النفاق جريمة وفضيحة
الأربعاء | 06/11/2013 - 02:00 مساءً

النفاق جريمة وفضيحة


إعداد: هشام بن فهمي العارف


تاريخ 2/1/1435 وفق 6/11/2013


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد؛
ردَّ المبتدعة بيان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إن لله تعالى ساقاً تليق بكماله سبحانه وتعالى، فتأول الجهمية ومنهم الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة الساق في قوله تعالى في سورة القلم:
1-
(يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ(42)
بالشدة والأمر العظيم، ولحق بهم بعض أهل اللغة، وهذا التأويل الذي اعتمدوه في كتبهم وتناقلوه في اعتقادهم فاسد مخالف لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما في رواية أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ:
2-
"يكشف ربنا عن ساقه".
فالساق ساق الله عز وجل وهي صفة من صفات ذات الله سبحانه الخبرية، ثابتة لله تعالى في الكتاب والسنة الصحيحة ـ كما ترى ـ، لا يُظن أن الله ذو أعضاء وجوارح لأنه:
3-
(..لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ..(11)
وقد روَّج المنافقون لهذه البدعة في أوساط المسلمين ليردّوا صفة ثبتت لله تعالى في الكتاب والسُّنَّة، وهم يصلّون معهم ويستقبلون قبلتهم!! والحديث في تفسير الآية صحيح ففي رواية له ـ رضي الله عنه ـ وهي صحيحة يرفعها:
4-
"فلا يكلمه إلا الأنبياء، فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه"؟

فيقولون:
5-
"الساق، فيكشف عن ساقه".
وفي رواية عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول:
6-
"إذا جمع الله العباد بصعيد واحد، نادى مناد: يلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، ويبقى الناس على حالهم، فيأتيهم فيقول: ما بال الناس ذهبوا وأنتم ههنا؟ فيقولون: ننتظر إلهنا، فيقول: هل تعرفونه؟ فيقولون: إذا تعرف إلينا عرفناه، فيكشف لهم عن ساقه، فيقعون سجوداً، وذلك قول الله تعالى:(يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ) وذكر الحديث.
وفي رواية عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ:
7-
"فيأتيهم فيقول: ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس؟ قال: فيقولون إن لنا إلها ما رأيناه بعد،  فيقول: هل تعرفونه إن رأيتموه؟ فيقولون: إن بيننا وبينه علامة، إذا رأيناها عرفناه،  قال: فيقول: ما هي؟ فيقولون: يكشف عن ساقه. قال: فعند ذلك يكشف الله عن ساقه".
في هذه الآية توبيخ للمكذبين على رأسهم المنافقين بترك السجود لله تعالى بإخلاص وعبودية، وتهديدهم بشدة، لقد امتنع كل الكفّار في الدنيا عن السجود لله وسجد المنافقون رياءً، فكان سجودهم عارياً عن الإخلاص قال ابن عطية:
8-
"وخص السجود بالذكر من حيث هو أعظم الطاعات".
وفي هذا اليوم العصيب الشديد في القيامة بعد البعث:
9-
"يجمع الله العباد بصعيد واحد". 
وفي رواية:
10-
"يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قياماً أربعين سنة، شاخصة أبصارهم إلى السماء، ينتظرون فصل القضاء". 
وفي هذا الموقف تظهر آية الله تعالى في المنافق، فالمنافق وإن حصل منه السجود في الدنيا؛ فسجوده ـ كما ذكرنا ـ خالٍ من الإخلاص والعبودية لله رب العالمين، لأنه بطبعه متردد متشكك متذبذب، لذا فهو يحاول في الدنيا أن يجمع بين أمرين، ويلعب على حبلين: الكفر في الباطن، والرياء في الظاهر، لكنه هنا في هذا الموقف العصيب سرعان ما تظهر حقيقته ويفتضح أمره عندما يجمع الله تعالى العباد بصعيد واحد ثم يكشف سبحانه عن ساقه الكريمة فيخرّ المؤمنون له سجوداً، أما المنافق فكما قال تعالى: (وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ) وقد فسَّر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذه الآية بقوله:
11-
"فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رئاء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً".
وفي رواية:
12-
"ويبقى كل منافق، فلا يستطيع أن يسجد".
أراد المنافق في هذا اليوم العصيب أن يصنع الذي كان يصنعه في الدنيا، فلم يستطع، أراد أن يجرِّب تلك المسرحية التي كان يمثل بها امام المسلمين المؤمنين لكنه لم ينجح، ظنَّ الخاسر أن سجوده في الدنيا  وقد خلى من الإخلاص لله أن يعيده هنا في الآخرة فإذا بظهره يعود طبقاً واحداً.
فضيحة للمنافق في أول وهلة في الآخرة بعد البعث، المؤمنون يسجدون وهو يريد أن يفعل فعلهم لكنه لم يستطع!! لماذا ؟ لأنه كان يسجد رياء وسمعة بعيداً عن العبودية الخالصة لله. كان باختصار يكذب على الله ويكذب على الناس في عبوديته لرب العالمين؛ يظهر الإسلام ويبطن الكفر. لقد تعدّى المنافق بذنب عظيم، تعدى في الدنيا بالنفاق، والنفاق جريمة والله تعالى قال في سورة القلم:
13-
(أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35)
لقد مارس المنافق في الدنيا أبشع صور التضليل، نفعه نفاقه لمّا كان يسجد رياء وسمعه فحظي برعاية، لكنه في الآخرة لما افتضح أمره فماذا هو فاعل أمام الله وأمام من كان يمارس كذبه عليهم من المسلمين؟  وجاء في رواية:
14- "
ويبقى قوم ظهورهم كصياصي البقر يريدون السجود فلا يستطيعون وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون".
ومعنى الطبق: فقار الظهر، واحدتها طبقة. ومعنى صياصي البقر: أي قرونها. قال في "النهاية":
15-
"يريد أنه صَار فَقارُهم كُلُّه كالفَقَارة الواحدَة فلا يقْدِرُون على السُّجود".
لقد مارس المجرم جريمة النفاق حتى صارت جزءاً لا يتجزأ من أوصافه وأخلاقه كشف الله تعالى عن بعضها في سورة القلم وحذَّر منها فقال:
16-
(فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9)
17- (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10)
وقال:
18-
(هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11)
19- (مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12)
20- (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13)
وقوله تعالى في السورة:
21-
(خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (43)
فيها توبيخ آخر للمنافقين لأنهم كانوا يسجدون في الدنيا رياء وسمعة. قال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:
22-
"أي: إذا كان يوم القيامة، وانكشف فيه من القلاقل والزلازل والأهوال ما لا يدخل تحت الوهم، وأتى الباري لفصل القضاء بين عباده ومجازاتهم فكشف عن ساقه الكريمة التي لا يشبهها شيء، ورأى الخلائق من جلال الله وعظمته ما لا يمكن التعبير عنه، فحينئذ يدعون إلى السجود لله، فيسجد المؤمنون الذين كانوا يسجدون لله طوعًا واختيارًا، ويذهب الفجار المنافقون ليسجدوا فلا يقدرون على السجود، وتكون ظهورهم كصياصي البقر، لا يستطيعون الانحناء، وهذا الجزاء من جنس عملهم، فإنهم كانوا يدعون في الدنيا إلى السجود لله وتوحيده وعبادته وهم سالمون، لا علة فيهم، فيستكبرون عن ذلك ويأبون، فلا تسأل يومئذ عن حالهم وسوء مآلهم، فإن الله قد سخط عليهم، وحقَّت عليهم كلمة العذاب، وتقطعت أسبابهم، ولم تنفعهم الندامة ولا الاعتذار يوم القيامة".