ما جاء بختنصر لينتصر
الخميس | 07/08/2008 - 10:00 صباحاً
ما جاء بختنصر لينتصر
إعداد: هشام بن فهمي العارف
تاريخ 28/5/1429 الموافق 02/6/2008
ما جاء بختنصر الكافر إلى أرض الشام أرض المسجد الأقصى ليأخذ الأرض ينعم بها! أو جاء لينتصر! بل جاء مسخراً مسلطاً من الله ـ عز وجل ـ على بني إسرائيل بعد أن أفسدوا فيها، وكذلك غيره من بعده من الكفرة الذين جاءوا أرض الشام والمسجد الأقصى لم يأتوا من أجل الأرض ـ كما يزعم البعض ـ، ولا من أجل تحقيق انتصار ـ كما يخيل لآخرين ـ، بل أتوا مسخرين مسلطين من الله ـ عز وجل ـ على المسلمين بعد أن أفسدوا على أرض الشام أرض المسجد الأقصى.
هذه حقيقة لا يغفل عنها إلا الجاهلون، أو المتجاهلون. لذلك لمَّا كان لنا من تاريخ فساد بني إسرائيل العبرة الكبيرة، جعل الله تعالى ـ دائماً ـ لأمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ المخرج منها بقوله في سورة "الإسراء" والتي تسمى بسورة "بني إسرائيل":
(1) (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9).
إن لأهل الشام ـ الطائفة المنصورة ـ فضيلة، لا يكابر فيها إلا الجاحدون، وبنو إسرائيل كذلك؛ فضلهم الله ـ تعالى ـ في وقتهم على العالمين، قال ـ تعالى ـ في سورة الجاثية:
(2) (وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16).
وإسرائيل هو: يعقوب بن إسحق بن إبراهيم ـ عليهم السلام ـ أسكنهم الله تعالى بلاد الشام، وجعل قبلتهم المسجد الأقصى. واستمر نسلهم فيها إلى أن جاء عيسى بن مريم ـ عليه السلام ـ قال ـ تعالى ـ في سورة الأعراف:
(3) (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137).
والأرض هي: أرض الشام، قاله الحسن البصري، وقتادة، وقال ابن تيمية:
(4) "وإنما أورث الله بني إسرائيل أرض الشام". ["مجموع الفتاوى"(27/44)]
وقد أعلم الله ـ تعالى ـ بني إسرائيل وأخبرهم بالعصيان والفساد فقال في سورة الإسراء:
(5) (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا(4).
واللام في قوله تعالى (لَتُفْسِدُنَّ)، و(لَتَعْلُنَّ) لام القسم، بمعنى أقسم أنكم لتعصن وأقسم أنكم لتستكبرن، وهي تشبه قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأمته معلماً إياهم ومخبراً لهم:
(6) (لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم. قيل يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال فمن).[متفق عليه]
فلما فسد بنو إسرائيل في المرة الأولى سلط الله عليهم بختنصر، إذن لم يأت بختنصر ليحتل، ولم يأت لينتصر، بل أتى مسخراً من الله ـ تعالى ـ ومسلَّطاً ليعذب. لذا قال ـ تعالى ـ في السورة:
(7) (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولاً(5).

قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:
"أي: سلطنا عليكم جنداً من خلقنا أولي بأس شديد، أي: قوة وعدة وعدد وسلطنة شديدة، (فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ) أي: تملكوا بلادكم وسلكوا خلال بيوتكم، أي: بينها، ووسطها، وانصرفوا ذاهبين وجائين، لا يخافون أحداً وكان وعداً مفعولاً".
وهكذا فعل تيطس لما فسد بنو إسرائيل في المرة الثانية، قال ـ تعالى ـ:
(8) (..فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا(7).
وبناء على ما تقدم فقد جمع الله ـ تعالى ـ في سورة بني إسرائيل، وهي سورة الإسراء، بين مسألتين هامتين:
الأولى: شرف الحادثة العظيمة وهي حادثة الإسراء بالنبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وما فيها من قصص، وعبر، وابتلاء، فهي مفخرة في حق أمته التي ورثت عقيدة الأنبياء، ليكون همَّها مواصلة الخير، والفضيلة، والعمل الصالح.
لذا تناولت طلائع أمته ـ صلى الله عليه وسلم ـ الحادثة بالصدق والإيمان، وبناء عليه كان لأهل الشام فضيلة عظيمة من أجل بركة المكان، وبركة الدعوة إلى الله ـ تعالى ـ على منهاج النبوة.
والثانية: بيان ما تناولته نهايات أمة بني إسرائيل من الفساد الذي منعها من مواصلة مهمتها في الأفضلية والخيرية، إذ لم يقدروا النعمة التي أنعمها الله ـ تعالى ـ عليهم، ولم يشكروه عليها، فانتزعها منهم لتكون في أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي هو من نسل إسماعيل ولد إبراهيم ـ عليهم السلام ـ.
ولا شك أن القاسم المشترك بين الأمتين: أمة بني إسرائيل ـ عليه السلام ـ، وأمة محمد ـ عليه السلام ـ، هو الذي نبه الله ـ تعالى ـ له بقوله في السورة:
(9) (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا...(7).
وقوله في السورة:
(10) (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا(8).
ومن هذا الباب كان تنبيه النبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأمته بقوله:
(11) (إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة). ["الصحيحة" (403)]