أول وصف للمنافقين تناوله القرآن العظيم
الثلاثاء | 12/11/2013 - 08:17 صباحاً

أول وصف للمنافقين تناوله القرآن العظيم
إعداد: هشام بن فهمي العارف 
تاريخ 7/1/1435 وفق 11/11/2013


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد؛
فإني قلت فيما تقدَّم:
1- "
لقد مارس المنافق في الدنيا أبشع صور التضليل".
ومن هذه الصور "الادّعاء الكاذب" وقد أشار الله تعالى إليه ابتداء فقال:
2-
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ..(10) 
ادّعى المنافق أنه مؤمن فأدخل نفسه في جملة المسلمين، ففي الآية تنبيه للمؤمنين  أن من الناس  فريق يقول: (آَمَنَّا بِاللَّهِ). قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -:
3-
"ودلَّ ذلك على أن الناس في قولهم: آمنا، صادق وكاذب، والكاذب فيه نفاق بحسب كذبه"
فالمسألة إذن في خطورتها  كما هي في دقَّتها، لأن المنافق يدَّعي الإيمان. فالمراد بقوله تعالى في الآية:
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ):
4-
" المنافقون".
قاله: ابن عباس، وعبد الله بن مسعود، ومجاهد، وقتادة، وغيرهم.
والمنافقون يقولون بألسنتهم
(آَمَنَّا بِاللَّهِ) وهم في باطنهم كاذبون لم يؤمنوا. استعملوا ألسنتهم للكذب، وعبر القرآن بلفظ (يَقُولُ) ليفيد أنه مجرد قول باللسان، لا أثر له في القلوب، وإنما هم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم.
وأشار بعد الإيماء إلى كثرة هذا الصنف بالإسناد على ضمير الجمع في قوله تعالى:
(آَمَنَّا).
لقد أظهروا بقولهم الخير وأسرّوا الشر، وهذا كما قال ابن جريج:
5-
"المنافق يخالف قَوْلُه فِعْلَهُ، وسِرّه علانيته، ومدخله مخرجه، ومشهده مَغِيبه".
وهذا أول وصف للمنافقين تناوله القرآن الكريم، - من حيث ترتيب سور النزول سورة "العنكبوت"، ومن حيث الترتيتب الموضوعي لسور القرآن سورة "البقرة" - يعلنون الإيمان وفي قلوبهم الكفر، ولذلك فإن إيمانهم كله تظاهر، إذا ذهبوا للصلاة تظاهروا بها، وإذا زكّوا تظاهروا، وإذا صاموا تظاهروا، وإن فعلوا خيراً تظاهروا، وإن حجّوا تظاهروا، وإن قالوا بالدين تظاهروا، وإن قالوا بالسلفية تظاهروا، فكل أقوالهم شعارات، وكل أفعالهم تظاهرات.
والمنافقون يتظاهرون ولا يرجون، أما المؤمنون فحين يصلّون أو يزكّون أو يفعلون الخير أو يقولون: نحن سلفيون فهم يسألون الله تعالى القبول ويرجون الجنة.
وبيَّن الله تعالى في سورة البقرة مما في ادعائهم الكاذب من زيادة فقالوا:
6-
(..آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ..(8)
خدعة جديدة للتمويه! فأحاطوا ادعاءهم الكاذب بالإيمان من طرفيه: الإيمان بالله واليوم الآخر ليزيدوا في الدَّجل ونثر الرماد في العيون، ففي قولهم: (آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ) تلبيس على أنهم مؤمنون ببقية أركان الإيمان.
أخرج عبد بن حميد عن قتادة في تفسيره الآية قال:
7-
"هذا نعت المنافق؛ نعت عبداً خائن السريرة، كثير الإخلاف، يعرف بلسانه وينكر بقلبه، ويصدِّق بلسانه ويخالف بعمله، ويصبح على حال ويمسي على غيره، ويتكفأ تكفؤ السفينة كلما هبت ريح هب فيها".
وأخرج ابن المنذر عن محمد بن سيرين قال:
8-
"لم يكن عندهم أخوف من هذه الآية".
وقد كذَّبهم الله - تعالى - في دعواهم الإِيمان في نص الآية ذاتها، فقال:
9-
(..وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ..(8)
لمّا أنزل الله تعالى سورة البقرة فصَّل في مطلعها أصناف الناس: المؤمنون، والكافرون، والمنافقون. فجعل فيها أربع آيات في المؤمنين، وآيتين في الكافرين، وبضع عشرة آية في المنافقين. وبيِّن أن المنافقين ليس عندهم إخلاص المتقين، ولا لديهم صراحة الكافرين، بل مذبذبين مترددين متحيِّرين. قال صاحب الكشاف :
10-
"افتتح - سبحانه - كتابه بذكر الذين أخلصوا دينهم الله ، وواطأت قلوبهم ألسنتهم ، ووافق سرهم علنهم ، وفعلهم قولهم ، ثم ثنى بالذين محضوا الكفر ظاهراً وباطناً ، قلوباً وألسنة ، ثم ثلث بالذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ، وأبطنوا خلاف ما أظهروا" .
وفي هذه الجملة الكريمة
(وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) ردٌّ لما ادَّعوه من الإِيمان، ونفي له على أبلغ وجه، إذ جاء النفي مؤكداً بالباء.
ثم إن الجملة نفت عنهم الإِيمان على سبيل الإِطلاق، فهم ليسوا بمؤمنين لا بالله ولا باليوم الآخر، ولا بأي ركن من أركان الإيمان. فإيمانهم إيمان مزيف ليس على الحقيقة كما قال الشيخ السعدي – رحمه الله -:
11-
"فإنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، فأكذبهم الله بقوله: (وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) لأن الإيمان الحقيقي، ما تواطأ عليه القلب واللسان".