نتائج الابتلاء إذا لحق بالمنافق إيذاء
الخميس | 14/11/2013 - 12:58 مساءً

نتاج الابتلاء إذا لحق بالمنافق إيذاء


إعداد: هشام بن فهمي العارف
تاريخ 7/1/1435 وفق 11/11/2013


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد؛
لمّا كان المنافق يمارس نفاقه بالادعاء الكاذب فإن علامات نفاقه تبدأ بالظهور عند ابتلائه لأول وهلة، فبمجرد شعوره بقرب ابتلائه فإنك تلاحظ استعداده للتنصل، إنه جبان لأنه متردد متشكك، فعندما يصيبه الهلع فلا يدري ماذا يفعل، لكنه لحماقته يبدأ بالتعبير عن شعوره بعبارات تشعرك بجزعه من المواجهة مع أنها لم تحصل بعد!
وتركيبة شخصية المنافق خليط من الآفات والأمراض، وكلّما عمَّرَت معه غيَّبت فيه سرعة البديهة، مع أنه يحاول دائماً استعمال ذكائه ليداري حاله. لكنَّ موقفاً واحداً تحت نظر رجل من أهل البصيرة عند ابتلائه كفيل لتحطيم خفاياه وخباياه.
فأهل البصيرة كلما كانوا على علم بالمنافق أياً كان، كانوا على مقدرة لاتخاذ حذرهم منه، وجعله تحت الرقابة، يحذرونه ويحذِّرون فساده، فهو شعلة نار، يُخشى أن تقع على شيء فتحول الأخضر واليابس إلى رماد.
ورمادية المنافق التي تختفي بين لونين الأبيض والأسود تنعشه، ولكن سرعان ما تتحول إلى اللون الأصفر بعد انكشاف أمره، أصفر يعكس مرارة ما في داخله من الخبث، لذلك فإنه يخشى المواجهة، فعلامات خبثه بعد انكشاف امره تظهر في صفحة وجهه وتصرفات حركاته وفلتات لسانه.
والمنافق للظلامية التي هو فيها يعذِّب نفسه، بينما الكافر أراح نفسه بصراحته، الكافر جسور، والمنافق جبان ينسلُّ ويهرب عند ابتلائه لأول وهلة، لذلك لا بد أن يُتخذ الحذر منه بما يناسب الذي في باطنه من الظلامية والخباثة والخيانة.
فيوضع المنافق تحت المجهر لملاحقته بالرقابة والملاحظة، وكلَّما كان المؤمن على علم بعلاماته كلما كان أسرع نباهة بمعرفته وتنبيهاً للآخرين. وقد أشار الله تعالى إلى أول علامة في المنافق عند ابتلائه فقال في سورة "العنكبوت":
1-
(.. فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ..(10)
فدعوى المنافق بالإيمان ذهبت – كما ترى - في مهب الريح عند أول فتنة اعترضته، (فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ) أي: جاءته فتنة ومحنة في الدنيا، (جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ) قال ابن عباس:
2-
"يعني فتنته أن يرتد عن دينه إذا أوذي في الله".
وعن مجاهد قال:
3-
"أناس يؤمنون بألسنتهم فاذا أصابهم بلاء من الناس أو مصيبة في أنفسهم أو أموالهم فتنوا فجعلوا ذلك في الدنيا كعذاب الله في الآخرة". 
وكذا قال غيره من علماء السلف، وهذه الآية نظيرها قوله تعالى في سورة الحج:
4-
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11)
بيان لحال هذا البعض من الناس عندما تنزل الابتلاءات ينقلبون. فهذا البعض يقف على مسافة من الوسط بعيداً (عَلَى حَرْفٍ) أي: على طرف من الدين، لأنه يخشى العاقبة، فهو قلق مضطرب، ليس مطمئناً ولا ساكناً، فإن أحس بظفر وغنيمة حضر وقرَّ واطمأن، وإلاَّ فرَّ وطار.
أو بمعنى آخر إن أصابه بلاء
(انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ)  وهكذا حصل لهؤلاء المنافقين الذين دخلوا  في الدعوة السلفية في فلسطين والقدس ظاهراً وهم في حقيقتهم من داخلهم كارهون لها في نفس الأمر.
لا بدَّ من ابتلاء كل من ادَّعى الإيمان صدقاً أو كذباَ


في مطلع سورة "العنكبوت" ذكر الله تعالى أنه لا بد أن يمتحن من ادَّعى الإيمان، ليظهر الصادق من الكاذب، فقال:
5-
(الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)
وبالتالي فإن الله تعالى بيَّن في السورة أن من الناس لا صبر لهم على الابتلاء، ولا ثبات لهم على المحن، وأنه بمجرد حصول محنة جزع واعتقد أن هذا من نقمة الله تعالى به، فيرتدَّ عن الإسلام!! وعن منهاج النبوَّة والسلف!!
(فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ) أي: إذا أصابه بلاء من الله، أو مسّه أذىً من الكفار؛ أو المبتدعة، أو المنافقين، باعتداء عليه بالضرب أو التعيير، أو أخذ ماله، أو أحداً هدَّدَه، أو شعر أن أحداً ما يترصَّده لأجل دينه وتدينه، أو من أجل تركه الدين الباطل، ودخوله في الدين الحق، ركض باتجاه نجاته، ورجع إلى الباطل، وجعل هذا الابتلاء مبرراً له للرجوع عن الإيمان والثبات على الحق.
فقوله تعالى:
(جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ) أي: أن المنافق جعل الأذى الذي أحدثه الناس له بسبب إيمانه صارفاً له عن الدين إلى الردَّة - والعياذ بالله - كما أن عذاب الله صارف رادع للمؤمن عن الكفر والمعاصي.
والمنافق يجعل أذى الناس
(كَعَذَابِ اللَّهِ) أي: مساوياً لعذاب الله كما هو مقتضى التشبيه، إنه رفع مستوى أذى الناس له إلى مستوى عذاب الله! فيترتب على ذلك أن يتزلزل إيمانه، ويضعف يقينه، بل ربما رجع إلى الكفر بعد الإِيمان.
أما المؤمن الذي يؤمن بالله تعالى واليوم الآخر ويؤمن بالجنة ويؤمن بعذاب النار لا يجعل عذاب النار مساوياً لأذى الناس بتاتاً، أما المنافق فإنه لمّا جعل فتنة الناس كعذاب الله دلَّ على ضعف إيمانه وفساد تفكيره.
لذلك تجد المنافق يجعل الأذى عند وقوعه بسبب ادعائه الإيمان؛ عذاباً ليس بعده أكبر منه؛ إعمالاً للعاجل في دنياه، وأهمل عذاب الله في الآخرة ولم يكترث به لأنه لا يؤمن به أصلاُ.
فر المنافق من عذاب الناس فكفر، ولم يؤمن ليفر إلى الله من عذاب الله. وكان الأحق به أن يفعل فعل المؤمن الذي يؤمن بأن عذاب الله أعظم بكثير من أذى الناس. لأن عذاب  الناس يزول وينقطع ، أما عذاب الله فلا يزول ولا ينقطع.
فإن قيل: هذا يقتضي منع المؤمن من إظهار كلمة الكفر بالإكراه لأن من أظهر كلمة الكفر بالإكراه - احْتِرازاً عن العذاب العاجل - يكون قد جعل فتنة الناس كعذاب الله.
فالجواب: ليس كذلك لأن من أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان لم يجعل فتنة الناس كعذاب الله، لأن عذاب الله يوجب ترك ما يعذِّب عليه ظاهراً وباطناً، أما المؤمن فإنه أظهر كلمة الكفر وبقي باطنه مطمئناً بالإيمان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -:
6-
"وَمَنْ احْتَمَلَ الْهَوَانَ وَالْأَذَى فِي طَاعَةِ اللَّهِ عَلَى الْكَرَامَةِ وَالْعِزِّ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ كَمَا فَعَلَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ كَانَتْ الْعَاقِبَةُ لَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة،ِ وَكَانَ مَا حَصَلَ لَهُ مِنْ الْأَذَى قَدْ انْقَلَبَ نَعِيمًا وَسُرُورًاً، كَمَا أَنَّ مَا يَحْصُلُ لِأَرْبَابِ الذُّنُوبِ مِنْ التَّنَعُّمِ بِالذُّنُوبِ يَنْقَلِبُ حُزْنًا وَثُبُورًاً.
فَيُوسُفُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَافَ اللَّهَ مِنْ الذُّنُوبِ، وَلَمْ يَخَفْ مِنْ أَذَى الْخَلْقِ وَحَبْسِهِمْ إذْ أَطَاعَ اللَّهَ، بَلْ آثَرَ الْحَبْسَ وَالْأَذَى مَعَ الطَّاعَةِ؛ عَلَى الْكَرَامَةِ وَالْعِزِّ وَقَضَاءِ الشَّهَوَاتِ وَنَيْلِ الرِّيَاسَةِ وَالْمَالِ مَعَ الْمَعْصِيَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ وَافَقَ امْرَأَةَ الْعَزِيزِ نَالَ الشَّهْوَةَ وَأَكْرَمَتْهُ الْمَرْأَةُ بِالْمَالِ وَالرِّيَاسَةِ وَزَوْجُهَا فِي طَاعَتِهَا، فَاخْتَارَ يُوسُفُ الذُّلَّ وَالْحَبْسَ وَتَرْكَ الشَّهْوَةِ وَالْخُرُوجَ عَنْ الْمَالِ وَالرِّيَاسَةِ مَعَ الطَّاعَةِ؛ عَلَى الْعِزِّ وَالرِّيَاسَةِ وَالْمَالِ وَقَضَاءِ الشَّهْوَةِ مَعَ الْمَعْصِيَةِ.
بَلْ قَدَّمَ الْخَوْفَ مِنْ الْخَالِقِ عَلَى الْخَوْفِ مِنْ الْمَخْلُوقِ وَإِنْ آذَاهُ بِالْحَبْسِ وَالْكَذِبِ فَإِنَّهَا كَذَبَتْ عَلَيْهِ؛ فَزَعَمَتْ أَنَّهُ رَاوَدَهَا ثُمَّ حَبَسَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ". 

ثم أتبع سبحانه في سورة "العنكبوت" بما به يتأسى الموفق من صبر الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وطول مكايدتهم من قومهم، فذكر نوحاً وإبراهيم ولوطاً وشعيباً -عليهم الصلاة والسلام -.
وفي الأذى في الله تكلَّم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن نفسه فقال:
7-
"ما أوذي أحد ما أوذيت في الله عز وجل". 
وتكلَّم عن موسى - عليه السلام - فقال:
8-
"رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر".