المنافقون انتهازيون
الأحد | 17/11/2013 - 08:42 صباحاً

المنافقون انتهازيون


إعداد: هشام بن فهمي العارف


تاريخ 12/1/1435 وفق 16/11/2013


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد؛
بعد أن ادّعى المنافق أنه مؤمن، بيَّن الله تعالى لنا نتاج ابتلائه: فلم يصبر ولم يحتمل الهوان والأذى في طاعة الله، وفي هذه الحلقة يكشف الله لنا موقفاً آخر من المواقف المشينة للمنافقين وهي في قوله:
1-
(..وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ..(10) 
أراد هذا البعض من الناس أن يقفوا كما ذكرت - سابقاً - على مسافة من الوسط ويرقبوا نتائج الصراع بين الحق والباطل.
وأهل النفاق انتهازيون وأهل أهواء، لذا قال تعالى:
(وَلَئِنْ) يعني إن (جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ) وفيه إشارة إلى حصول خير ما للمؤمنين، وقد عرفوا أنه من رعاية الله وشفقته ورحمته بهم، (لَيَقُولُنَّ) أولئك المنافقون بكل ثقة وتأكيد: (إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ)، إخوانكم في الله، متابعين لكم في دينكم، ثابتين عليه بثباتكم، وإنما أكرهنا حتى قلنا ما قلنا (فلا تؤاخذونا)، فعدّوا أنفسهم من جملة المؤمنين لأخذ نصيبهم من الغنائم! ونظيره قوله تعالى في سورة "النساء".
2-
(وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (73)
فالمنافق إذا سمع  أن المسلمين أصابهم فضل من الله تعالى، أي: نصر وظفر وغنيمة، - كأنه ليس من أهل دينكم في المودة - فيتمنى أن يكون  معكم ليفوز ولو بسهم من الغنيمة.
لأنه في الحقيقة لم يتهيأ لفوز المؤمنين، ويستبعد حصول الخير لهم لشدَّة حقده عليهم، بل إنه يتوقع ويتمنى للمؤمنين دائماً الهزيمة والخسارة والسوء كما قال تعالى:
3-
(إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ..(120)  
وقوله تعالى:
4-
(إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ..(50) 
وذلك لشدَّة عدائه الباطن للحق وأهله، ونظيره قوله تعالى في سورة "النساء":
5-
(وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (72)
وهذا البعض ممن يدَّعي الإيمان كانوا يقعُدون عن الدعوة إلى الله، والجهاد في سبيله، بل ويقعِدون غيرهم.
فإن أصاب المؤمنين مصيبة من قتل الأعداء لهم، أو جراح أصابتهم، استبشروا بالنجاة، وفرحوا لتخلُّفهم، وعدّوا عدم الحضور معهم نعمة! قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
6-
"أحبوا أن يكون لهم منها حظ فهم لا يفرحون إلا بدنيا تحصل لهم، أو شر  دنيوي ينصرف عنهم إذ كانوا لا يحبون الله ورسوله والدار الآخرة، ولو كانوا كذلك لأحبوا إخوانهم وأحبوا ما وصل إليهم من فضله وتألموا بما يصيبهم من المصيبة، ومن لم يسره ما يسر المؤمنين ويسوؤه ما يسوء المؤمنين فليس منهم". 
ونظيره قوله تعالى:
7-
(..وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا..(120) 
وقوله تعالى:
8-
(..وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (50) 
وقوله تعالى:
9-
(الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ..(141)  سورة "النساء".
فالمنافقون دائماً حذرون، ويرقبون الحوادث عن كثب، ويلاحظون ما يجري بدقَّة، صفة بارزة فيهم، لا يستطيعون إخفاءها، إنهم يترقبون ما يحدث للمؤمنين من خير أو شر، هذا هو الهم الأكبر لديهم، المنافق لعدائه الشديد لأهل الإيمان يترقب الحدث وهو يتمنى حدوث الشر للمؤمنين، بل ويتمنى زوال الحق وأهله عن وجه الأرض! قال ابن كثير – رحمه الله -:
10-
"يخبر تعالى عن المنافقين أنهم يتربصون بالمؤمنين دوائر السوء، بمعنى ينتظرون زوال دولتهم، وظهور الكفر عليهم، وذهاب ملتهم".
قال تعالى: (فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ) أي: نصر وتأييد وظَفَر وغنيمة سارعوا إلى الظهور في المقدِّمة ويتودّدون للمؤمنين للحصول على مغنم. ويكون المنافق في تربُّصه للأحداث أراد أمرين:
الأول: مراقبة الحدث وكلُّه أمنيات في وقوع المصائب على المؤمنين.
والثاني: ليستفيد من طرفي الصراع فإن فاز المؤمنون سعى لأخذ نصيبه! وإن هزموا أدلى بشهادته للطرف الثاني وأثنى عليه!
قال تعالى:
11-
(فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52)

المقال بصيفة بي دي أف