الحلقة 1 القرآن ومعه النذير حجة
الخميس | 26/09/2013 - 08:39 صباحاً

القرآن ومعه النذير حجَّة


إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ 18/10/1434 وفق 25/08/2013

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد؛
اعلم أن كل تذكير بالقرآن يُذكَّر به الناس يحصل به نفع بالجملة، ومن هذا النفع قيام الحجة على المخالف، فلا يجوز له أن يخون العهد، ويضرب بالميثاق عرض الحائط، وعليه أن يعمل بعمل من جاءته التذكرة لينتفع، فالقرآن كما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
1-
"حجة لك أو عليك"[1].
والواجب على من خصَّه الله بحفظ كتابه أن يتلوه حق تلاوته لينتفع به، ومن لم يتلُه بحق لا ينتفع به، وبالتالي فإن القرآن يكون حجَّة عليه.
وبتدبُّر كتاب الله يحصل التفريق بين الحق والباطل، والتفريق بين أهل السعادة وأهل الشقاوة، فمن اعتمد القرآن حجَّة ـ ليميِّزَ به بين الهدى والضلال، والحق والباطل ـ خرج من دائرة الشقاء بإذن الله.
وسبق لي أن قلت في تفسير قوله تعالى:
2- (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (4)
إن التفرُّق عن الحق والإقرار بالكفر والباطل إنما يكون بعد الابتلاء بظهور البيِّنة وهي القرآن العظيم. فلم يكن الله ليترك الكفّار والمبتدعة يفعلون ما يشاءون حتى يبتليهم بالقرآن، فلمّا تلاه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ صار الناس بعد ظهور البيِّنة الناصعة والحجَّة الواضحة إلى التفرُّق، فانحاز أهل الحق لبركة الفرقان وانحاز أهل الباطل للخسران. قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:
3-
"فليس - بحمد الله - لمبتدع في القرآن حجَّة صحيحة؛ لأن القرآن جاء ليفصل الحق من الباطل مفرقًا بين الهدى والضلال، وليس فيه تناقض ولا اختلاف؛ لأنه من عند الله".
وقد قصَّ الله تعالى علينا قصص من تركوا الانتفاع بنصوص الوحي حتى صارت عليهم حجَّة، كما قال تعالى في سورة القمر:
4-
(وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (3) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4)
وأشهر هذه الأنباء في القرآن تكذيب قوم نوح لرسولهم. فإن نوحاً ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد جاءهم بالبيِّنة وتلاها عليهم ثم أنذرهم أن يكذِّبوه كما قال تعالى:
5-
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) [سورة هود]
فما هو الموقف الذي اتخذه قوم نوح حيال دعوة رسولهم بعد قيام الحجة وإنذارهم؟ الجواب: بيَّنه الله تعالى بقوله:
6-
(قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) [سورة الشعراء]
ثم ماذا كانت نتيجة انصرافهم عنه بعد قيام الحجَّة والإنذار وإصرارهم على الباطل؟ الجواب كما قال تعالى:
7-
(فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (120) [سورة الشعراء]
وهذه الأنباء فيها واعظ لهم عن الشرك والتمادي على التكذيب. وفي الآية الخامسة من سورة القمر ختم الله تعالى تنبيهه بقوله:
8-
(حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (5)
فهذه الأخبار السابقة واللاحقة كانت بمثابة الحكمة البالغة والحجَّة التي تزجرهم عن غيِّهم وضلالهم، إنهم قابلوها بالتكذيب والمخالفة، وقد حصل لهم العلم بما أنزل الله وارتفعت عنهم الغفلة بعد قيام الحجة والإنذار كما قال تعالى:

9- (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6) [سورة يس]

فقوله تعالى: (فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ) إذ لم ينتفعوا بالحجج التي وردت بالرسالة الربانية ولا انتفعوا بالإنذارات.
قال صاحب "التفسير الكبير":

10- "دليل على أن البعثة لا تكون إلا عند الغفلة، أما إن حصل لهم العلم بما أنزل الله بأن يكون منهم من يبلغهم شريعة الله ويخالفونه فحق عليهم الهلاك، ولا يكون ذلك تعذيباً من قبل أن يبعث الله رسولاً، وكذلك من خالف الأمور التي لا تفتقر إلى بيان الرسل يستحق الإهلاك من غير بعثة، وليس هذا قولاً بمذهب المعتزلة من التحسين والتقبيح العقلي بل معناه أن الله تعالى لو خلق في قوم علماً بوجوب الأشياء وتركوه لا يكونون غافلين فلا يتوقف تعذيبهم على بعثة الرسل".

والله تعالى لم يهلك أمة بعذاب الاستئصال إلا بعد النذير وقيام الحجَّة عليهم والإصرار على تكذيبه، وما فعله نوح مع قومه فعله هود ـ عليهما السلام ـ قال تعالى:
11-
(وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21) [سورةالأحقاف]
فما هو الموقف الذي اتخذته عاد حيال دعوة نبيِّهم بعد قيام الحجة وإنذارهم؟ الجواب: بيَّنه الله تعالى بقوله:
12-
(قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70) [سورة الأعراف]
ثم ماذا كانت نتيجة انصرافهم عنه بعد قيام الحجَّة والإنذار؟ الجواب كما قال تعالى:
13
-(فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (72) [سورة الأعراف]
وهكذا فإن ما فعلاه نوح وهود فعله صالح ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ قال تعالى:
14-
(إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (142) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (144) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (145) [سورة الشعراء]
فما هو الموقف الذي اتخذته ثمود حيال دعوة نبيِّهم بعد قيام الحجة وإنذارهم؟ الجواب: بيَّنه الله تعالى بقوله:
15-
(كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23) [سورة القمر]
ثم ماذا كانت نتيجة انصرافهم عنه بعد قيام الحجَّة والإنذار؟ الجواب كما قال تعالى:
16-
(إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (31) [سورة القمر]
فما من أمة من الأمم السالفة وأهل عصر من الأعصار الماضية إلا مضى وذهب فيها نذير، وقيام الحجّة الخبرية ليس بكاف فلا بدَّ من اتباعها بالإنذار، كما قال تعالى:

17- (...وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (24) [فاطر]

نقل الألوسي في "تفسير روح المعاني" (7/288) عن "كشف الأسرار":

18- "والآية تدل على أن كل وقت لا يخلو من حجة خبرية وأن أول الناس: آدم وكان مبعوثاً إلى أولاده، ثم لم يخل بعده زمان من صادق مبلغ عن الله، أو آمر يقوم مقامه في البلاغ والأداء حين الفترة وقد قال تعالى:

19-(أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) [سورة القيامة]
لا يؤمر ولا ينهى".
والعمر حجَّة على العبد كما قال تعالى:
20-
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ..(37) [سورة فاطر]
الآية تقريع وتوبيخ لهم، ففيها أحتجَّ عليهم بالعمر في إقامة الحجَّة عليهم، أي: أولم نُمْهلكم في الحياة قَدْرًا وافيًا من العُمُر، يتعظ فيه من اتعظ؟ قال قتادة فيما نقله ابن كثير ـ رحمه الله ـ عنه:
21-
"اعلموا أن طول العمر حجَّة، فنعوذ بالله أن نُعَيَّر بطول العمر".
وقال ابن كثير:
22-
"لو كنتم ممن ينتفع بالحق لانتفعتم به في مدة عمركم".
فلا بدَّ من إشغال العمر بالطاعة والتذكّر. قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:
23-
"وإنما حَسُن طول العمر ونفع؛ ليحصل التذكّر والاستدراك واغتنام الفرص والتوبة النصوح، .... فمن لم يورثه التعمير وطول البقاء إصلاح معايبه وتدارك فارطه واغتنام بقية أنفاسه، فيعمل على حياة قلبه وحصول النعيم المقيم، وإلاَّ؛ فلا خير له في حياته".["الفوائد" ص:189]
ولأهمية العمر والوقت والزمن في حياة الإنسان جعله الله تعالى قسيم النذارة فقال: (وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ) فاحتجَّ عليهم بالنذير. أي: وجاءكم من ينذركم، ومع ذلك لم تتذكروا ولم تتعظوا؟ قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:
24-
"والتذكر اسم جامع لكل ما أمر اللّه بتذكره".
والمراد بالنذير: جنسه فيتناول كل رسول أو نبي أرسله الله تعالى إلى قومه، أو مجدّد لدين الله تعالى في أمة محمد ـ عليه السلام ـ، قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:
25-
"أي قامت الحجة عليكم بالنذير الذي جاءكم، وبتعميركم عمرًاً يتسع للتذكر". فكذَّبوه ولم يستجيبوا لدعوته، فيكون المعنى: ألم نمكّنكم من التذكّر والعمل ونُطِلْ أعماركم زمناً يمكن فيه متابعة الحق والحقائق والتدبر لِمَنْ يريد ذلك؟
لقد جاءكم الرسول يحذّركم من هذا العذاب.
لقد جاءتكم دعوة الحق الدعوة السلفية في بيت المقدس تعمل بالحق، ونقرأ عليكم الحقائق.
جاءتكم تحذِّركم وتنذركم من الفتن والعذاب، كما جاءت الرسل والأنبياء أقوامها فكانوا منذرين، وعلى رأس هؤلاء المنذرين رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ. قال قتادة ـ رحمه الله ـ:
26-
"احتجَّ عليهم بالعمر والرسل".
وترجم الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ للآية بقوله:
27-
"باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر لقوله عز وجل: وذكر الآية، يعني الشيب".
وتفسير الإمام البخاري "النذير" بقوله: يعني الشيب لأنه يأتي في سن الكهولة فما بعدها، فمن شاب فليأخذ حذره من الله، فالشيب نذير مفارقة هذه الحياة، ويقال: الشيب نذير الموت. وفي الأثر:
28-
"ما من شعرة تبيض إلا قالت لأختها: استعدي فقد قرب الموت".[2]
والأظهر ما ذهب إليه قتادة، وقال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:
29-
"وهذا اختيار ابن جرير، وهو الأظهر؛ لقوله تعالى:
30- (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (78) [سورة الزخرف]
أي: لقد بينا لكم الحق على ألسنة الرسل، فأبيتم وخالفتم".
ونظيره قوله تعالى:
31-
(وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71) [سورة الزمر]
قال الشنقيطي ـ رحمه الله ـ:
32-
"عام في جميع الكفار. وهو ظاهر في أن جميع أهل النار قد أنذرتهم الرسل في دار الدنيا. فعصوا أمر ربهم كما هو واضح".
والمراد بالتعمير في قوله تعالى (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ): الإِبقاء والإِمهال في الحياة الدنيا إلى الوقت الذى كان يمكنهم فيه الإِقلاع عن الكفر إلى الإِيمان. فإذا عمر الإِنسَان وجاءه النذير ولم يتب فقد أعذر الله عَزَّ وَجَلَّ إليه في العمر. قال المناوي ـ رحمه الله ـ:
33-
"وقد أحسن الله إلى عبد بلغه ستين ليتوب فإذا لم يقبل على ربه حينئذ فلا عذر له".[3]
وقال ابن بطال ـ رحمه الله ـ:
34-
"وهو العمر الذى لا إعذار بعده، لأن الستين قريب من معترك العباد، وهو سن الإنابة والخشوع والاستسلام لله تعالى، وترقب المنية ولقاء الله تعالى فهذا إعذار بعد إعذار في عمر ابن آدم، لطفًا من الله لعباده حين نقلهم من حالة الجهل إلى حالة العلم، وأعذر إليهم مرة بعد أخرى، ولم يعاقبهم إلا بعد الحجج اللائحة المبكتة لهم، وإن كانوا قد فطرهم الله تعالى على حبّ الدنيا وطول الأمل، فلم يتركهم مهملين دون إعذار لهم وتنبيه، وأكبر الإعذار إلى بنى آدم بعثه الرسل إليهم".[4]
ومعلوم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذكر العمر الذي إن بلغه العبد لم يبق له اعتذار، وهو الستين أو السبعين بقوله:
35-
"لقد أعذر الله إلى عبد أحياه (وعند البخاري: أخَّر أجله) (وفي رواية: إذا بلَّغ الله العبد) حتى بلغ ستين أو سبعين سنة لقد أعذر الله إليه".
وفي رواية:
36-
ذا بلغ الرجل من أمتي، (وفي رواية: من أتت عليه) (وفي رواية: من عمَّره الله [من أمتي] ستين سنة (وفي رواية: سبعين) فقد أعذر الله إليه [في العمر]".[5]
قال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ:
37-
"الإعذار: إزالة العذر. والمعنى: أنه لم يبق له اعتذار، كأن يقول: لو مدَّ لي في الأجل لفعلت ما أمرت به. يقال: أعذر إليه؛ إذا بلَّغه أقصى الغاية في العذر ومكَّنه منه. وإذا لم يكن له عذر في ترك الطاعة مع تمكُّنه منها بالعمر الذي حصل له؛ فلا ينبغي له حينئذ إلاَّ الاستغفار والطاعة، والإقبال على الآخرة بالكلية".[6]
وقال محمد بن أبي اسحاق الكلاباذي البخاري ـ رحمه الله ـ:
38-
"فيه دلالة أن من دون ذلك في العمر يتجاوز له ما لا يتجاوزه لمن اعذر إليه، لأن الإنسان يرجو الحياة ويضمر التوبة، فإذا بلغ العمر منتهاه فلا عذر له".[7]

(1) أخرجه مسلم، وأحمد، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم.

(2) ذكره البغوي في "تفسيره".


(3) "التيسير بشرح الجامع الصغير"(1/248)


(4) "شرح صحيح البخاري" (10/152-153)

(5) الروايات أخرجها: البخاري في "صحيحه"، وأحمد، والحاكم، والخطيب في "التاريخ"، وعبد بن حميد في"مسنده"، وغيرهم، والحديث في "السلسلة الصحيحة" (1089)

(6) "الفتح" (10/240)

(7) "بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار" (1/239)