الابتلاء بنعمة الماء
الأربعاء | 30/10/2013 - 08:09 صباحاً


الابتلاء بنعمة الماء


إعداد: هشام بن فهمي العارف


تاريخ 24/12/1434 وفق 29/10/2013


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد؛
فإن قول الله تعالى في سورة "الواقعة":
1-
(أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68)
يفسِّر لك شدة حاجة الخلق إلى خالقهم. فإذا كانت البشرية على وجه الأرض في هذا القدر من شدة الحاجة إلى الله تعالى فلم أكثرهم يكفرون به؟ يشربون ماءه، ويأكلون رزقه، ويعبدون غيره!! لذا فإن الله تعالى في الآية التالية قال:
2-
(أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69)
فألزمهم الإيمان بالله تعالى، وألزمهم طاعته شكراً لنعمة الحصول على الماء الذي أنزله وصرَّفه لشربهم ولمصالحهم، وأشارت الآية إلى أن جميع الماء الساكن في الأرض النابع من العيون والآبار الجوفية ونحو ذلك أصله كلُّه نازل من السحاب، خلاف ما ذهبت إليه بعض النظريات العلمية أن الماء المخزون في الآبار والعيون لا علاقة له بماء المطر!!
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ عن المطر والرعد والزلازل على قول أهل الشرع وعلى قول الفلاسفة، فأجاب:
3-
"الحمد لله رب العالمين أما المطر فإن الله يخلقه في السماء من السحاب، ومن السحاب ينزل". [وذكر الآية] واستدل على ذلك أيضاً بقوله تعالى:
4-
(وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14)
وبقوله تعالى:
5-
(..فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ..)
أي: من خلال السحاب".
وفي الآية التالية قال تعالى:
6-
(لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70)
(فَلَوْلَا) أي: هلاَّ، وهي حرف تحضيض، فهو سبحانه يحثُّهم على توحيده، ويطالبهم بشكره على هذه النعمة العظيمة لأنه هو وحده سبحانه المنعم بها عليهم.
والماء الأجاج: هو الجامع بين الملوحة والمرارة الشديدين، وإذا صار الماء ملحاً أجاجاً لا يمكن الشرب منه ولا الانتفاع به صار في حكم المعدوم، لكنه سبحانه امتنَّ عليهم بأنه أنزله عذباً فراتاً فقال:
7-
(وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (27) 
وقال تعالى في سورة "الحجر":
8-
(..فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22)
فأعلم الله تعالى عباده وبما له من العظمة أن خزائن الماء ليست عندهم، بل عنده وحده عز وجل، كما قال:
9-
(وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ..(7)  
فهو سبحانه المالك الكريم، ينزل الماء من خزائنه على عباده متى شاء، واقتضت رحمته وقدرته أن يكون إنزاله المطر بقدر كما قال:
10-
(..وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21) 
أي: بقدر أغاث به العباد، وأنقذ به البلاد من الشدَّة. ونظيره قوله تعالى:

11-
(وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ ..(11) 
أي: بمقدار معين، لا يزيد ولا ينقص، بحيث يحصل به نفع الخلق ولا يكثره عليهم، حتى يكون كطوفان نوح لئلا يهلكهم، ولم يجعله دون قدر الكفاية من غير مضرَّة، فهو سبحانه ينزله بالقدر الذي فيه مصلحة المخلوقات دون مفسدتهم، قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:
12-
"أي: بحسب الحاجة، لا كثيرًا فيفسد الأرض والعمران، ولا قليلاً فلا يكفي الزروع والثمار، بل بقدر الحاجة إليه من السقي والشرب والانتفاع به".
وعظَّم الله نفسه جل وعلا بصيغة الجمع فقال:
13-
(وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ ..(18) 
وفيها بيان لرحمته بعباده، ولو كان ما ينزل من السماء من غير قدر لكان قد سال كله، وكان في ذلك هلاك المخلوقات كلها، لكنه سبحانه وتعالى كما قال:
14-
(أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا..(17) 
أي: سالت المياه في الأودية بمقدارها الذى حدده الله تعالى واقتضته حكمته في نفع الناس. أو بمقدارها قلة وكثرة، بحسب صغر الأودية وكبرها، واتساعها وضيقها.
وكما  أعلم الله تعالى عباده بأن خزائن الماء عنده، أعلمهم أنهم لا يقدرون على خزنه في الآبار الجوفية والعيون بعد أن ينعم عليهم بإنزاله فقال:
15-
(..وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22) 
وامتنَّ عليهم بما سخَّر لخزنه في الأرض فقال:
16-
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ..(21) 
والينبوع: الماء الكثير. وقال تعالى:
17-
(..فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (18) 
فبيَّن الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن الماء الذي أنزله الله تعالى من السماء أسكنه في الأرض بعد أن سلكه ينابيع فيها لينتفع به الناس في الآبار والعيون، ونحو ذلك. وأنه جل وعلا قادر على إذهابه لو شاء أن يذهبه فيهلك جميع الخلق بسبب ذهاب الماء من أصله. فإذا أعدم الماء بعد وجوده، لا تجد من يقدر على أن يأتيك به غيره جل وعلا. كما قال تعالى في ذكر جنة سورة "الكهف":
18-
(أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41)
والغور مصدر بمعنى: غائر، أي: (يُصْبِحَ مَاؤُهَا) غائراً في الأرض لا يستطاع الوصول إليه بالمعاول، ولا بغيرها.
ففيما تقدم من الآيات البيِّنات ما يبيِّن قدرة الله ورحمته وحكمته وعظمته في شأن تنزيل المطر من حيث: خزنه في السماء، وإنزاله على العباد، ومقداره، وخزنه في الأرض، وقدرته سبحانه على ذهابه.
لذا كان التذكير في نهاية سورة "الملك" (67/مصحف) بنعمة الماء على اعتبار أنها سبب مهمً لحياة الإنسان في الدنيا، قال سبحانه وتعالى:
19-
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (30)
وهذا استفهام بمعنى النفي، أي: لا يقدر أحد على ذلك غير الله تعالى. لكنه سبحانه قدَّم التذكير بنعمة القرآن في سورة "القلم" (4/نزول) و (68/مصحف) بقوله:
20-
(مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2)
على التذكير بنعمة الماء لافتاً انتباه الغافل أن ذهاب الانتفاع بالقرآن أسوأ حالاً من ذهاب الماء في الأرض إلى أسفل بحيث لا يُنال بالدلاء، والغائر عكس النابع، لأنه سبحانه هو الذي يقدر على ذلك، وإذا اغترّ الإنسان بقوته وعلمه وفكره وظَنّ أنه يصل الماء في الأرض بالفؤوس الحداد، والسواعد الشداد، فليتذكر قدرة الله على حبس الماء في السماء.
فعلى العباد أن يستعظموا النعمة في القرآن أكثر من استعظامهم النعمة في الماء. فلو شاء الله تعالى أن يجعل الماء أجاجًا لا يُنتفع به لُشُرْبٍ ولا لِسُقْيٍ لفعل. ولو شاء الله أن يجعل الماء ينجَرّ على وجه الأرض ولا يُسْكنه فيها لفعل. ولو شاء أن يجعل الماء إذا نزل في الأرض يغور إلى مَدَى لا تصلون إليه ولا تنتفعون به لفعل.
ولكن بلطفه ورحمته يُنزل عليكم الماء من السحاب عذبًا فراتًا زلالاً، فيحبسه لكم في الأرض إلى وقت الحاجة. ويَسْلُكُه ينابيع في الأرض، فيفتح العيون والأنهار، ويسقي به الزروع والثمار، وتشربون منه ودوابكم وأنعامكم، وتغتسلون منه وتتطهرون وتتنظفون.
فهو سبحانه جعل الأرض بمثابة بيت يأوي إليه الإنسان، والسماء بمنزلة السقف، وجعل ما يحدثه من المطر والنبات والحيوان والملابس والمطاعم، بمنزلة ما ينقله الإنسان إلى بيته لمصالحه.
وكما أن الله تعالى أنزله على الناس بقدر، فإنه سبحانه وتعالى صرَّفه بينهم حيث يشاء بقدر، كما قال:
21-
(وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا..(50) 
ومعنى هذا أن إنزال الماء من السماء وتصريفه إنما هو بيد الله جل جلاله، فهو وحده سبحانه منزل الماء حيث شاء كيف شاء. ومصرِّف الماء حيث شاء كيف شاء، كل ذلك على حسب حكمته ومشيئته، فما زيد لبعض نقص من غيرهم فهذا معنى التصريف.  فهو ينزل مطراً كثيراً في بعض السنين على بعض البلاد، ويمنع المطر في بعض السنين عن بعض البلاد، فيكثر الخصب في بعضها، والجدب في بعضها الآخر، وله في ذلك الحجة البالغة والحكمة القاطعة. وقد بيَّن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن:
22-
"ما من عام بأكثر مطراً من عام، ولكن الله يصرِّفه بين خلقه حيث يشاء، ثم قرأ: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا[الآية].
وترجم له شيخنا الألباني ـ رحمه الله ـ في "السلسلة الصحيحة" رقم (2461) بقوله:
23-
"كميَّة المطر في كلِّ عام واحدة، لكن تصريفه يختلف"
وقال البغوي في "معالم التنزيل" (6/184- منار) ) عقب حديث ابن عباس :
24-
"وهذا كما روي مرفوعاً: ما من ساعة من ليل و لا نهار، إلا والسماء تمطر فيها، يصرفه الله حيث يشاء. و ذكر ابن إسحاق و ابن جريج و مقاتل؛ وبلَّغوا به ابن مسعود يرفعه قال:
25- "ليس من سنة بأمطر من أخرى، ولكن الله قسم هذه الأرزاق، فجعلها في السماء الدنيا؛ في هذا القطر، ينزل منه كل سنة بكيل معلوم، ووزن معلوم، وإذا عمل قوم بالمعاصي حوَّل الله ذلك إلى غيرهم، فإذا عصوا جميعاً صرف الله ذلك إلى الفيافي والبحار".
وقوله تعالى في الآية: (لِيَذَّكَّرُوا) أي: لأجل أن يتذكّر الناس ويعتبروا ويتعظوا ويخلصوا العبادة لله وحده. فيتذكّر الذين أخصبت أرضهم لكثرة المطر نعمة اللَّه عليهم؛ فيشكروا له، ويتذكّر الذين أجدبت أرضهم ما نزل بهم من البلاء؛ فيبادروا بالتوبة إلى اللَّه جلَّ وعلا ليرحمهم ويسقيهم.
وعن أبي هريرة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:
26-
"بينا رجل بفلاة من الأرض فسمع صوتا في سحابة اسق حديقة فلان فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة فإذا شرجة  من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله فتتبع الماء فإذا رجل قائم في حديقته يحوِّل الماء بمسحاته، فقال له: يا عبد الله ! ما اسمك ؟ فقال له: يا عبد الله لم تسألني عن اسمي؟ فقال: إني سمعت صوتاً في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان لاسمك فما تصنع فيها؟ قال: أما إذ قلت هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثاً، وأرد فيها ثلثه".
وفي رواية:
27-
"فإني أجعلها على ثلاثة أثلاث، أجعل ثلثاً لي ولأهلي، و أرد ثلثاً فيها، وأجعل ثلثاً للمساكين والسائلين و ابن السبيل"
وختم الله الآية من سورة "الفرقان" بقوله:
28-
(..فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (50) 
فبيَّن الله تعالى في الآية الكريمة أن أكثر الناس ينكرون نعمة الله في إنزاله، لفساد أخلاقهم وطبائعهم، وأنهم بالغوا في عدم الرضا حتى بلغوا مرتبة الإباء في الإنكار. كما قال:
29-
(يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (83) 
ويزعمون أن المطر لم ينزله منزل، وإنما نزل بطبيعته، قال الشنقيطي ـ رحمه الله ـ:
30-
"فالمنزل له عندهم: هو الطبيعة، وأن طبيعة الماء التبخُّر إذا تكاثرت عليه درجات الحرارة من الشمس أو الاحتكاك بالريح، وأن ذلك البخار يرتفع بطبيعته، ثم يجتمع، ثم يتقاطر. وأن تقاطره ذلك أمر طبيعي لا فاعل له، وأنه هو المطر. فينكرون نعمة الله في إنزاله المطر وينكرون دلالة إنزاله على قدرة منزله، ووجوب الإيمان به واستحقاقه للعبادة وحده، فمثل هؤلاء داخلون في قوله: (فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً).
وقد فسَّر عكرمة الآية بقوله:
31-
"يعني: الذين يقولون: مُطرنا بنَوء كذا وكذا".
وهذا من أمر الجاهلية، فهم لم يشكروا الله عز وجل، بل كفروا به لمّا اعتقدوا أن نزول المطر إنما كان بواسطة النَّوء، قال النحاس:
32-
"ولا نعلم بين أهل التفسير اختلافاً أن الكفر ها هنا قولهم مطرنا بنَوء كذا وكذا؛ وأن نظيره فعل النجم كذا، وأن كل من نسب إليه فعلاً فهو كافر".
وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال:
33-
"مطر الناس على عهد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
34- "أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر، قالوا: هذه رحمة الله وضعها الله حيث شاء، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا".
قال:
35- "فنزلت هذه الآية:
(فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) حتى بلغ: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)  و
فقوله:
(رِزْقَكُمْ)، أي: المطر؛ كما قال تعالى:
36-
(..وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا..(13) 
وقوله: (أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)، أي: بقولكم: مطرنا بنوء كذا. فيجعلون عطاء الله لهم تكذيباً له! فنسبوا نعمة الله إلى السبب (النوء) وتناسوا المسبب الفاعل وهو الله عز وجل، فأي نوع من الجحود هذا! وإذا كان أكثر الناس قد تعاملوا مع نعمة القرآن عند الابتلاء بترك الانتفاع به فكذَّبوا وأشركوا، كما قال تعالى:
37-
(وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (89) 
فإن أكثرهم أيضاً عند الابتلاء بنعمة الماء أشركوا وضلوا فنسبوا المطر إلى النوء لا إلى الخالق عز وجل. وقوله تعالى في الآية الكريمة : (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ) قال الشيخ العلاَّمة السعدي ـ رحمه الله ـ:
38-
"أي: نوعنا فيه المواعظ والأمثال، وثنينا فيه المعاني التي يضطر إليها العباد، لأجل أن يتذكروا ويتقوا، فلم يتذكر إلا القليل منهم، الذين سبقت لهم من الله سابقة السعادة، وأعانهم الله بتوفيقه، وأما أكثر الناس فأبوا إلا كفورًا لهذه النعمة التي هي أكبر من جميع النعم".
وقال القرطبي ـ رحمه الله ـ:
39-
"يريد أهل مكة بيَّن لهم الحق وفتح لهم وأمهلهم حتى تبيَّن لهم أنه الحق، فأبوا إلا الكفر وقت تبيُّن الحق".


قال المهدوي:
40-
"ولا حجة للقدري في قولهم: لا يقال أبى إلا لمن أبى فعل ما هو قادر عليه لأن الكافر وإن كان غير قادر على الإيمان بحكم الله عليه بالإعراض عنه، وطبعه على قلبه، فقد كان قادراً وقت الفسحة والمهلة على طلب الحق وتمييزه من الباطل".
وقال الشيخ السعدي:
41-
"ولهذا قال تعالى: (قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) لنعمة الله وما أشد معاندته للحق بعدما تبيَّن، وهو ما هو؟ هو من أضعف الأشياء، خلقه الله من ماء مهين، ثم قدَّر خلقه، وسوّاه بشراً سوياً، وأتقن قواه الظاهرة والباطنة".

والمقال بصيغة  بي دي أف