراء]

فإن هذه الآية الكريمة بيَّنت سبب امتناعهم عن سماع القرآن وعدم اتباعهم لنوح ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو: الإعجاب بأنفسهم وغرورهم بدينهم، فاستدلُّوا على أن لا خير في الإسلام إذا كان أتباعه الأرذلون !

وإنما استرذلوا المؤمنين لفقرهم وكونهم من أهل الصناعات المهينة. فعدّوهم منحطين بالدرجة عنهم، لأنهم الأقل فى المال والجاه والنسب، وهذا جهل منهم لأن الصناعات لا تضر في باب الديانات. كما أن الرِّفعة في الدِّين لا تكون بالحسبِ ولا بالمالِ ولا بالمناصب، فكيف يُجعلُ الفقرُ في الدُّنيا، طعناً في الدين؟ فبزعمهم لو كان صادقاً لكان أتباعه: الأشراف والرؤساء والأثرياء ! قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

19- "فإنهم أنكروا أن يكون الله سبحانه أهّلَهم للهدى والحق وحرمه رؤساء الكفار وأهل العزة والثروة منهم، كأنهم استدلوا بعطاء الدنيا على عطاء الآخرة فأخبر الله سبحانه أنه أعلم بمن يؤهله لذلك لسر عنده من معرفة قدر النعمة ورؤيتها؛ من مجرد فضل المنعم ومحبته وشكره عليها، وليس كل أحد عنده هذا السر فلا يؤهل كل أحد لهذا العطاء".(8)

وقال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

20- "وذلك دليل على جهلهم وقلة علمهم وعقلهم، فإنه ليس بعار على الحق رَذَالة من اتبعه، فإن الحق في نفسه صحيح، وسواء اتبعه الأشراف أو الأراذل، بل الحق الذي لا شك فيه أن أتباع الحق هم الأشراف، ولو كانوا فقراء، والذين يأبونه هم الأراذل، ولو كانوا أغنياء. ثم الواقع غالبا أن ما يتبع الحق ضعفاء الناس، والغالب على الأشراف والكبراء مخالفته".

بل بلغت الوقاحة بهم مبلغاً؛ فقد طلبوا منه طردهم من مجلسه فيما لو أرادوا أن يسمعوا له، فماذا كان جوابه ـ عليه السلام ـ؟

21- (قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114)

أي: لم أكلف العلم بأعمالهم إنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان، فإذا صاروا في التذكير إلى الإيمان الذي أدعوهم إليه فلست لضعفهم وفقرهم وإيمانهم بطارد لهم. ونظيره قوله تعالى في سورة هود:

22- (فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27)

أشارت الآية إلى عدة طعون وجَّهها الملأ وكبار القوم إلى نوح وأتباعه، منها قولهم: (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا) جمع رذيل على خلاف القياس. والرذيل: المحتقر. وكان أتباع نوح ـ عليه السلام ـ من ضعفاء القوم وفقرائهم، ولكنهم على الهدى من أزكياء النفوس. ومنها قولهم: (بَادِيَ الرَّأْيِ) أي: أنهم لا يحسنون تقليب وجهات النظر، والتشاور مع الآخرين، فقرارهم باتباع نوح قرار فيه ما فيه من الطيش والتهوُّر، وهؤلاء الأراذل ـ بزعمهم ـ اندفعوا بحماسة ظاهرة مخدوعين وقد غَرّر بهم نوح ـ عليه السلام ـ فأقبلوا على ذكر الله والقرآن من غير تروّي ولا سابق تجربة ! هؤلاء ليس معهم الدرجات والشهادات العلمية الشرعية ! كيف يليق بهم أن ينصروا دعوة الحق وهو ليسوا بأهل للبحوث والدراسات الشرعية ! ولو أنك فتشت فيهم لما وجدت فيهم واحداً في جامعة بَلْهَ في مدرسة شرعية ! فأنتم بأعمالكم المهنية المحتقرة، وبافتقاركم للشهادات العلمية الشرعية لا تفضلوننا بشيء ! ففيكم السائق، والبناء، والسمكري، والطبّاخ، وميكانيكي السيارات، والبائع، والحمّال، ونحو ذلك، وختموا طعوناتهم بقولهم: (بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) أي: نعتقد اعتقاداً جازماً أنكم كاذبون ! فاعترفوا في آخر طعن لهم ورد في هذه الآية الكريمة أن الدعوة حق وأنهم محرومون منها، لذا ردَّ عليهم نوح ـ عليه السلام ـ بقوله:

23- (وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29)

فأبى نوح ـ عليه السلام ـ أن يطرد المؤمنين من مجلس تذكيره، بل وقَّرهم لأنهم أقبلوا على طلب الآخرة، فهو بدوره لا بدَّ أن يُقبل عليهم ويحترمهم، وبقوله الأخير في الآية: (وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ) حسم النتيجة معهم إذ أهَّل لنفسه الإعراض عنهم امتثالاً لقول الله تعالى: (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)، قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

24- "إن أتباع الرسل الذين صدَّقوهم وآثروا الله والدار الآخرة على قومهم وأصحابهم، قد أودع الله قلوبهم سراً من أسرار معرفته ومحبته والإيمان به خفي على أعداء الرسل، فنظروا إلى ظواهرهم وعموا عن بواطنهم فازدروهم واحتقروهم وقالوا للرسل اطرد هؤلاء عنك حتى نأتيك ونسمع منك".(9)

واستمر نوح ـ عليه السلام ـ بجوابه قائلاً:

25- (وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ (30) وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (31)

لكن لمّا قدَّر الله للدعوة أن تنتقل إلى حالة الجهر بالبيان القوي المقرون بالحجة المؤثِّرة في النفوس والقلوب، أمر نبيَّه محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالصَّدْع بها، وجاء الأمر بكلمة الصَّدع للإشعار بأن للصَّدع أثر في نفوس المخالفين من داخلهم، كما للزجاجة المصدوعة من باطنها، وهذا إن دلَّ على شيء إنما يدل على زيادة ثقل الحجَّة على من أعرض عن القرآن في هذه المرحلة من التذكير، لذا قال:

26- (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) [سورة الحجر]

أي: فاجهر بالتذكير وبما أُمرت بتبليغه، ولا تبال بتكذيب من أعرض، بل احتمل أذاهم، واستمر بالدعوة والتذكير. قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

27- "فصدع بأمر الله لا تأخذه فيه لومة لائم، فدعا إلى الله الصغيرَ والكبيرَ، والحرَّ والعبدَ، والذكَر والأُنثى، والأحمرَ والأسودَ، والجِنَّ والإنسَ.

ولما صَدَعَ بأمرِ الله، وصرَّحَ لقومه بالدَّعوة، وناداهم بسبِّ آلهتهم، وعَيبِ دينهم، اشتد أذاهم له، ولمن استجاب له مِن أصحابه، ونالوه ونالوهم بأنواع الأذى، وهذهِ سُنَّة الله عزَّ وجلَّ فى خلقه".(10)

فكان غالب من اتبعه في أول البعثة، ضعفاء الناس من الرجال والنساء والعبيد والإماء، ولم يتبعه من الأشراف إلا قليل، فوقع من سنَّة الله ما وقع للرسل والأنبياء من قبل، فعن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال:

28- "مرَّ الملأ من قريش على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ؛ وعنده صهيب، وبلال، وعمّار، وخبّاب، ونحوهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد! اطردهم، أرضيت هؤلاء من قومك، أفنحن نكون تبعاً لهؤلاء؟! أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا؟! فَلَعَلَّكَ إن طردتهم أن نأتيك! قال: فنزلت:

29- (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52)(11)

فأشارت الآية الكريمة إلى ضرورة تقريب هؤلاء الذين يريدون وجه الله، والإقبال عليهم، لأنهم أقبلوا على ذكر الله والقرآن بنية خالصة، فلا يمكنك أن تطردهم من مجلسك، بل قرِّبهم واقترب منهم وأقبل عليهم فإن الخير فيهم، لأنهم الصفوة من الخلق وإن كانوا ضعفاء فقراء. قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

30- "والذي يظهر من الآية أن الله يعلم ما في أنفسهم إذ أهّلَهم لقبول دينه وتوحيده وتصديق رسله، والله سبحانه وتعالى عليم حكيم يضع العطاء في مواضعه".(12)

وكما أن الله تعالى

31- "لم يطرد عن بابه ولم يبعد عن جنابه من يليق به التقريب والهدى والإكرام بل طرد من لا يليق به إلا الطرد والإبعاد وحكمته وحمده تأبى تقريبه وإكرامه وجعله من أهله وخاصته وأوليائه".(13)

فأنت لا (تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ). ويبدو مما تقدَّم أن الصَّدع بالحق جاء بأثر وخير عظيم: فإنه لمّا زاد البيان قوة وحجَّة بات الأمر بموالاة المؤمنين الصادقين والبراءة من المشركين؛ مقروناً بمحاذاة التذكير بالقرآن والدعوة إلى الله والجهاد في سبيله، وهذا يشير إلى البدء بالتمايز بين فريقي الحق والباطل، وإلى هذا ذهب الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ فقال:

32- "والمراد بقوله: (فَاصْدَعْ) أي: فرِّق بين الحق والباطل بدعائك إلى الله وافصل بينهما".(14)

إن الفقير ممتحن بالغني، كذلك الغني ممتحن بالفقير، والفتنة أن يحسد الفقير المبتلى الغني المعافى فيبغي عليه، ويحقر الغني المعافى الفقير المبتلى، وهكذا صاحب كلِّ آفة، والحال كذلك في المؤمن البصير بدينه فإنه ابتلاء وفتنة لمن أضلَّه الله عن الهدى وأعمى بصيرته، والرسول المخصوص بكرامة النبوة ابتلاء وفتنة لأشراف الناس من الكفار في عصره وكذلك العلماء، وحكام العدل، وكذلك أتباع الرسل فإنهم ابتلاء وفتنة للكبراء في قومهم لأنهم أعطوا نعمة التذكرة بينما الذين استكبروا حرموا منها، كما قال تعالى:     

33- (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) [سورة الأنعام]

قال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:

34- "أي: هذا من ابتلاء الله لعباده، حيث جعل بعضهم غنياً؛ وبعضهم فقيراً، وبعضهم شريفاً، وبعضهم وضيعاً، فإذا مَنَّ الله بالإيمان على الفقير أو الوضيع؛ كان ذلك محل محنة للغني والشريف فإن كان قصده الحق واتباعه، آمن وأسلم، ولم يمنعه من ذلك مشاركه الذي يراه دونه بالغنى أو الشرف، وإن لم يكن صادقاً في طلب الحق، كانت هذه عقبة ترده عن اتباع الحق.

وقالوا محتقرين لمن يرونهم دونهم: (أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا) فمنعهم هذا من اتباع الحق، لعدم زكائهم، قال الله مجيباً لكلامهم المتضمن الاعتراض على الله في هداية هؤلاء، وعدم هدايتهم هم. (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) الذين يعرفون النعمة، ويقرّون بها، ويقومون بما تقتضيه من العمل الصالح، فيضع فضله ومنته عليهم، دون من ليس بشاكر، فإن الله تعالى حكيم، لا يضع فضله عند من ليس له بأهل، وهؤلاء المعترضون بهذا الوصف، بخلاف من مَنَّ الله عليهم بالإيمان، من الفقراء وغيرهم فإنهم هم الشاكرون.

ولما نهى الله رسولَه، عن طرد المؤمنين القانتين، أمَره بمقابلتهم بالإكرام والإعظام، والتبجيل والاحترام، فقال:

35- (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ..(54)

أي: وإذا جاءك المؤمنون، فحَيِّهم ورحِّب بهم ولَقِّهم منك تحية وسلاماً".

وكما أمر ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالجهر بالذكر وتبليغ ما أمر به، أمره باتباع ما أوحي إليه من ربِّه الذي لا إله إلا هو، وأن يستمر بالتبليغ معرضاً عن المشركين محتملاً أذاهم، فقال: 

36- (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106) [سورة الأنعام]

وقد شهد له تعالى بأنه امتثل ذلك الأمر فبلَّغ على أكمل وجه؛ وتقيَّد بما أُمر به، فالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذكَّر بالقرآن فاتهمه الخصوم الكفّار بالسحر والجنون، فلمّا استمر على التذكير تبيَّن لأعداء الله أن التذكرة خصَّ الله بنفعها المتقين، فلمّا زادت معارضتهم له أُمر بالصبر على أذاهم فكانت الخلاصة في سورة الذاريات في قوله تعالى:

 37- (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (54) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55)

ففي هذه الآية الكريمة ظهرت حكم ثلاث بعد قيام المذكِّر بالتذكرة على الوجه المطلوب وهي:

الأولى: إقامة حجة الله.  

الثانية: خروج المذكِّر من عهدة التكليف بالتذكير. فمن لم يخرج من العهدة كان ملوماً.

الثالثة: حصول النفع.

الحلقة كاملة هنا

 

 

 

 

 

الهامش

(1)          قاله الشيخ العلاَّمة السعدي ـ رحمه الله ـ.

(2)          أخرجه أبو داود، والنسائي، والترمذي، وأحمد، وغيرهم، وهو في "السلسلة الصحيحة"(779)

(3)          أخرجه النسائي، وغيره، وهو في "السلسلة الصحيحة"(2/409)

(4)          نقله القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن".

(5)          متفق عليه.