الدمار على من أهمل الإنذار(2)
السبت | 28/09/2013 - 08:26 صباحاً


الدَّمار على من أهمل الإنذار


إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ 21/08/1434 وفق 30/06/2013


وعندما باغتهم العذاب الشديد في وقت اطمئنانهم وراحتهم انقطعت دعاوى الباطل كلّها عندهم، كما قال تعالى في سورة الأعراف:
20- (فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلاَّ أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (5)
قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

21- "أي: فما كان قولهم عند مجيء العذاب إلا أن اعترفوا بذنوبهم، وأنهم حقيقون بهذا".
فلم يكن لهم (إِلاَّ أَنْ قَالُوا) معترفين بجرائمهم على سبيل التحسّر والندم والطمع في الخلاص (إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) يعني: مجرمين:
لأنهم كافرون أو مشركون.
أو لأنهم عصوا.
أو لأنهم خرسوا فلم يأمروا بمعروف ولم ينهوا عن منكر.
أو لأنهم أكلوا حقوق بعضهم البعض.
أو أكلوا أموال الوقف بالباطل.
أو لأنهم صدّوا عن سبيل الله.
فأقرّوا في النهاية بذنوبهم وإساءتهم، فهم في الجملة مجرمون، قال الطبري ـ رحمه الله ـ:

22- "فلم يكن دعوى أهل القرية التي أهلكناها، إذ جاءهم بأسنا وسطوتُنا بياتًا أو هم قائلون، إلا اعترافهم على أنفسهم بأنهم كانوا إلى أنفسهم مسيئين، وبربهم آثمين، ولأمره ونهيه مخالفين".
فهذا اعتراف منهم بممارستهم للظلم ورعايتهم له.
23-
(والظلم ثلاثة)
كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:
24-
"فظلم لا يتركه الله، وظلم يغفر، وظلم لا يغفر، فأما الظلم الذي لا يغفر فالشرك لا يغفره الله، وأما الظلم الذي يغفر فظلم العبد فيما بينه وبين ربه، وأما الظلم الذي لا يترك فظلم العباد فيقتص الله بعضهم من بعض"[1].
وقال - صلى الله عليه وسلم -:
25-
"اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة"[2].
ومن ظلم الظالمين ادّعاؤهم كل شيء!!، ادعاءات متتالية ـ يشرّقون فيها ويغرّبون ـ يريدون فيها إثبات باطلهم مهما كلَّفهم الثمن!! إلاَّ أن تكون لهم جلسة واحدة ـ هي الأخيرة في الدنيا ـ يعترفون فيها أنهم على ضلال، أو يعترفون فيها أنهم لصوص أكلوا حقوق الناس والوقف، أو يعترفون فيها أنهم يصدّون عن سبيل الله، أو يقرّون أنهم مشركون بالله تعالى.
فمتى تكون هذه الجلسة التي تنتهي في أروقة عدلها وإنصافها ضلالهم ودجلهم؟ الجواب:
حين يرون فيه العذاب عياناً ! أو حين ينزل فيهم بأس الله !
فيكون الحق قد غرز في عيونهم حقيقة مُرَّة؛ لا يستطيعون دفعها بالندم والتوبة. كما قال البغوي ـ رحمه الله ـ:
26-
"وكان حاصل أمرهم الاعتراف بالجناية حين لا ينفع الاعتراف".
كان الأجدر بهؤلاء الحمقى الظلمة أن يتوبوا من ذنوبهم عندما جاءتهم النذر، فعليهم أن يراجعوا أنفسهم ـ الآن ـ قبل العذاب. لعلَّهم يوفّقون للتوبة!!
لقد كثرت خطاياهم وذنوبهم، فلم تتوقف جرائمهم عند المعاصي، بل تجاوزتها إلى أشدِّها من الكذب، والنفاق، والتلفيق، والاحتيال، وصناعة الاختلاف والتفرق، والخوض في الباطل، ومحاربة دعوة الحق واهلها!! والتشجيع على الشرك !! وتمييع الدين !! وقيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال !! قال الطبري ـ رحمه الله ـ:
27-
"في هذه الآية الدلالة الواضحة على صحة ما جاءت به الرواية عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من قوله:
28- "لن يهلك الناس حتى يَعذِروا ـ أو يُعذِروا ـ من أنفسهم"[3].
قال عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ:
29-
"قلت لعبد الملك: كيف يكون ذاك؟ قال: فقرأ هذه الآية: (فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ)
ومعناه: لن يهلك الناس (حتى يَعذِروا من أنفسهم) يعني: حتى يَعذِروا من يعذِّبهم فيكون لمن يعِّذبهم العذر، أو ( حتى يُعذِروا من أنفسهم) يعني: تكثر ذنوبهم وعيوبهم فكأنهم سلبت أعذارهم بكثرة اقتراف الذنوب فيستوجبوا العقوبة. قال الحربي ـ رحمه الله ـ:
30-
"تَكْثُرُ ذُنُوبُهُمْ فَيْعذِرُوا مَنْ أَهْلَكَهُمْ بِالعُقُوبَةِ"[4].
وفي "تهذيب اللغة" للأزهري ـ رحمه الله ـ:
31-
"إذا أذنبوا ذنوباً يكون لمن يعاقبهم عذر في ذلك لاستحقاقهم".
وقال البغوي ـ رحمه الله ـ:
32-
"أي: يكثروا ذنوبهم، ويستوجبوا العقوبة، فيكون لمن يعذبهم العذر"[5].

وقال الأزدي الحميدي ـ رحمه الله ـ:
33-
"أي: حتى تكثر ذنوبهم وعيوبهم فتقوم الحجة عليهم ويكون العذر واضحاً لمن يعاقبهم"[6].
وقال البيضاوي ـ رحمه الله ـ:
34-
قال أعذَرَ فلان إذا كثرت ذنوبه فكأنه سُلب عُذره بكثرة اقتراف الذنوب، أو مِن أُعذر أي صار ذا عذرٍ، والمراد: حتى يذنبوا فيُعذِرون أنفسهم ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً"[7].
واستحسن الطيبي ـ رحمه الله ـ قول من قال: (فيُعذِرون أنفسهم) فقال:
35-
"أنسب بباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كأن الناهي ينكر عليه ذنبه، وهو يتبرأ من الذنب ويعذر لنفسه ولإقدامه عليه"[8].
ونظير ما تقدَّم قوله تعالى في سورة "الأنبياء":
36-
(وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آَخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (15)
فقوله تعالى: (فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ) أي: لم يزالوا يقولون: (يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) يكررون نداءهم باعترافهم أنهم كانوا ظالمين، وبيَّن الله تعالى في سورة "غافر" أن نداءهم كان بالإيمان بالله مستغيثين من العذاب كما قال:
37-
(فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84)
ونفى الله تعالى قبول إيمانهم وتوبتهم حين نزل العذاب بهم فقال:
38-
(فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85)
لأن إيمانهم اضطراري لجئوا إليه من غير اختيار منهم، فهذا اللون من الإيمان لا ينفع؛ على خلاف لو أنَّ إيمانهم كان على الحقيقة لتاب الله عليهم، بل إن هؤلاء لو أعطيت لهم الفرصة برفع العذاب عنهم مرة تلو مرة لرجعوا إلى كفرهم كما قال تعالى في سورة "الأنعام" :
39-
(...وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28)
ونظيره قوله تعالى في سورة "المؤمنون":
40-
(وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75)
ويحاول الكذبة على الله أن يعلّلوا افتراءاتهم وعنادهم وتعنتهم بتعليلات كثيرة لا فائدة من طرحها ومنها – على سبيل المثال – كما قصَّ الله عنهم:
41-
(وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) [سورة الفرقان]
يطلبون مَلَك يشهد على النبي – صلى الله عليه وسلم – بالصدق!، ويعينه على التبليغ!، ويشاركه في الإنذار!، وقد ردَّ الله تعالى استهزاءهم بقوله في السورة:
42-
(يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ..(22)
ومعلوم أن محمداً – صلى الله عليه وسلم – كافٍ في الحجَّة والبيان والإنذار، لأن الملك لن يغيِّر من حقيقة الرسالة شيئاً، لكن الكفّار يتقدَّمون دوماً بمطالب لا طعم لها، بل تكشف عمّا في مكنونهم من الحقد والكذب، وردَّ الله تعالى عليهم في السورة بقوله:
43-
(وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (51) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52)
أي: بما لنا من العظمة شئنا أن نحمِّلك أعباء الدَّعوة، ثم قال تعالى في السورة:
44-
(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (56)
وقال تعالى في سورة "فاطر":
45-
(إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (23) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا..(24)
ونظيره قوله تعالى في سورة "سبأ":
46-
(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا .. (28)
ونظير ما تقدَّم قوله تعالى في سورة "الكهف":
47-
(وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (56)

(1) أخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده"، وهو في "السلسلة الصحيحة"(1927).

(2) أخرجه الإمام مسلم، وأحمد، وغيرهما وهو في "السلسلة الصحيحة"(858).

(3) "صحيح سنن أبي داود"(4347).

(4) "غريب الحديث".

(5) "شرح السنة"(14/349).

(6) "تفسير غريب ما في الصحيحين".

(7) "فيض القدير"(5/387).
(8) "مرقاة المفاتيح"(15/27).