عند الامتحان: المؤمن يُكْرَم والمنافق يُهان
الجمعة | 22/11/2013 - 12:49 مساءً

عند الامتحان:
المؤمن يُكْرَم والمنافق يُهان 


إعداد: هشام بن فهمي العارف

 
تاريخ 18/1/1435 وفق 22/11/2013


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد؛
أراد المنافقون الانتهازيون بقولهم
(إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ) استغفال المؤمنين، فردَّ الله تعالى عليهم دعواهم الإيمان في الآية ذاتها فقال في "سورة العنكبوت":
1-
(..أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (10)
والاستفهام لإِنكار ما زعموه، ولبيان علم الله تعالى وقدرته في كشف الحقائق، فالله تعالى عالم بما في صدور العالمين من خير وشر، وإيمان ونفاق وكفر. فهو مطلع على سرائر البشرية جميعاً ولا يخفى عليه شيء من أمورهم.
فمهما أظهر المنافقون للمؤمنين من الموافقة فإن الله تعالى أعلم بما في صدورهم، بل هو أعلم بما في صدور العالمين جميعاً.
وفي الآية فضيحة للمنافق لأنه غيَّب علم الله تعالى بما ظن أنه يستطيع بنفاقه أن يخفيه، وغيَّب قدرة الله تعالى على كشفه، وغيَّب رقابة الله تعالى حين أجرى في صدره الكذب والخيانة ومن ثم ثبَّت في قلبه الخبث ليمارسه بكل حقارة.
والمؤمن في هذا الاختبار وفي هذه التجربة قد عرف كمال علم ربِّه سبحانه، وسعة حكمته. لذلك فإنه كلّما ازداد علماً بكتاب الله تعالى وسنَّة نبيه – صلى الله عليه وسلم – كلما كان على بصيرة بالنفاق والمنافق، لأن العلم بهما أراده الله تعالى لعبده المؤمن ليكون على حذر منهما، فلا يجوز إهمال هذا العلم بتاتاَ.
وسوف يطلعنا الله تعالى على مزيد من معالم النفاق وعلامات المنافق ليبيِّن لنا كمال علمه بطوائف الناس، وقدرته على معرفة ما يجري في صدورهم من تفاعلات الابتلاء قبل أن يستقر في قلوبهم من خير أو شر.
وفي القرآن من ذكر المنافقين في عامة السور المدنية: كالبقرة والنساء والتوبة وغيرها ما لا يمكن استقصاؤه. فمن كمال علمه وحكمته سبحانه أنه جعل طوائف الناس ثلاثاً لا رابع لها: المؤمن، والمنافق، والكافر، ثم أخبرنا أنه سبحانه يجري اختباره وفتنته وابتلاءه ليميز الخبيث من الطيب، لذلك قال في الآية التالية:
2-
(وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (11)
فأكَّد سبحانه علمه: بلام القسم  وبنون التوكيد (وَلَيَعْلَمَنَّ)  وأنه سبحانه قادر على التمييز، فلا يجوز للمنافق أن يستمر بغبائه وحقارته، كما لا يجوز للمؤمن الضعيف أن يستبعد قدرة الله تعالى على كشف حقيقة المنافق، بل عليه أن يكون على يقين أن الله تعالى على علم بنفاق المنافق، وأنه سبحانه قادر على أن يكشفه ويميِّزه ويخزيه ويخرجه من صفوف المؤمنين.
قال الشيخ السعدي – رحمه الله -:
3-
"فلذلك قَدَّرَ مِحَنًا وابتلاء، ليظهر علمه فيهم، فيجازيهم بما ظهر منهم، لا بما يعلمه بمجرده، لأنهم قد يحتجون على اللّه، أنهم لو ابتُلُوا لَثَبَتُوا".
فمن قال: آمنت بالله، فإنه يُمتحن، فإن صبر وثبت على إيمانه وتحمّل الأذى في سبيل الله عزّ وجلّ، فهذا دليلٌ على صِدْق إيمانه وانحيازه إلى جماعة المؤمنين. وإلاَّ يكون سقط في الفتنة وانحاز إلى الكاذبين، كما قال تعالى في مطلع السورة:
4-
(وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)
فالحديث عن المنافقين في اواخر العهد المكي قبل الدخول في العهد المدني يشير إلى أهمية العلم بإشكال يتعلق بكلمة (آَمَنَّا) فكلما زادت شوكة الدعوة إلى الحق كلّما ارتفعت وتيرة ظهور النفاق، لأن المنافقين يريدون نقل مصالحهم باتجاه الطرف الذي يرونه أصبح هو الأقوى، وهذا في الحقيقة هو الذي دعاني للقول:
*- "وكلما ازدادت الدعوة السلفية شوكة، ازدادت حيلة المنافقين بالانتساب إليها زوراً وبهتاناً".
فلا بدَّ من الحذر، لأن المنافق يسعى إلى دسِّ نفسه في صفوف المؤمنين لأنه يرى شوكة أهل الحق قد زادت قوة، وأن الله تعالى مكَّن لها.
ومع هذا فإن الابتلاء والدخول في الفتن لن ينتهي حتى ولو ظهر الحق وأهله، لأن سنة الله تعالى في ابتلاء الناس مستمرة طالما هناك ادِّعاء، سواء كان الادّعاء صادقاً أو كاذباً، وذلك لأجل المحافظة على نصاعة جماعة المؤمنين فتبقى على البيضاء بعيداً عن الرمادية التي يسعى دائماً إليها المنافقون. لذلك جاء في سورة "البقرة" وهي مدنية قوله تعالى:
5-
(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا..(214)
وقال في سورة "آل عمران":
6-
(.. وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ..(154)
وقال:
7-
(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142)
وقال:
8-
(مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ..(179)
وقال في سورة "محمد":
9-
(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31)
وقال في سورة "التوبة":
10-
(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (16)
قال ابن القيم – رحمه الله -:
11-
"الناسَ إذَا أُرسِلَ إليهم الرُّسُلُ بين أمرين: إما أن يقولَ أحدهُم: آمنا، وإما ألا يقولَ ذلك، بل يستمرَّ على السيَّئاتِ والكُفر، فمَن قال: آمنا، امتحنه ربُّه، وابتلاه، وفتنه، والفتنة: الابتلاء والاختبار، ليتبينَ الصادِقُ مِن الكاذِب، ومَن لم يقل: آمنا، فلا يَحْسَبْ أنه يُعْجِزُ الله ويفوتُه ويَسبِقُه، فإنه لا يَظُنَّ أحد أنه يخلص من الألم البتة، وإنما يتفاوتُ أهلُ الآلام في العُقُول، فأعقلُهم مَنْ باع ألماً مستمِراً عظيماً، بألم منقطع يسير، وأشقاهُم مَنْ باع الألَمَ المنقطِعَ اليسير، بالألم العظيم المستمر".
وقال:
12-
"وهذا يحصُل لكل أحد، فإن الإنسان مدنى بالطَّبع، لا بُد له أن يعيشَ مع الناس، والناسُ لهم إرادات وتصورات، فيطلبُون منه أن يُوافِقهم عليها، فإن لم يوافقهم، آذوْه وعذَّبوه، وإن وافقهم، حَصَلَ له الأذى والعذابُ، تارةً منهم، وتارةً مِن غيرهم، كمن عنده دِينٌ وتُقى حلَّ بين قوم فُجَّارٍ ظَلَمَةٍ، ولا يتمكنون مِن فجورهم وظُلمهم إلا بموافقته لهم، أو سكوتِه عنهم، فإن وافقهم، أو سكت عنْهم، سَلِمَ مِن شرهم في الابتداء، ثم يتسلَّطُونَ عليه بالإهانة والأذى أضعافَ ما كان يخافهُ ابتداء، لو أنكر عليهم وخالفهم، وإن سَلِمَ منهم، فلا بد أن يُهان ويُعاقَب على يد غيرهم".
وقال – رحمه الله -:
13-
"ومَنْ تأمل أحوالَ العالَم، رأى هذا كثيراً فيمن يُعينُ الرؤساءَ على أغراضهم الفاسدة، وفيمن يُعينُ أهلَ البِدَعِ على بِدعهم هَرَباً من عُقوبتهم، فمَنْ هداه الله، وألهمه رُشده، ووقاه شرَّ نفسه، امتنع مِن الموافقة على فِعل المحرَّم، وصَبَرَ على عُدوانهم، ثم تكونُ له العاقبةُ في الدنيا والآخرة، كما كانت لِلرُّسل وأتباعهِم، كالمهاجرين، والأنصار، ومَن ابتُلى مِن العلماء، والعُبَّاد، وصالحي الوُلاة، والتجار، وغيرهم".
وقال:
14-
"ولما كان الألم لا محيص منه البتة، عزى الله سبحانه من اختار الألم اليسير المنقطع على الألم العظيم المستمر بقوله:
15- (مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) 
فضرب لمدة هذا الألم أجلاً، لابد أن يأتي، وهو يوم لقائه، فليلتذ العبد أعظم اللذة بما تحمَّل من الألم من أجله، وفي مرضاته، وتكون لذته وسروره وابتهاجه بقدر ما تحمل من الألم في الله وبالله، وأكد هذا العزاء والتسلية برجاء لقائه، ليحمل العبد اشتياقه إلى لقاء ربه ووليه على تحمل مشقة الألم العاجل، بل ربما غيبه الشوق إلى لقائه عن شهود الألم والإحساس به".
وقال:
16-
"فالشوق يحمل المشتاق على الجد في السير إلى محبوبه، ويقرب عليه الطريق، ويطوي له البعيد، ويهون عليه الآلام والمشاق، وهو من أعظم نعمة أنعم الله بها على عبده، ولكن لهذه النعمة أقوال وأعمال، هما السبب الذي تنال به، والله سبحانه سميع لتلك الأقوال، عليم بتلك الأفعال، وهو عليم بمن يصلح لهذه النعمة، ويشكرها، ويعرف قدرها، ويحب المنعم عليه، فتصلح عنده هذه النعمة، ويصلح بها".
وقال:
17-
"ثم أخبر عن حال الدَّاخل في الإيمان بلا بصيرة، وأنه إذا أُوذى في الله جعل فتنةَ الناسِ له كعذاب الله، وهى أذاهم له، ونيلُهم إياه بالمكروه والألم الذى لا بد أن يناله الرسلُ وأتباعهم ممن خالفهم، جعل ذلك في فراره منهم، وتركِهِ السبب الذى ناله، كعذابِ الله الذى فرَّ منه المؤمنون بالإيمان، فالمؤمنون لِكمال بصيرتهم، فرُّوا مِن ألم عذاب الله إلى الإيمانِ، وتحمَّلُوا ما فيهِ من الألم الزائل المُفارق عن قريب، وهذا لضعف بصيرته، فرَّ من ألم عذاب أعداء الرسل إلى موافقتهم ومتابعتهم، ففرَّ مِن ألمِ عذابهم إلى ألمِ عذاب الله، فجعل ألمَ فتنة الناس في الفِرار منه، بمنزلة ألم عذاب الله، وغُبِنَ كُلَّ الغَبن إذ استجار مِن الرَّمضاء بالنار، وفرَّ مِن ألم ساعة إلى ألم الأبد، وإذا نصر الله جُنده وأولياءه، قال: إني كنتُ معكم، والله عليم بما انطوى عليه صدرُه من النفاق".
وختم – رحمه الله – كلامه بقوله:
18-
"والمقصود: أن الله سبحانه اقتضت حكمتهُ أنه لا بد أن يمتحن النفوسَ ويبتَليها، فُيظْهِرَ بالامتحان طِّيبَها مِن خبيثها، ومَنْ يصلُح لموالاته وكراماته، ومَنْ لا يصلُح، وليُمحِّص النفوسَ التي تصلُح له ويُخلِّصها بِكِير الامتحان، كالذَّهب الذى لا يخلُص ولا يصفو مِن غِشه، إلا بالامتحان، إذ النفسُ في الأصل جاهلة ظالمة، وقد حصل لها بالجهل والظلم مِن الخُبث ما يحتاجُ خروجه إلى السَّبكِ والتصفية، فإن خرج في هذه الدار، وإلا ففي كِير جهنم، فإذا هُذِّب العبدُ ونُقِّىَ، أُذِنَ له فى دخولِ الجنة".

والمقال  بصيغة بي دي أف