القرآن ومعه النذير حجة (4)
السبت | 28/09/2013 - 10:56 صباحاً


القرآن ومعه النذير حجَّة


إعداد: هشام بن فهمي العارف


تاريخ 22/11/1434 وفق 28/09/2013

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد؛
فلمّا خصَّ الله تعالى القرآن بالحجَّة، خصَّ الكفّار فيه بالإنذار كما قال في سورة الأعراف:
77-
(كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2)
فهم الواقعون فيما أنذروا به من النكال والعذاب، وكما أن القرآن ذكرى وبشرى للمؤمنين، هو أيضاً حجَّة على المعاندين شديدي الخصومة بالباطل، كقوله تعالى:
78-
(فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (97) [سورة مريم]
ومعنى (قَوْمًا لُدًّا) لا يستقيمون؛ قاله مجاهد، وقال ابن كثير:
79-
"أي: عوجًا عن الحق مائلين إلى الباطل".
وقد وصف الله تعالى المعاندين في قريش بقوله:
80-
(بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58) [سورة الزخرف]
والخصومة الشديدة من صفات المنافقين أيضاً، والمنافق إذا تفضَّل الله عليك وبصَّرك به علمت أنه من أشدِّ الناس خصومة للحق وأهله، لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
81-
"وإذا خاصم فجر".[1]
فالقرآن أيضاً حجَّة على المنافقين، وهم واقعون فيما أنذروا به من النكال والعذاب، وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:
82-
"أَبغضُ الرّجالِ إلى اللهِ: الألدُّ الخصِمُ".[2]
لذا لمّا فسَّر الإمام ابن كثير ـ رحمه الله ـ الآية قال:
83-
"وهكذا المنافق في حال خصومته، يكذب، ويَزْوَرّ عن الحق ولا يستقيم معه، بل يفتري ويفجر".
وقد بيَّن الله تعالى موقف المعاندين في كل قرية بلغتها دعوة الحق وجاءها النذير وقامت عليها الحجَّة فقال:
84-
(وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ(34) [سورة سبأ]
ونظيره قوله تعالى في سورة "الزخرف":
85-
(وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (24)
وهذا الاحتجاج من هؤلاء الضلاّل، يكشف لنا مدى تعنِّتهم وإصرارهم على الباطل واتباع الهوى.
وتقدَّم في هذه الحلقة معنى قوله تعالى
: (..وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ) فإقامة النذير للحجَّة مظهر من مظاهر رحمة الله بعباده، فإنه جعل لكل أمة رسولاً يهديها إلى الحق وإلى الطريق المستقيم. كما قال:
86-
(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (47) [سورة يونس]
قال العلاّمة السعدي ـ رحمه الله ـ:
87-
"(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ) من الأمم الماضية(رَسُولٌ) يدعوهم إلى توحيد الله ودينه.(فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ) بالآيات، صدَّقه بعضهم، وكذَّبه آخرون، فيقضي الله بينهم بالقسط بنجاة المؤمنين، وإهلاك المكذبين(وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) بأن يعذَّبوا قبل إرسال الرسول وبيان الحجَّة، أو يعذبوا بغير جرمهم، فليحذر المكذبون لك من مشابهة الأمم المهلكين، فيحل بهم ما حل بأولئك".
وإن من مظاهر رحمة الله بعباده أنه جعل في أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ من يجدِّدُ لها دينها فيهديها إلى الحق وإلى طريق مستقيم. كما قال ـ عليه والسلام ـ:
88-
"إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا".[3]
ونظيره قوله تعالى:
89-
(وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36) [سورة النحل]
ومعلوم أن دعوة جميع الرسل واحدة، وهي تحقيق معنى "لا إله إلا الله"،وأنه بعد الإنذار وقيام الحجَّة ينقسم الناس إلى فريقين: فالسعيد منهم يهديه الله إلى اتباع ما جاءت به الرسل، والشقي منهم يسبق عليه الكتاب فيكذِّب الرسل، ويكفر بما جاؤوا به، قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:
90-
"فكل نبي بعثه الله يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والفطرة شاهدة بذلك أيضاً، والمشركون لا برهان لهم، وحجَّتهم داحضة عند ربهم، وعليهم غضب، ولهم عذاب شديد".
ونظير ما تقدَّم قوله تعالى:
91-
(..إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7) [سورة الرعد]
فالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ منذر لأنه يهدي إلى الحق والرشاد فهو حجَّة، والقرآن الذي معه حجَّة، (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) أي: لكل قوم داع يهديهم إلى الحق والرشاد وينذرهم فهو حجَّة، وما يكون معه من الآيات حجَّة.
ولما كانت الجن تبعاً للإنس في باب النبوة قال تعالى إخبارًا عنهم:
92-
(وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) [سورة الأحقاف]
فالله تعالى قطع حجة العباد ببعث الرسل، كما قال:
93-
(رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ..(165) [سورة النساء]
وهذه الآية من الأدلَّة الدالَّة على وجوب الأخذ بخبر الواحد، وقال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:
94-
"وهذا من كمال عزته تعالى وحكمته أن أرسل إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب، وذلك أيضاً من فضله وإحسانه حيث كان الناس مضطرين إلى الأنبياء أعظم ضرورة تقدر فأزال هذا الاضطرار، فله الحمد وله الشكر ونسأله كما ابتدأ علينا نعمته بإرسالهم أن يتمها بالتوفيق لسلوك طريقهم إنه جواد كريم".
فلا بد أن يقطع الله عز وجل حجَّة كل أحد بإرسال الرسل، مبشرين من أطاعهم بالجنة، ومنذرين من عصاهم النار. فإنذار الرسل هو الذي تقوم به الحجَّة على الناس، وينقطع به عذرهم: لا نصب الأدلة؛ ولا الخلق على الفطرة.ومما يؤكد لك ذلك قوله تعالى في سورة "الزمر":
95-
(وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (72)


وقال في سورة "المؤمنون":
96-
(أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (105) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (106)
فقولهم: (رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا) أي: قد قامت علينا الحجَّة، ولكن كنا أشقى من أن ننقاد لها ونتبعها، فَضَلَلْنَا عنها ولم نُرْزَقْهَا. وقال تعالى في سورة "الملك":
97-
(...كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (11)
وثبت في الصحيحين وغيرهما عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ مرفوعاً:
98-
"لا أحد أغْيَر من الله من أجل ذلك حرَّم الفواحش ما ظَهَر منها و ما بطن، ولا أحد أحبّ إليه المدحُ من الله، من أجل ذلك مدح نفسه، و لا أحد أحَبّ إليه العُذر من الله، من أجل ذلك أنزل الكتاب و أرسل الرسل".
وفي رواية:
99-
"من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين".
وفي رواية الأسود بن سريع:
100-
"ليس أحد أحب إليه المدح من الله عز وجل، ولا أحد أكثر معاذير من الله عز وجل".[4]
والغيرة في الأصل الحمية والأنفة، وهي صفة ثابتة لله، حقيقة على ما يليق بجلاله وعظمته من غير تشبيه ولا تمثيل بغيرة المخلوقين. فلا أحد أغير منه سبحانه وتعالى لذلك حرَّم الفواحش، والحديث كما قال المناوي في "التيسير":
101-
"جمع بين محبة المدح والعذر الموجبين لكمال الاحسان وبيَّن أنه لا يؤاخذ عبيده بما ارتكبوه حتى يعذر اليهم المرة بعد الاخرى وهذا غاية الاحسان والامتنان".
وفي الحديث رسالة إلى الخوارج وأمثالهم من المبتدعة الذين يتسرَّعون في الحكم على الناس بأن الحجَّة قامت عليهم، فهم يؤاخذون غيرهم بما ارتكبوه من معاصٍ فيسارعون إلى تكفيرهم والخروج عليهم.
وعدم تأني الخوارج في إعذار غيرهم جلب لهم اتخاذ العنف وسيلة لإثبات الحق ـ بزعمهم ـ حتى وصِفوا بالإرهاب، والسبب: الجهل الفاضح بكتاب الله تعالى وسنة نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ واتباع الهوى للوصول إلى غاياتهم من زهرة الدنيا.
فمن أحبَّ إقامة الحجَّة فلا بدَّ ان يكون من أهل الإعذار الذين يعذرون حتى يتبيَّنون، وإقامة الحجَّة تحتاج إلى علم وتروٍّ وأن يكون الهدف إنقاذ الآخرين من العذاب، لا الهدف التكفير والحكم على الآخرين بنار جهنم ومن ثم استحلال أموالهم ودمائهم كما يفعل الثوار ـ اليوم ـ في كل مكان.
وفي حديث أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ والذي أخرجه أبو يعلى في "مسنده"، والبيهقي في "السنن الكبرى"، وهو في "السلسلة الصحيحة"(1795) أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:
102-
"التأني من الله و العجلة من الشيطان".
وفي رواية أبي يعلى زاد:
103-
"وما من أحد أكثر معاذير من الله، وما من شيء أحب إلى الله من الحمد".
فاقتران هذه الزيادة من الشطر الثاني للحديث في هذه الرواية مع الشطر الأول له تشير إلى أهمية التأني لإعذار الآخرين حتى تكون الحجَّة بعد الوضوح والتبيين قد سدَّت منافذ التقصير، وأغلقت مدخل الشيطان من جهة المسارعة في اتهام الآخرين بأنهم فهموا الحجَّة والله أعلم.
فليس كل أحد أجدر بإقامة الحجَّة على الآخرين، والإنذار أعم من الرسالة، لذا حث الله تعالى في القرآن على تعلم الحجَّة للتحذير من عواقب إهمالها كما قال تعالى:
104-
(وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122) [سورة التوبة]
وقوله تعالى في الآية: (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ) إشارة إلى أن الفقه أخصُّ من العلم، فالفقهاء هم وحدهم المؤهلون للإنذار لثبوت الفهم لديهم، وفي الصحيحين وغيرهما أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:
105-
"من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين".
والآية من الأدلَّة الدالَّة على وجوب الأخذ بخبر الواحد، قال الإمام البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ:
106-
اب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان، والصلاة، والصوم، والفرائض، والأحكام، وقول الله تعالى: وذكر الآية".
وقال:
107
- "ويسمَّى الرجل طائفة لقوله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) فلو اقتتل رجلان دخلا في معنى الآية وقوله تعالى: (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) وكيف بعث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمراءه واحداً بعد واحد، فإن سها أحد منهم ردَّ إلى السنة".
ثم ساق الإمام البخاري أحاديث مستدلاًّ بها على ما ذَكَر من إجازة خبر الواحد، والمراد بها جواز العمل والقول بأنه حجَّة. قال الشنقيطي ـ رحمه الله ـ:
108-
"وبه تعلم أن الإنذار لا يقوم إلا بالحجَّة، فمن لم تقم عليه الحجَّة، لم يكن قد أُنذر، كما أن النذير من أقام الحجَّة، فمن لم يأت بحجَّة فليس بنذير".
وقال:
109-
"فما لا شك فيه أن هذا الإنذار المذكور في قوله: (لِيُنْذِرُوا) والتحذير من مخالفته في قوله: (لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) ليس برأي ولا اجتهاد. وإنما هو إنذار بالوحي ممن تفقه في الدين، وصار ينذر بما علمه من الدين، كما يدل عليه قوله تعالى قبله: (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ) فهو يدل على أن قوله: (وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ) أي بما تفقهوا فيه من الدين. وليس التفقه في الدين إلا علم كتـاب الله وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ".
وقوله تعالى: (وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ) قال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:
110-
"أي. ليتعلَّموا العلم الشرعي، ويعلموا معانيه، ويفقهوا أسراره، وليعلِّموا غيرهم، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم. ففي هذا فضيلة العلم، وخصوصاً الفقه في الدين، وأنه أهم الأمور، وأن من تعلم علماً، فعليه نشره وبثه في العباد، ونصيحتهم فيه فإن انتشار العلم عن العالم، من بركته وأجره، الذي ينمى له.
وأما اقتصار العالم على نفسه، وعدم دعوته إلى سبيل اللّه بالحكمة والموعظة الحسنة، وترك تعليم الجهال ما لا يعلمون، فأي منفعة حصلت للمسلمين منه؟ وأي نتيجة نتجت من علمه؟ وغايته أن يموت، فيموت علمه وثمرته، وهذا غاية الحرمان، لمن آتاه اللّه علماً ومنحه فهماً".

وقال صاحب "الكشّاف":
111-
"وليجعلوا غرضهم ومرمى همَّتهم في التفقه: إنذار قومهم وإرشادهم والنصيحة لهم، لا ما ينتحيه الفقهاء من الأغراض الخسيسة ويؤمّونها من المقاصد الركيكة، ومن التصدّر والترؤس والتبسط في البلاد، والتشبه بالظلمة في ملابسهم ومراكبهم ومنافسة بعضهم بعضاً، وفشوّ داء الضرائر بينهم وانقلاب حماليق أحدهم إذا لمح ببصره مدرسة لآخر، أو شرذمة جثوا بين يديه، وتهالكه على أن يكون موطأ العقب دون الناس كلهم، فما أبعد هؤلاء من قوله عزّ وجلّ: (لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا)".
واعلم أن الجن ذهبوا بعد الإنذار ـ كما تقدَّم معنا في الحلقة (10) ـ إلى التهديد فقالوا:
112-
(وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (32) [سورة الأحقاف]
فالإنذار لا يتوقف عند التعليم الشرعي، بل يتعدّاه إلى التهديد بالعقاب، فمن انتفع بالقرآن انتفع بالإنذار والتذكار، ومن أهمل الإنذار فعاقبته الدَّمار.
وقولهم:
(أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ) يشير إلى أنه منذر وحجَّة، وأن تفقُّهه للدين إنما كان لدعوة الناس إلى الحق تبشيراً وإنذاراً؛ حتى يتجنب القوم ما يضرهم.
ولنا في المؤمنين من الجن أسوة فبعد أن أنصتوا وفهموا معاني القرآن ووصلت حقائقه إلى قلوبهم لم ينافقوا، ولم تكن عندهم مطامع، بل أخلصوا فانطلقوا إلى قومهم محذِّرين ومنذرين. قال الحجَّة ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:
113-
"واجب على الأمة أن يبلِّغوا ما أُنزل إلى محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وينذروا كما أنذر".[5]

 

 

 


[1] متفق عليه، وأخرجه غيرهما.

[2] الحديث متفق عليه، وأخرجه غيرهما، وهو في "السلسلة الصحيحة" (3970).

[3] أخرجه أبو داود في سننه ـ كتاب الملاحم ـ واللفظ له، والبيهقي في " معرفة السنن والآثار"، والخطيب في " التاريخ "، والحاكم في " المستدرك "، وغيرهم، وهو في "السلسلة الصحيحة"(599).


[4] أخرجه الطبراني في "الكبير"، وهو في "السلسلة الصحيحة" (2180).

[5] "مجموع الفتاوى" (4/326).