حيلة المنافق الخدّاع المرواغة والخداع
الثلاثاء | 26/11/2013 - 03:00 مساءً

حيلة المنافق الخدّاع 


المراوغة والخداع


إعداد: هشام بن فهمي العارف


تاريخ 22/1/1435 وفق 26/11/2013


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد؛
لم يكن النفاق قبل هجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - من مكة إلى المدينة ولا بعدها، فلما كانت وقعة "بدر " وأظهر الله المؤمنين وأعزَّهم، ذلَّ من في المدينة ممن لم يسلم، فأظهر بعضهم الإسلام خوفاً ومخادعة، ولتحقن دماؤهم، وتسلم أموالهم، فكانوا بين أظهر المسلمين في الظاهر أنهم منهم، وفي الحقيقة ليسوا منهم.
فمن لطف الله بالمؤمنين، أن جلا أحوالهم ووصفهم بأوصاف يتميزون بها، لئلا يغتر بهم المؤمنون، ولينقمعوا أيضا عن كثير من فجورهم.
فكان أول وصف وصفهم الله تعالى به في القرآن: "الادّعاء الكاذب"، ولمّا كان "الادّعاء الكاذب" يحتاج إلى حيلة لإخفائه لجأ المنافق إلى المراوغة والخداع. لأن أصل الخديعة الإخفاء، ومنه: مخدع البيت الذي يخفى فيه. ويقال للسراب: الخيدع لأنه يغر من يراه.
والمراوغة من أساليب المنافقين، لذا يقال: روغان الثعلب، فالمنافق أروغ من ثعلب، 
فأسلوب المنافق في بعض أحيانه أسلوب ثعلبي، وقلت في بعض أحيانه لأنه يستعمل الروغان والمخادعة أحياناً لا دائماً، وإلاَّ انكشف أمره، فهو يخادع ويراوغ حسب الجوِّ المتاح، وحسب نباهة الذين من حوله، فإن كانوا من أهل الغفلة استمر بتلاعبه وخداعه وروغانه، وإلاَّ فإنه يحاول الاختفاء باستعمال طرق أخرى هي عند أهل البصيرة من علاماته.

قبل السّاعة سنون خدّاعة


وفي الحديث الذي أخرجه ابن ماجه، والحاكم، وأحمد، وغيرهم عن أبي هريرة مرفوعاً:
1-
"سيأتي على الناس سنوات خدّاعات".
وفي رواية:
2-
"قبل الساعة سنون خدّاعة".
قال في "النهاية":
3-
"أي: تَكثُر فيها الأمطار ويقل الرَّيْع فذلك خدَاعُها، لأنها تُطْمِعُهم في الخِصْب بالمطر ثم تُخْلِف".
وعن عوف بن مالك عنه – صلى الله عليه وسلم -:
4-
"إن بين يدي الساعة سنين خدَّاعة". 
لكن في هذه الأحاديث أيضاً إشارة إلى أن من أشراط الساعة ظهور النفاق والمنافقين بشكل ملفت للنظر، لأن المنافقين يستعملون الخداع وسيلة للتخفي، فالمخادعة هي الاحتيال والمراوغة بإظهار الخير مع إبطال خلافه لتحصيل المقصود من زهرة الدنيا أو أي شيء آخر. واستعمال المنافقين للمخادعة يتضمن استغفال من يريدون خداعه لإيقاعه فيما يكره، ولا شك أن تضليل الناس عن هدي النبوَّة والسَّلف يتضمن استعمال المنافقين وسائل تعينهم على خداع الآخرين. وهذه الوسائل سوف أظهرها بالبيان الواضح والدقيق عندما أتحدث عن المشيخة المنافقة المزيَّفة.
إن المنافق لمّا ادّعى كذباً الإسلام، سمي مخادعاً لله كما قال تعالى:
5-
(يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا..(9) 
لأنهم يَكذِبون بدَعْواهم الإيمانَ، وإظهارهم ذلك بألسنتهم، خِداعًا لله عز وجلّ وللمؤمنين.
وفعل "يخادع" يدل في الأصل على المشاركة، لأن عملية الخداع أحياناً تحتاج إلى أكثر من طرف، كما يدل فعل "يخادع" على المبالغة والاجتهاد، والمنافق يبالغ في المخادعة لأن الخداع والاحتيال من أقوى الوسائل لإخفاء كذبه.
وفي الحقيقة أن الخداع الذي يلجأ إليه المنافقون هو من بالغ حماقتهم لأنهم أولاً يخدعون أنفسهم كما قال تعالى:
6-
(وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ..(9)
فكان من نتائج خدعتهم لأنفسهم فضيحتهم في الدنيا قبل الآخرة، بل إنهم يذهبون إلى أبعد من خداع انفسهم لحماقتهم؛ إنهم يخادعون من لا يجوز عليه الخداع، فإن كانوا يخادعون الله فإن الله تعالى قابلهم على اعتقادهم بقوله:
7-
(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ..(142)  
فنبَّه الله تعالى في الآية  على خفَّة عقولهم في التطاول على مخادعة الله!
أما خداعهم للمؤمنين فمن مظاهره إظهارهم لهم أنهم إخوانهم في الدين وأنهم لا يريدون لهم إلا الخير. بينما هم في حقيقة أمرهم ثعالب يضمرون لهم العداوة ويتربصون بهم الدوائر.
وقوله تعالى:
(وَهُوَ خَادِعُهُمْ) قال ابن جرير – رحمه الله-:
8-
"فتأويل ذلك: إنّ المنافقين يخادعون الله، بإحرازهم بنفاقهم دماءهم وأموالهم، والله خادعهم بما حكَم فيهم من منع دِمائهم بما أظهروا بألسنتهم من الإيمان، مع علمه بباطن ضمائرهم واعتقادهم الكفرَ، استدراجًا منه لهم في الدنيا، حتى يلقوه في الآخرة، فيوردهم بما استبطنوا من الكفر نارَ جهنم".
وأخبر الله تعالى نبيَّه – صلى الله عليه وسلم – أن من أراد خديعته - بمعنى أنه من أراد أن يظهر له خلاف ما يبطن - فإنه سبحانه كافيه أن يؤذيه أحد وقادر على حمايته من خداع الضلاّل فقال:
9-
(وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ..(62) 
وقوله تعالى في ختام الآية من سورة "البقرة":
10-
(وَمَا يَشْعُرُونَ (9)
يكشف لنا أن هؤلاء المخادعين مخدوعون وهم لا يشعرون. فلتظاهرهم بالإيمان غيَّبوا علم الله بهم وبالتالي فإنهم لمّا انصرفوا إلى الادّعاء الكاذب وحاولوا خداع المؤمنين به نسوا أو تناسوا أن المؤمنين أولياء الله، فوقعوا في شر أفعالهم، فكأن خدعتهم التي نصبوها رجعت عليهم ففضحهم الله وكشف ألاعيبهم الفاسدة فها هم في خزي وعار.
احتيال المنافقين شرٌّ من احتيال العصاة
والاحتيال نوع لئيم من أنواع الخداع، قال ابن القيم – رحمه الله -:
11-
"واحتج ابن عباس وبعده أيوب السختياني وغيره من السلف: بأن الحيل مخادعة لله تعالى". 
والاحتيال يفعله المنافقون على سبيل الاستحلال غير معترفين بحرمته. بينما العصاة إن فعلوه فإنهم يفعلوه من غير استحلال، يعني أنهم حين يأتونه يفعلونه وهم معترفون بحرمته، كما قال ابن القيم – رحمه الله -:
12-
"إن أكلة الربا وأموال الناس بالباطل لم يعاقبوا بالمسخ كما عوقب به مستحلوا الحرام بالحيلة وإن كانوا عوقبوا بجنس آخر كعقوبات أمثالهم من العصاة، فيشبه والله أعلم أن هؤلاء لما كانوا أعظم جرماً إذ هم بمنزلة المنافقين ولا يعترفون بالذنب بل قد فسدت عقيدتهم وأعمالهم كانت عقوبتهم أغلظ من عقوبة غيرهم.
فإن من أكل الربا والصيد الحرام عالماً بأنه حرام فقد اقترن بمعصيته اعترافه بالتحريم وهو إيمان بالله تعالى وآياته ويترتب على ذلك من خشية الله تعالى ورجاء مغفرته وإمكان التوبة ما قد يفضي به إلى خير ورحمة.
ومن أكله مستحلاً له بنوع احتيال تأول فيه فهو مصر على الحرام وقد اقترن به اعتقاده الفاسد في حل الحرام وذلك قد يفضي به إلى شر طويل".

وقال – رحمه الله -:
13-
"إن الله تعالى أخبر عن أهل السبت من اليهود بمسخهم قردة لما احتالوا على إباحة ما حرمه الله تعالى عليهم من الصيد بأن نصبوا الشباك يوم الجمعة فلما وقع فيها الصيد أخذوه يوم الأحد قال بعض الأئمة : ففي هذا زجر عظيم لمن يتعاطى الحيل على المناهي الشرعية ممن يتلبس بعلم الفقه وهو غير فقيه إذ الفقيه من يخشى الله تعالى بحفظ حدوده وتعظيم حرماته والوقوف عندها ليس المتحيل على إباحة محارمه وإسقاط فرائضه ومعلوم أنهم لم يستحلوا ذلك تكذيبا لموسى عليه السلام وكفرا بالتوراة وإنما هو استحلال تأويل واحتيال ظاهره ظاهر الاتقاء وباطنه باطن الاعتداء ولهذا والله أعلم مسخوا قردة".

المقال كاملا بصيغة بي دي أف