علَّة المنافق المخدوع قلبه المريض الخَنوع
السبت | 30/11/2013 - 08:24 صباحاً

علَّة المنافق المخدوع قلبه المريض الخَنوع


إعداد: هشام بن فهمي العارف


تاريخ 25/1/1435 وفق 29/11/2013


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد؛
إذا مارس المنافق نفاقه يمارسه وهو في حماقة وغفلة، فهو إن فعل الخداع فهو في حماقة لأنه إنما يخدع أولاً نفسه وهو لا يشعر، كما قال تعالى في ختام الآية من سورة "البقرة":
(وَمَا يَشْعُرُونَ (9) والشعور أخص من العلم، فالشعور: العلم بأمور دقيقة خفية علم حس؛ من الشعار، وهو ثوب يلي الجسد، ومشاعر الإنسان حواسه لأنها آلات الشعور. وهي نعمة افتقدها هؤلاء لأنهم لم ينتفعوا بها، فنفى عنهم الله الشعور مع سلامة مشاعرهم، فأصبحوا لا يشعرون أن خداعهم على أنفسهم، مع أنهم يباشرونه؛ لكن لا يحسون به، كما تقول: "مر بي فلان ولم أشعر".
إنهم فقدوا الشعور والإحساس فهم في غفلة عن خداع أنفسهم لأن الله تعالى أعمى بصائرهم. فالله تعالى يعاملهم بعقابه معاملة الخادع.
وعليه فإن المنافق هو بحدِّ ذاته مخدوع قرر لنفسه أبطل العقائد وظنَّها الحق، وعلَّة المخادعة التي ألجأت المنافق لمداراة ادعائه الكاذب وتظاهره بالإيمان؛ بيَّنها الله تعالى في مطلع الآية التالية بقوله:
1-
(فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ..(10)
أي: في قلوبهم الشك، والشبهات، والنفاق، بإجماع المفسرين، إنه المرض الذي يجعل طعم الشيء خلاف ما هو عليه، قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم:
2-
"هذا مرض في الدين، وليس مرضًا في الأجساد". 
وسمي النفاق مرضاً في القلب لكونه مانعاً من إدراك الفضائل. كما أن مرض الأبدان يمنعها من التصرف الكامل. وكما قال القرطبي:
3-
"عبارة مستعارة للفساد الذي في عقائدهم".
ومرض القلب في القرآن نوعان:
الأول: مرض بسبب الشهوات المردية فمال القلب بها إلى فعل المعاصي والفواحش والزنا. قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:
4-
"ولهذا صنف الخرائطي كتاب "اعتلال القلوب" أي: مرضها، وأراد به مرضها بالشهوة"
وقال –رحمه الله -:
5-
"فإن القلب الصحيح لو تعرضت له امرأة لم يلتفت إليها، بخلاف القلب المريض بالشهوة فإنه لضعفه يميل إلى ما يعرض له من ذلك بحسب قوة المرض وضعفه، فإذا خضعن بالقول طمع الذي في قلبه مرض"
الثاني: مرض المنافقين وسبب الشبهات ضرَّه ما استقر فيه من النفاق والشك والبدع.  قال الطبري ـ رحمه الله ـ:
6-
"والمرض الذي ذكر الله جل ثناؤه أنه في اعتقاد قلوبهم الذي وصفناه هو: شكهم في أمر محمد، وما جاء به من عند الله وتحيرهم فيه، فلا هم به موقنون إيقان إيمان، ولا هم له منكرون إنكار إشراك، ولكنهم كما وصفهم الله عز وجل مذبذبون بين ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء".
فمرض المنافقين مرض شك وريب. ومرض العصاة مرض غي وشهوة، وقد سمى الله سبحانه كلاً منهما مرضاً. وقال القرطبي – رحمه الله -:
7-
"والمعنى: قلوبهم مرضى لخلوها عن العصمة والتوفيق والرعاية والتأييد".
والقلب قد يتألم بما يتألم به البدن أو تتألم به النفس، وكذلك النفس أو البدن فإنهما تتألمان بما يتألم به القلب، كالهمِّ، والحزن، والغيظ، وغير ذلك، لكن هذا الألم في كثير من الأحيان يزول بزوال أسبابه بالمداواة المادية أو المعنوية.
أما مرض الشبهات، أو مرض الشهوات، فإنهما لا  يحدثان في القلب ألماً محسوساً، لأن سكرة الجهل والهوى تحول بين المرض والألم لفساد القلب، ولا يزول فساد القلب بالمداواة المادية والمعنوية كالأول، لأن صاحبه لا يشعر به، فإنه إن لم يتدارك علاج فساد قلبه بالإيمان والقرآن وبأضداد ما علق في قلبه من الشركيات، والمبتدعات، والنفاق، والشك، والذنوب، والشر، فلن يحصل له الشفاء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:   
8-
"فكما أن الإنسان إذا صار لا يسمع بأذنه، ولا يبصر بعينه، ولا ينطق بلسانه، كان ذلك مرضاً مؤلماً له، يفوته من المصالح، ويحصل له من المضار، فكذلك إذا لم يسمع ولم يبصر ولم يعلم بقلبه الحق من الباطل، ولم يميز بين الخير والشر، والغي والرشاد، كان ذلك من أعظم أمراض قلبه وألمه". 
ومن الأمراض التي يُلحقها الله تعالى بالقلوب المريضة بحيث تحدث فيها شرخاً أليماً وجسيماً لكن صاحبها لا يشعر بألمها:
الرين، والزيغ، والطبع، والختم، والإقفال، والتأبي، والنفور عن الاستقامة، والاشمئزاز، والصرف، والجهل، والضيق، والحرج، والإشراب، والرعب، والقساوة، والإبعاد، والإصرار على الباطل، والنجاسة، والعمى، والغفلة، والغمرة، واللهو، والحسد، والحقد، والحميَّة الجاهلية، والتعصب للضلال، والكراهية للصواب، والبغض للحق وأهله، والامتناع عن الخير، والإنكار للمعروف، إلى غير ذلك، بالإضافة إلى ما ذكرناه من الشك والنفاق والارتياب.
فهذه القلوب بهذه الآفات تصير قلوباً ملعونةً لا خير فيها بتاتاً،  لكن إذا قام هذا اللون من مرضى القلوب بمعالجة ما فيهم من الضلال، والانحراف، والنفاق، والشك، والبدع، والبغض للحق وأهله، عادت قلوبهم إلى الصحة شيئاً فشيئاً، وإلا فإنها إلى الموت واليبس والكفر.
أما المؤمن فقلبه على نقيض قلب الكافر، بله على نقيض قلب المريض، فقلب المؤمن سليم معافى من أمراض النفاق والشهوة، فهو خالٍ من البدعة والفاحشة، ومطمئن على الحق والسّنّة والعفَّة. فالقلب السليم هو:
9-
"الذي قد صارت السلامة صفة ثابتة له؛ كالعليم، والقدير، وأيضاً فإنه ضد المريض، والسقيم، والعليل".
وإليك ما قاله العلماء – رحمهم الله – في القلب السليم، قال ابن عباس:
10-
"القلب السليم يشهد أن لا إله إلا الله".
وقال مجاهد والحسن وغيرهما:
11-
"سليم من الشرك".
وقال سعيد بن المسيب:
12-
"القلب السليم هو: القلب الصحيح، وهو قلب المؤمن".
وقال أبو عثمان النيسابوري:
13-
"هو القلب السالم من البدعة المطمئن إلى السنة".
وقال ابن سيرين:
14-
"القلب السليم يعلم أن الله حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور".
وقال ابن القيم:
15-
"هو الذي سَلِم من أن يكون لغير الله فيه شرك بوجه ما، بل قد خلصت عبوديته لله تعالى: إرادةً، ومحبةً، وتوكلاً، وإنابةً، وإخباتاً، وخشيةً، ورجاءً، وخلص عمله لله، فإن أحب أحب في الله، وإن أبغض أبغض في الله، وإن أعطى أعطى لله، وإن منع منع لله، ولا يكفيه هذا حتى يسلم من الانقياد والتحكيم لكل من عدا رسوله – صلى الله عليه وسلم - فيعقد قلبه معه عقداً محكماً على الائتمام والاقتداء به وحده دون كل أحد في الأقوال والأعمال، من أقوال القلب وهي العقائد، وأقوال اللسان؛ وهي الخبر عما في القلب، وأعمال القلب؛ وهي الإرادة والمحبة والكراهة وتوابعها، وأعمال الجوارح، فيكون الحاكم عليه في ذلك كله دقِّه وجلِّه هو ما جاء به الرسول - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - فلا يتقدم بين يديه بعقيدة ولا قول ولا عمل".
وقال الشيخ السعدي:
16-
"والقلب السليم، معناه، الذي سلم من الشرك، والشك، ومحبة الشر، والإصرار على البدعة، والذنوب، ويلزم من سلامته مما ذكر اتصافه بأضدادها، من الإخلاص، والعلم، واليقين، ومحبة الخير، وتزيينه في قلبه، وأن تكون إرادته ومحبته تابعة لمحبة الله".
وقد وصف الله تعالى القلب السليم في كتابه العزيز بعدة أوصاف، وصفه: بالمنيب، وباللين، وبالخوف، وبالثبات ورباطة الجأش، ووصفه بالطهارة، وبالرحمة، وبالاطمئنان، وبخلوِّه من الحقد والحسد، وبالتواضع والخشوع، ووصفه بالعامر إيماناً، وبالهادي.
إن قلوب المؤمنين بصفاتها السابقة قد جمعت بين الرغبة فيما عند الله، والرهبة مما عنده، ومن ثم فهي مقبلة على الله عامرة بحبه جل جلاله:
17-
(..أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى..(3) 
وهي مع ذلك ليست على درجة واحدة في هذا الإقبال والحب، مما يوجب على كل مسلم السعي للوصول بقلبه إلى أعلى درجات السلامة حتى تزكو أعماله وتستقيم حياته.
وجعل القرآن قلوب المنافقين مكاناً للمرض، للإٍشعار بأنه تمكن منها تمكناً شديداً، لما كانوا عليه من شدة الحسد وفرط العداوة، فلا غرابة أن تستقر الشكوك في قلوبهم وتتخذ منها وكراً بعد أن استقبلتها صدورهم بالحفاوة.
واعلم أن النفاق مرض خطير جدّاً، عرَّفه ابن القيم ـ رحمه الله ـ بقوله:
18-
"الداء العضال الباطن، الذي يكون الرجل ممتلئاً منه وهو لا يشعر".
وهذا الداء يخفى على الناس كما قال ابن القيم:
19-
"النفاق أمر خفي على الناس، وكثيراً ما يخفى على من تلبَّس به، فيزعم أنه مصلح وهو مفسد".
وبيَّن الله تعالى هذا الخلل بقوله:
20-
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) 
وصف الله تعالى المنافقين بمرض القلب لشدة التصاقهم به، وإذا نظرت في مواضع من القرآن فإنك ترى أن ذكر هذا المرض جاء مرادفاً لمن أصيبوا به في قلوبهم وهم المنافقون يتضح لك في السور التالية: البقرة، والمائدة، والأنفال، والتوبة، والحج، والنور، والأحزاب، ومحمد، والمنافقون، والمدثر.

المقال كاملا بصيغة بي دي أف