تنبيه العاقل إلى عقاب الموالاة في الباطل
الخميس | 10/10/2013 - 01:48 مساءً

تنبيه العاقل إلى عقاب الموالاة في الباطل


إعداد: هشام بن فهمي العارف


تاريخ 05/12/1434 وفق 10/10/2013


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد؛
قال تعالى في سورة "الجاثية":
1-
(..وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ..(19)
بيَّن الله تعالى في الآية أن الظالمين بعضهم أولياء بعض، ومثل ذلك الذين كفروا قال تعالى:
2-
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ..(73) [سورة الأنفال]
ومثل ذلك اليهود والنصارى قال تعالى:
3-
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ..(51) [سورة المائدة]
فقوله تعالى في الظالمين، والكفّار، واليهود والنصارى (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) لا تعني أن موالاة بعضهم بعضاً على الحقيقة بل هشَّة، لأنها زائفة قائمة على الادعاء، فهي لا تستند على أساس صحيح، بل تستند على المصالح للوصول إلى زهرة الدنيا، أو محاربة الحق وأهله، كما قال تعالى:
4-
(وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129) [سورة الأنعام]
فهم يتولَّون بعضهم بعضاً بالنصرة والمودَّة بسبب الكسب السيء، وكذلك أفراد الأحزاب والجماعات الضالة في المسلمين يوالون بعضهم بعضاً، فهم وإن اختلفوا بينهم؛ لكنهم يوالون بعضهم بعضاً، ويناصرون بعضهم بعضاً ـ خاصَّة ـ في مواجهة الحق للحفاظ على مكتسباتهم الخبيثة، كما فعل الكفّار مع إبراهيم ـ عليه السلام ـ تكتَّلوا في الباطل فتآمروا عليه، فما كان منه ـ عليه السلام ـ بعد نجاته من النار إلاَّ أن يفضح خبثهم، ويجعل من تلك الحادثة عبرة في الزمان:
5-
(وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (25) [سورة العنكبوت]
والمبتدعة وطوائف الضلاّل توالي بعضها بعضاً، وتداهن بعضها بعضاً، فهي وإن اختلفت في مبتدعاتها إلاَّ أنها تناصر بعضها بعضاً، وتؤيِّد بعضها بعضاً في بدع كثيرة على رأسها ـ مثلاً ـ بدعة الخروج على الحكّام والأمراء، فتجتمع على السيف، وتجتمع على بغض الطائفة المنصورة والعمل على محاربتها.
وهذا النوع من الموالاة سرعان ما ينتهي بانتهاء المصلحة، بخلاف موالاة المؤمنين فإن الله تعالى لمّا قال في سورة "التوبة":

6- (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ..(71)
أراد أن يبيِّن أن (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) ـ في المحبة والموالاة والانتماء والنصرة ـ على الحقيقة لا على الادّعاء أو المصلحة، فموالاة بعضهم بعضاً ثابتة ومستقرة ودائمة، لأنها تستند على أساس صحيح هو دين الله الإسلام كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
7-
"أوثق عرى الإيمان: الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحبُّ في الله، والبغض في الله"
ولمّا ذكر الله تعالى المنافقين في سورة "التوبة" قال:
8-
(...الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ..(67)
فلم يقل (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) كما قال في غيرهم! لأن المنافقين تتشابه صفاتهم في الخساسة وانحطاط الأخلاق، فهي أخس من أن تجعل بينهم رابطة موالاة.
فإنه سبحانه وتعالى لمّا شرح قبائح أفعالهم ومنها: الكذب، والإخلاف، وسوء الائتمان، والخصومة، والغدر قال:
(بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) لبيان شدَّة التشابه بينهم في القبائح، و(مِنْ) للجنس، فكأنهم متصلون في الأخلاق المذمومة فهم فيها سواء. وهذا يعني ضرورة التشديد في وجوب مجانتبتهم لئلا يحدثوا ثغرة في صف المؤمنين كما قال تعالى:
9-
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ..(198) [سورة آل عمران] 
وبيَّن الله تعالى مظاهر موالاة المنافقين للكافرين ومعاداتهم للمؤمنين فقال في سورة "النساء":
10-
(الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ..(141)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:
11-
"وَكَانَ كَثِيرٌ مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إلَى الْإِسْلَامِ فِيهِ مِنْ النِّفَاقِ وَالرِّدَّةِ مَا أَوْجَبَ تَسْلِيطَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلَ الْكِتَابِ عَلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ".
ولمّا كانت معاني الولاية لله وفي الله هي من مسائل الإيمان والأخلاق الرفيعة الممدوحة، فقد فضح الله تعالى نوع موالاة الظلمة بعضهم بعضاً، وكذلك وموالاة الكفّار ومنهم اليهود والنصارى، وبيَّن أنها بعد مهلة تؤول إلى معاداة بعضهم بعضاً، وبغض بعضهم بعضاً  كما قال تعالى في سورة "المائدة":
12-
(وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14) [سورة المائدة]
ليبيِّن أن سبيل الضالين هو سبيل المغضوب عليهم في نقض المواثيق، وتسمية أنفسهم بالنصارى لنصرة الله تعالى هو ادِّعاء وكذب، وإن كان اسم النصارى على الحقيقة مدحاً؛ لقول الحواريين لعيسى ـ عليه السلام ـ:
13-
(..نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) [سورة آل عمران]   فهؤلاء القائلون (إِنَّا نَصَارَى) خرجوا من دائرة المحظوظين لأنهم نقضوا الميثاق وأهملوا الحق، فدخلوا دائرة معاداة وبغض بعضهم بعضاً إلى يوم القيامة جزاءً وفاقاً، كما قال الشاعر:
14- "كل العداوة قد ترجى مودَّتها     ****** إلاَّ عداوة من عاداك في الدّين".
وقدَّم الله تعالى العداوة على البغضاء ليبيِّن أنهم دخلوا دائرة العداء القلبي الديني لبعضهم البعض وأمارته البغض والكراهية والنفرة، فكان عقاباً لهم على إهمالهم التوراة والإنجيل وإهمالهم دعوة الحق على منهاج الأنبياء، وبيَّن الله تعالى أن طوائف النصارى إلى قيام الساعة ـ كما قال ابن كثير ـ:
15-
"على اختلاف أجناسهم لا يزالون متباغضين متعادين يكفِّر بعضهم بعضاً، ويلعن بعضهم بعضاً، فكل فرقة تحرِّم الأخرى ولا تدعها تلج معبدها".
قال قتادة ـ رحمه الله ـ:
16-
"إن القوم لمّا تركوا كتاب الله، وعصوا رسله، وضيعوا فرائضه، وعطّلوا حدوده، ألقى بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، بأعمالهم أعمال السوء، ولو أخذ القوم كتاب الله وأمره، ما افترقوا ولا تباغضوا".
وفسَّر الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ الإغراء بقوله:
17-
"التسليط".
قال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ:
18-
"تفسير الإغراء بالتسليط يلازم معنى الإغراء؛ لأن حقيقة الإغراء كما قال أبو عبيدة: التهييج للإفساد"
لكنه عبر بالإغراء كأن كل واحد قد أغري (بمعنى: ألصق) بالآخر من شدة العداوة والبغضاء بينهم، وليس لفترة زمنية مؤقتة أو جيل منهم بل مستمرة فيهم إلى يوم القيامة، ففي ذكر أعمال النصارى فائدة لأمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليمتنع البصير من مفارقة أهل الحق. قال إبراهيم النخعي ـ رحمه الله ـ:
19-
"ما أرى الإغراء في هذه الأمة إلا الأهواء المتفرقة والبغضاء"
وقال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:
20-
"وهذا حال أهل الأهواء هم مختلفون في الكتاب، مخالفون الكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب، وقد تركوا كلهم بعض النصوص وهو ما يجمع تلك الأقوال فصاروا كما قال عن أهل الكتاب".
وقال ـ رحمه الله ـ:
21-
"فإذا ترك الناس بعض ما أنزل الله وقعت بينهم العداوة والبغضاء، إذ لم يبق هنا حق جامع يشتركون فيه؛ بل:
22- (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53) [سورة المؤمنون]
وهؤلاء كلهم ليس معهم من الحق إلا ما وافقوا فيه الرسول، وهو ما تمسكوا به من شرعه مما أخبر به وما أمر به، وأما ما ابتدعوه فكله ضلالة كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

المقال كاملاً هنا