القرآن ومعه النذير حجة الحلقة(2)
الأربعاء | 25/09/2013 - 05:14 مساءً


تابع (13)
القرآن ومعه النذير حجَّة


إعداد: هشام بن فهمي العارف
تاريخ 27/10/1434 وفق 03/09/2013

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد؛
والفرار من الحجَّة هو ديدن المعرضين عن الحق، لذا كان من حِكَمِ إنزال القرآن العظيم قطع الأعذار, لئلا يقول قائل: لو أنزل علينا كتاب لكُنا على الهدى، ولكُنّا أصوب للحق من فلان وفلان!! كما قال تعالى:
39-
(وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (42) [سورة فاطر]
فكفار قريش أقسموا قبل أن يبعث الله رسوله محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين بلغهم أن أهل الكتاب كذَّبوا رسلهم، فلعنوا من كذَّب نبيه منهم، (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ) أي: أقواها وأغلظها (لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ) أي: من ينذرهم بأن الكفر باطل وأن الإِيمان بالله هو الحق (لَيَكُونُنَّ أَهْدَى) سبيلاً وأقوى استقامة (مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ) أي: من جميع الأمم الذين أرسل إليهم الرسل في اتباعهم وطاعتهم لهذا الرسول، (فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ) أي: صح مجيؤه بالحجَّة وهو محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذى هو أشرف الرسل ومعه البيِّنة وهي القرآن المبين العظيم.لم يفوا بتلك الإقسامات والعهود بل (مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا) أي:ما زادهم مجيئه لهم إلاَّ نفوراً عنه وعن الحجَّة، وتباعداً عن البيِّنة والهدى والحق. وقال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:
40-
"أي: ما ازدادوا إلاَّ كفرًا إلى كفرهم".
فهم قبل مجيء الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كانوا يتمنون أن يكون الرسول منهم، لا من غيرهم، وأقسموا بالله بأنهم سيطيعونه، فلما جاءهم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ نفروا عنه ولم يؤمنوا به. فهم لم يبقوا على الكفر فحسب، بل ازدادوا كفراً وعداوة للحق وأهله! ونظيره قوله تعالى في سورة "الأنعام":
41-
(أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ..(157)
وقطع الله تعالى احتجاجهم بقوله:
42-
(..فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ..(157)
وهو القرآن العظيم، ولما قامت عليهم الحجة ، حسن وقوع تحذير التقرير بقوله:
43-
(..فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آَيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (157)
ولا إعراض أعظم من التكذيب، فدل على أن المراد بقوله: (وَصَدَفَ عَنْهَا)، أنه صدَّ غيره عن دعوة الحق فصار جامعاً بين الضلال والإضلال.
وهذا وقع لمن لم تتوقف حيله عند حدِّ تكذيب الدعوة السلفية في بيت المقدس، بل تعدَّت إلى أن يصدَّ عنها بكل الوسائل الخسيسة.
والمرء يحتار من موقف هؤلاء الذين ادَّعوا السلفية ثم باعوها بأبخس الأثمان! فإننا بعد أن عرفناهم في ظاهر أحوالهم وقد جاءوا الدعوة السلفية بكلّياتهم متظاهرين بنصرتها وحبِّها، وقبلنا منهم على ما يبدو لنا أنهم غيورون على الحق، إذ بهم مع أول وهلة للفتن لم يكن لقولهم تحقيق، ولا لِعَهدْهِم وضمانهم توثيق، وما يَعِدُون من أَنفسهم فصريحُ زُورٍ
، وما يُوهِمُون مِنْ وفائهم فَصِرْفُ تغريرٍ . . وكذلك يكون حال كثير ممن يطلبون العلم الشرعي فإنهم في أوان نشاطهم تُمَنِّيه نفوسهم يتظاهرون أمام مَنْ تقدِّمهم حالاً بأنهم عاهدوا الله، وأنهم أَكَّدَوا عقدهم مع الله . . فإذا عَضَتْهم شهواتُهم، وأراد الشيطانُ أن يكذبهم صَرَعَهم بكيده، وأركسهم في هوَّة غَيِّه، ومُنْيَةِ نَفْسِه؛ فتسودُّ وَجْوُههم، وتذهب عند اللَّهِ وجاهتُهم.
وقد حصل هذا لهؤلاء الأدعياء المنافقين فإذا نظرت إلى وجه الواحد منهم بعد فتنته وخروجه وجدت الاسوداد قد طمس وجهه، والسمانة بسبب زوره وتزويره قد لفَّت بدنه، والخزي والعار من أعلاه إلى أخمص قدميه قد لبسه، وكل هذه الآثار قد تحققت فيهم لأنهم كذبوا وكذَّبوا وصدَّوا عن سبيل الله.
ونظيره قوله تعالى في سورة "الصافات":
44-
(وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (167) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (168) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (169) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (170)
قال الشيخ محمد صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ:
45-
"هذه الدعوة منهم مكابرة؛ لأنه أنزل عليهم كتاب أهدى الكتب وأقوم الكتب، ومع ذلك كفروا به".
وكثيراً ما يأتي في الكتاب والسنة من القصص التي تنتهي نتائج حكاياتها بظهور ما كان يخفى على كثير من الناس، فتظهر الحجج والبيّنات، ويظهر الحق، وفي المقابل تظهر معادن الناس، وتلك سنة الله تعالى في ابتلاءاته للناس، قال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:
46-
"وليس إقسامهم المذكور، لقصد حسن، وطلب للحق، وإلاَّ لوفقوا له، ولكنه صادر عن استكبار في الأرض على الخلق، وعلى الحق، وبهرجة في كلامهم هذا، يريدون به المكر والخداع، وأنهم أهل الحق، الحريصون على طلبه، فيغتر به المغترون، ويمشي خلفهم المقتدون".
بدليل قوله تعالى في سورة "فاطر":
47-
(اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ..(43)
أتْبعوا استكبارهم بالمكر بالناس في صدِّهم إياهم عن سبيل الله، ولم يتوقف فرارهم من الحجة "القرآن"، باستعمالهم أساليب هي في قمة الخساسة والانحطاط، وهي أساليب شيطانية بامتياز، بل فرّوا من الحجَّة "النذير" كما قال تعالى سورة "طه":
48-
(وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (134)
قال البيهقي ـ رحمه الله ـ:
49- "
فأخبر تعالى أنه بعث الرسل لقطع حجة العباد".[1]
قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:
50
- "فالحجة إنما قامت على الخلق بالرسل وبهم انقطعت المعذرة فلا يمكن من بلغته دعوتهم وخالفها أن يعتذر الى الله يوم القيامة إذ ليس له عذر يقبل منه".[2]
ونظيره ما تقدم قوله تعالى في سورة "القصص":
51-
(وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (48)
والنذير محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومعه القرآن، لم يكونا ابتلاءً لأهل الكتاب وحجَّة فحسب، بل كانا ابتلاءً وحجة للعرب وقريش أيضاً.
وسورة "البيِّنة" تلت سورة "القدر" في الترتيب الموضوعي للمصحف، وفي سورة "القدر" عرَّف الله بشرف الليلة التي أنزل فيها القرآن "الحجَّة" جملةً واحدةً من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا. فناسب أن تكون سورة "البيِّنة" نذيراً للمشركين، لذا قال تعالى:
52
- (رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3)
ومعلوم أن الله تعالى طالب نبيَّه محمداً بالإنذار، وهدَّد به العرب إن خالفوه، وحذَّر أهل الكتاب من مخالفته، وأمره أن يبدأ بإنذار عشيرته، فأنذر ـ صلى الله عليه وسلم ـ من خالفه بنار تلظَّى، لكنهم امتنعوا وكذَّبوا، واستمر ـ عليه السلام ـ بتذكيرهم بالقرآن، ومطالبتهم بالإيمان، إلى أن نزل قوله تعالى:
53
-(قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (65) [سورة ص]
إلى أن قال تعالى في سورة المائدة:
54-
(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19)
قد جاءكم يا معشر أهل الكتاب، رسولنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ يبين لكم شرائع الله بعد فترة متطاولة من انقطاع الرسل، لكي لا تقولوا على سبيل المعذرة يوم الحساب ما جاءنا من بشير يبشرنا بالخير عند الطاعة، ولا نذير ينذرنا بسوء العاقبة عند المعصية. قال محمد بن الحسين الآجري ـ رحمه الله ـ:
55-
"فقطع الله عز وجل حجج أهل الكتابين بما أخبر من صفته في كتبهم، وأن الذي جاء به محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو النور، وهو الحق، وأنه يخرجهم من الظلمات إلى النور، وأنه يهديهم إلى صراط مستقيم".[3]
وإذا كان هذا الخطاب البيِّنة قد حصل لأهل الكتاب، وكان موقف المعاندين منهم بعد ظهور البيِّنة كما قال تعالى:
56-
(وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ .. (89) [سورة البقرة]

قال أبو العالية ـ رحمه الله ـ:
57-
"كانت اليهود تستنصر بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ على مشركي العرب، يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبًا عندنا حتى نعذب المشركين ونقتلهم. فلما بعث الله محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ورأوا أنه من غيرهم، كفروا به حسدًا للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال الله:(فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِه)".[4]
وهذا الموقف تكررت رؤيته على أرض الواقع عندما ظهرت البيِّنة للعرب وقريش كما تقدَّم بيانه في قوله تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (42) وهو الموقف الذي تكرر عندما قويت شوكت دعوة الحق، دعوة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإن المنافقين كان لهم شأن آخر فإن مولاتهم للكفار والذين يصدّون عن سبيل الله كانت سبباً في ارتدادهم كما قال تعالى:
58-
(إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (26) [سورة محمد]
وبقيام الحجة والبيان يكون الفرقان. والتفرق سنّة الله في الناس بعد ظهور الحجة والبيان، لذلك سميَّت الحجّة وهي القرآن: "الفرقان"، وأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على نحو ما بيَّنا مسبقاً جاء بفرقان فرَّق به بين الحق والباطل، وفرَّق به بين الوالد وولده، فقوله تعالى: (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:
59-
"لَمَّا ذَكَرَ سبحانه وتعالى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إرْسَالِ الرُّسُلِ إلَى الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ لِتَقُومَ عَلَيْهِمْ الْحُجَّةُ بِذَلِكَ، ذَكَرَ بَعْدَ هَذَا أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ الَّذِينَ آمَنُوا بِالرُّسُلِ مَا تَفَرَّقُوا إلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ وَقَامَتْ عَلَيْهِمْ الْحُجَّةُ. فَبَيِّنَاتُ اللَّهِ وَحُجَّتُهُ قَامَتْ عَلَى هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ. وَهُوَ لَمْ يُعَذِّبْ وَاحِدًا مِنْ الْحِزْبَيْنِ إلَّا بَعْدَ أَنْ جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ وَقَامَتْ عَلَيْهِمْ الْحُجَّةُ كَمَا فِي قِصَّةِ مُوسَى وَمَنْ أُرْسِلَ إلَيْهِ. فَإِنَّ اللَّه لَمْ يَدَعْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ حَتَّى أَرْسَلَ إلَيْهِمْ مُوسَى وَلَمْ يُعَذِّبْهُمْ إلَّا بَعْدَ إقَامَةِ الْحُجَّةِ .
ثُمَّ لَمَّا آمَنَ بَنُو إسْرَائِيلَ بِالْكُتُبِ وَالرُّسُلِ لَمْ يَتَفَرَّقُوا وَيَخْتَلِفُوا إلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ. فَلَمْ يَكُونُوا مَعْذُورِينَ فِي ذَلِكَ. وَلِهَذَا نُهِيَتْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ فَقِيلَ:
(وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ).
وَالنَّاسُ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ هُمْ كَذَلِكَ. فَمَنْ كَانَ كَافِرًا لَمْ يَكُنْ مُنْفَكًّا حَتَّى تَأْتِيَهُ الْبَيِّنَةُ، وَمَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدِ مِنْ الْأُمَمِ ثُمَّ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا فَمَا اخْتَلَفُوا إلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ. وَمَا أُمِرَ الْجَمِيعُ (إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)وَالْآيَةُ تَضَمَّنَتْ مَدْحَ الرَّبِّ وَذِكْرَ حِكْمَتِهِ وَعَدْلِهِ وَحُجَّتِهِ فِي أَنَّهُ لَا يَدْعُهُمْ حَتَّى يُرْسِلَ إلَيْهِمْ رَسُولًا".[5]
وهكذا حال المنافقين ـ اليوم ـ بعد ظهور الدعوة السلفية الحجَّة في بيت المقدس، وقد غربل الله تعالى فيها الصف السلفي فأنعم على الصادقين بالهداية والتمسك بالحق والثبات عليه، وخذل وكشف بحوله وقوَّته حال المنافقين وزيفهم، كما قال تعالى:
60-
(وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78) [سورة التوبة]
وقد قدَّم الله تعالى هذا النموذج في عهد نبيِّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكان من صفات المنافقين الذين كشف الله حالهم وقتئذ من أكد العقد مع الله، ثم نقضه، فلحقه شؤم ذلك؛ فبقي خالداً في نفاقه ـ نعوذ بالله من شؤم النفاق ـ.
وقوله تعالى
: (وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) قال البقاعي ـ رحمه الله ـ:
61- "
أي كلَّفوا أنفسهم الإعراض عن الطاعة لمن تفضَّل عليهم مع معرفتهم بقبح نقض العهد".!!

 

 

[1] "الجامع لشعب الإيمان"(1/280).

[2] "هداية الحيارى"(ص:79)

[3] "كتاب الشريعة"(3/1388).

[4] نقله ابن كثير في "تفسيره".

[5] "مجموع الفتاوى"(16/507-508).