تابع(13) القرآن ومعه النذير حجّه (3)
السبت | 21/09/2013 - 10:05 صباحاً

تابع (13)
القرآن ومعه النذير حجَّة (3)

إعدادتاريخ 14/11/1434 وفق 20/09/2013: هشام  بن فهمي العارف

تاريخ14/11/1434وفق20/09/2013

 


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد؛
وبُعث محمَّدٌ ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبُعث الحقُ معه، وأنزل الله القرآن العظيم عليه، وتوالت الإنذارات والتحذيرات لئلا يبقى الناس في المخالفات، ففي نعمة الإنذار يُبعث التيقظ بالتذكار، والتذكار حجَّة. كما قال تعالى:
64-
(لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6) [سورة يس]
وقال تعالى:
65-
(..لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46) [سورة القصص]
وقال تعالى:
66-
(..لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3) [سورة السجدة]
فبنعمة الحجَّة ترتفع الغفلة ويحصل التذكار. فلا عذر لمن بلغته دعوة الحق وخالفها.
وأخبر الله تعالى أنه بعث الرسل لقطع حجَّة العباد، وأكثرَ القولَ موصولاً بعضه ببعض، ليكون ذلك أقرب إلى تذكُّرهم وتعقُّلهم وتدبُّرهم رحمة بهم ولطفاً،  كما قال:
67-
(وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51) [سورة القصص]


وخوَّف الله تعالى في القرآن بأنه أهلك كثيراً من القرى بسبب إهمالهم الإنذارات وتكذيبهم الرسل بعد قيام الحجَّة فقال ـ على سبيل المثال ـ في السورة:
68-
(وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا..(58)
أي: وكثير من أهل القرى أهلكناهم حين اشتغلوا بدنياهم عن الإيمان بالرسل, وصدّوا عن الحق بعد أن أردنا تذكيرهم ورفع الغفلة عنهم فكذَّبوا وكفروا، ومعلوم أن الانصياع للتذكار والإنذار يبقيان على نعمة الأمن والأمان، فمتى تعمَّد الناس إهمالهما استحقوا عذاب الله عز وجل، ومن ألوان هذا العذاب الجوع والخوف.
وقوله: (
بَطِرَتْ)  أي: تناست شكر المنعم على نعمه، لذا صارت نعمتا التذكار والإنذار من النعم التي يلهون بها ولا يكترثون لخطورتها. فكان من الضروري التذكير بالهلاك، كما سبق وذكَّر عز وجل في سورة "الشعراء" التي سبقت سورة "القصص" في التنزيل فقال:
69-
(وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (208) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (209)
وعبَّر في الآية عن الرسل بصفة الإنذار لأنه مناسب للتهديد بالإهلاك، فالآية تهديد لقريش بعذاب الله إذا هي أهملت الحجَّة التي أتى بها النذير محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فالله تعالى كما قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:
70-
"ما أهلك أمة من الأمم إلا بعد الإعذار إليهم، والإنذار لهم وبعثة الرسل إليهم وقيام الحجج عليهم".
وكذلك يكون حال من أهمل إنذار الدعوة السلفية الحجَّة في بيت المقدس، باعتبارها مجدِّدَةً لدين الله الإسلام.
فالله تعالى لا يهلك قوماً في حال غفلتهم، أي عدم إنذارهم، بل لا يهلك أحداً إلا بعد الإعذار والإنذار على ألسنة الرسل عليهم صلوات الله وسلامه، فلا يستحق عذاب الدنيا وعذاب الآخرة إلا من قامت الحجَّة عليه كما قال تعالى:
71-
(وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117)  [سورة هود]
فقوله تعالى: (لِيُهْلِكَ) جاء في الصيغة الفعلية للدلالة على الحدوث والتجدد، وقوله تعالى (مُصْلِحُونَ) جاءت في الصيغة الاسمية للدلالة على ثبوت صفة الصلاح في أهلها، فما دام أهل القرى في صلاح وإصلاح فإنهم في سنَّة الله لا يستحقون الهلاك، أما قوله تعالى في سورة "الأنعام":
72-
(ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (131) 
فإن (مُهْلِكَ) جاءت في الصيغة الاسمية دون الفعلية، وكذلك قوله تعالى (غَافِلُونَ) التي دلَّت على ثبوت صفة الغفلة فيهم، فلا يستحقون الهلاك إلاَّ بظلم بعد إقامة الحجة عليهم وارتفاع الغفلة عنهم، قال ابن جرير الطبري ـ رحمه الله ـ:
73-
"يقول: لم يكن يعاجلهم بالعقوبة حتى يبعث إليهم مَنْ ينبِّههم على حجج الله عليهم، وينذرهم عذاب الله يوم معادهم، ولم يكن بالذي يؤاخذهم غفلة فيقولوا: (مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ)".
وقال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:
74-
"أي: إنما أعذرنا إلى الثقلين بإرسال الرسل وإنزال الكتب، لئلا يعاقب أحد بظلمه، وهو لم تبلغه دعوة، ولكن أعذرنا إلى الأمم، وما عذَّبنا أحدًا إلا بعد إرسال الرسل إليهم".
وقال الشنقيطي ـ رحمه الله ـ:
75-
"أي بل لا بدَّ أن تنذرهم الرسل فيكفروا بهم وبربهم".
ونظير ما تقدَّم قوله تعالى في سورة "القصص":
76-
(وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59)
فقوله تعالى في الآية: (مُهْلِكَ) و (مُهْلِكِي) جاءتا في الصيغة الاسمية دون الفعلية، وكذلك قوله تعالى (ظَالِمُونَ) التي دلَّت على ثبوت صفة الظلم فيهم ـ وهي الشرك بالله تعالى ـ  فاستحقوا الهلاك بعد قيام الحجة.
والبعث أو التجديد في
(أُمِّهَا) ـ يعني: العواصم وهي المدن الأمهات ـ لغرض وصول الحجَّة إلى القاصي والداني، بخلاف ما لو كان البعث أو التجديد في القرى البعيدة والأطراف النائية.
والمدن الأمهات مثل مكة ـ أم القرى في جزيرة العرب ـ وفيها المسجد الحرام شهدت بعثة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكانت حجَّة على الخلق، والقدس ـ أم القرى في بلاد الشام ـ وفيها المسجد الأقصى أولى القبلتين، تشهد ـ اليوم ـ التجديد لدعوة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بفضل الطائفة المنصورة فيها، فهي حجَّة أيضاً على الخلق.
وقوله تعالى في الآية: (
رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا) دالٌّ على صحة ما جاء به، وصِدْق ما دعاهم إليه، فيبلغ قوله قاصيهم ودانيهم.
ويكون تفسير الآية: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ) يا محمد (مُهْلِكَ الْقُرَى) التي حوالي مكة في زمانك وعصرك (حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا) وهي أمُّ القرى مكة (رَسُولًا) يتلو عليهم القرآن، والرسول: محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
وفي زماننا وعصرنا (فِي أُمِّهَا) بيت المقدس فيها الطائفة المنصورة تتلو القرآن، وتقيم الحجَّة.
فبفضل من الله تعالى بُعثت الدعوة السلفية في بيت المقدس لتكون ـ بعد حملها الحق وثباتها عليه بصدق ـ المجدِّدَةَ لدين الله الإسلام. فكان في مطلع آثارها المباركة كشفها بالحجَّة عوار الدجّالين ممن انتسبوا إليها زوراً وبهتاناً وتلاعبوا في مسائل الإيمان.

وخلاصة ما جاء في معنى الآية:
أي: وما كنا مهلكين لأهل القرى بعد أن نبعث إلى أمِّها رسولاً يدعوهم إلى الحق إلاَّ حال كونهم ظالمين قد استحقوا الإهلاك بعد الإعذار إليهم وتأكيد الحجَّة عليهم.
فليحذر كل مغرور يعادي الدعوة السلفية والطائفة المنصورة في بيت المقدس أن يهلكه الله بعد الإعذار إليه وإقامة الحجَّة عليه.