الدمار على من أهمل الإنذار(1)
الجمعة | 27/09/2013 - 03:18 مساءً

الدَّمار على من أهمل الإنذار

 

إعداد: هشام بن فهمي العارف


تاريخ 14/08/1434 وفق 23/06/2013

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد؛
في سورة المزمِّل لمَّا ذكَّر الله تعالى بالعذاب، خاطب السامع بخبر قصد فيه التعريض بالتهديد أن يصيبهم مثل ما أصاب أمثالهم ممن كذَّبوا الأنبياء والرسل ومن دعا بدعوتهم، فهو مثل مضروب للكفّار والمشركين ولمن صدَّ عن دعوة رب العالمين، وذلك عبر التاريخ كلِّه إلى قيام الساعة فقال:
1-
(إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً(15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلاً(16)
وفي الآية دليل على صدق المبعوث بالرسالة، أو دليل على صدق المجدد لدين الله تعالى. والمبعوث هنا بالرسالة هو محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - أرسله الله إلى قريش، وقد جاء التعبير بضمير المتكلم (إِنَّا مراعاة لمقام الربوبية العظيمة الجليلة، واستثارة للرهبة والمهابة، وتذكيراً بسلطان الرب، خالق السماوات والأرض، والمهيمن على كل شيء بربوبيته، القادر على إهلاك المكذِّبين وكل جبَّار مجرم.
ولما كان التخويف بالمؤجَّل لا يحدث إرباكاً في نفس السامع كما يحدث التخويف بالمعجَّل، حقَّ الالتفات من الغيبة إلى الخطاب
(إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً) ولو جرى على الأصل لقال: (إنا أرسلنا إليهم رسولاً) والغرض من الالتفات: التقريع والتوبيخ على عدم الإيمان.
وقد بيَّن الله تعالى صفة مميزة بالرسول وهي
(شَاهِدًا عَلَيْكُمْ) أي: شاهداً عليكم بأنه بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وهذه الصفة أو هذه الوظيفة وإن لم تكن من أوائل وظائفه، فهي أي: أداء الشهادة، هي وظيفته في الدنيا ويوم الدين، فعليكم أن تأخذوا بيانات الرسالة على محمل الجد منذ اللحظة الأولى لأنه في النهاية هو شاهد عليكم، ويشهد عليكم يوم القيامة بالإجابة أو الامتناع.
فكان من صور التخويف المعجَّل لهم ما حلَّ بالكاذب فرعون وقصته مشهورة عند أهل الكتاب، وخص الله تعالى ذكر فرعون دون قومه فقال:
(كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً) إشارة إلى أنه كان صاحب الكلمة المطاعة النافذة، وكان من أولي النعمة. وأن الله تعالى أرسل إليه رسولاً يدعوه إلى الحق. (فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) أي: كذَّب به ولم يؤمن، (فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلاً) أي: فعاقبناه عقاباً شديداً ثقيلاً. قال ابن كثير:
2-
"فاحذروا أنتم أن تكذِّبوا هذا الرسول فيصيبكم ما أصاب فرعون حيث أخذه الله أخذ عزيز مقتدر كما قال تعالى في سورة النازعات:
3- (فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأولَى(25)
وأنتم أولى بالهلاك والدمار إن كذَّبتم رسولكم لأن رسولكم أشرف وأعظم من موسى بن عمران".
وقال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:
4-
"يقول تعالى: احمدوا ربكم على إرسال هذا النبي الأمي العربي البشير النذير، الشاهد على الأمة بأعمالهم، واشكروه وقوموا بهذه النعمة الجليلة، وإياكم أن تكفروها، فتعصوا رسولكم، فتكونوا كفرعون حين أرسل الله إليه موسى بن عمران، فدعاه إلى الله، وأمره بالتوحيد، فلم يصدقه، بل عصاه، فأخذه الله أخذاً وبيلاً، أي: شديداً بليغاً".
فالرسول حجَّة، وما جاء به حجَّة، والقرآن حجَّة، وكذلك الدعوة السلفية في بيت المقدس ـ اليوم ـ هي حجَّة على الناس، لأن أهلها عدول، ولأنها دعوة الأنبياء والرسل والسلف الصالح، وهي حجَّة على الناس في مشارق الأرض ومغاربها، وأن الذي يصد عن هذه الدعوة الصحيحة التي تنتهج بفضل من الله تعالى منهج النبوة والسلف آثم يلحقه الخزي والعار في الدنيا قبل العذاب في الآخرة، فالدعوة السلفية صاحبة رسالة ربَّانية هي رسالة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - التي بلَّغها للناس كافة، وحملها الصحابة - رضوان الله عنهم - وبلَّغوها بدورهم كما نزلت من عند الله وبيَّنها نبيهم محمد - صلى الله عليه وسلم -.
وما يجري على الأرض الآن من نزاعات، وفتن، وقلاقل، وزلازل، وتفرق، وتشتت، وتحزب، وانتشار أمراض، وتسلط للقوي على الضعيف، وأكل حقوق الآخرين ظلماً وعدواناً، واستعمال النفاق بكل صوره الخسيسة تحقيقاً لمآرب خاصة ولو كان الوصول لهذه المآرب باسم شرع الله تعالى أحياناً، وباسم سماحة الإسلام والدفاع عنه أحياناً أخرى، أو التصرف بتأويلات ليس لها أصل صحيح في الشرع، أو فهم صحيح عن السلف، إنما سببه عدم الرجوع بإخلاص إلى الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة. ومن رحمة الله تعالى بالبشر على الأرض أنهم إذا ضلّوا بعث لهم من يجدد لهم الدين، ويبين لهم الحق بالقول المتين، ويكون حجة عليهم إذا لم يستجيبوا له.
والله تعالى لما أرسل النبي محمداً - صلى الله عليه وسلم - إلى قريش ليأمرهم بكلمة التوحيد بيَّن أن محمداً شاهداً عليهم. فهو حجَّة عليهم، وكذلك القرآن الذي أنزله الله عليه حجَّة عليهم.
وبعد ان عَرَّض الله تعالى بالتهديد في سورة "المزمل" لمن يكذِّب بدعوة الحق، أتبع في سورة "القمر" ما صدر من قولٍ عن المكذِّبين في معجزة مرئية وهي رؤيتهم انشقاق القمر، لينبِّه إلى أن شؤم الإعراض والتكذيب سببه اتباع الهوى رغم ما جاءهم من الحق، ورغم ما جاءهم من الأخبار الزاجرة عن كذبهم وضلالهم. كما قال تعالى:
5-
(اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (3) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4)
ومن أشهر هذه الأنباء التي وصلتهم وتقدم تذكيرهم بها: قصص هود وصالح ونوح ولوط – عليهم السلام - فعليهم الاعتبار والاتعاظ، فإن من شأن هذه الأخبار أن يتأثر بها السامع ليكفَّ عن تكذيبه وضلاله، لذا كان الله تعالى مع كل قصَّة من قصص هؤلاء الأقوام في السورة يقول:
6-
(فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (16)
للتهويل والتعجيب من شدَّة العذاب الذي حاق بهم، وقوله: (وَنُذُرِ) جمع نذير، بمعنى: فكيف كان عذابي وعاقبة إنذاري، وأن النذير تكرر لهم حتى باغتهم العذاب.
وشوَّقهم الله تعالى في كتابه العزيز في السورة لسماع المزيد من أخبار قصص هود وصالح ونوح ولوط – عليهم السلام - وتكراره هذه الآية بعد كل قصة؛ تنبيه على أن إيراده القصص إنما هو للوعظ والتذكار، لا لمجرد السماع والتلذُّذ، بل للاعتبار والانزجار عن مثل فعلهم. قال ابن كثير – رحمه الله -:
7-
"أي: كيف كان عذابي لمن كفر بي وكذَّب رسلي ولم يتعظ بما جاءت به نُذُري، وكيف انتصرت لهم، وأخذت لهم بالثأر".
وقد وصف الشيخ السعدي – رحمه الله – عذابهم بقوله:
8-
"كان والله العذاب الأليم، والنذارة التي ما أبقت لأحد عليه حجة".
ولمَّا أمر الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالإنذار والتبليغ، كما قال في مطلع سورة الأعراف:
9-
(المص (1) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2)
أمر الناس بقبول الحق ومتابعته، أمرهم أن يكونوا على ملة الإسلام ونهاهم عن اتباع شياطين الجن والإنس الذين يحملون الناس على عبادة الأوثان، ويحملونهم على اتباع الأهواء والبدع، فقال بعدها:
10-
(اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ..(3)
ولأن الذي نزل من الله تعالى إنذار وذكرى، فقد شرح الله تعالى في سورة الأعراف خطورة عدم اتباع الحق، فالواجب اتباع القرآن العظيم وما نزل فيه من توحيد الله وإخلاص العبادة له، واتباع السُّنَّة، وحذَّرهم أن يتَّخذوا غير الله تعالى أولياء يطيعونهم في معصية الله عز وجل. لذا فإنه:
11-
"قد أَعذَرَ مَنْ أَنْذَرَ".
أي: من حذَّرك ما يحل بك فقد بالغ في العذر، كما قال تعالى في السورة:
12-
(وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (4)
(وَكَمْ) للتكثير والمبالغة. إنها كثيرة تلك القرى التي (أَهْلَكْنَاهَا) بما لنا من العظمة بسبب ظلم أهلها، فخوَّف الله تعالى في الآية الكريمة بأنه أهلك كثيراً من القرى بسبب تكذيبهم الرسل، فما الذي كان من أهل الضلالة اتجاه دعوة الحق حتى استوجبوا الذلَّه؟
الجواب: إنهم كذَّبوا الأنبياء والرسل، وخالفوا الكتاب والسُّنَّة، وأشركوا بالله تعالى، واختلفوا مع أهل الحق، وحاربوا الدعوة السلفية، وجعلوا منهاج النبوة والسلف وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون !!، قال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:
13-
"فحين جاءهم العذاب لم يدفعوه عن أنفسهم، ولا أغنت عنهم آلهتهم التي كانوا يرجونهم، ولا أنكروا ما كانوا يفعلونه من الظلم والمعاصي".
وقال البقاعي ـ رحمه الله ـ:
14-
"فلا تغتروا بأوليائكم من دونه وأنتم عالمون بأنهم لم ينفعوا".
فلمّا اغتروا بأوليائهم من دون الله تعالى، واتبعوا أهواءهم، قال تعالى: (فَجَاءَهَا) الفاء للتعقيب دلالة على عدم التريث، (بَأْسُنَا) للتفصيل والتفسير، قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:
15-
"فأعقبهم ذلك خِزْيُ الدنيا موصولاً بذُلِّ الآخرة".
وأخبر سبحانه وتعالى أن كثيراً من القرى الظالمة نزل العذاب على بعضها (بَيَاتًا) أي: في وقت نوم أهلها بالليل كما حصل لقوم لوط، ونزل على بعضها و(هُمْ قَائِلُونَ) أي: في وقت استراحة أهلها بالنهار كما حصل لقوم شعيب. قال البقاعي ـ رحمه الله ـ:
16-
كان أفحش البأس وأشدَّه ما كان في وقت الراحة والدِّعة والغفلة".
ونظيره قول الله تعالى:
17-
(وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (58) [سورة القصص]
وقوله تعالى:
18-
(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (10) [سورة محمد]
وقوله تعالى:
19-
(فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (45) [سورة الحج]