أقبح علامات المنافق: الكذب
الأربعاء | 11/12/2013 - 01:09 مساءً

أقبح علامات المنافق: الكذب


إعداد: هشام بن فهمي العارف


تاريخ 07/02/1435 وفق 10/12/2013


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد؛
ختم الله تعالى الآية العاشرة من سورة البقرة بقوله:
1-
(...وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)
فتوعَّدهم بمصير معلوم وهو: (عَذَابٌ أَلِيمٌ) كما قال تعالى:
2-
(بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) 
والعذاب الأليم هو العذاب الموجع، وهو عذاب جهنم، كما قال تعالى:
3-
(..إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) 
وجعلهم الله تعالى في أسفل جهنم كما قال:
4-
(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ..(145) 
وبيَّن الله تعالى في الآية من سورة "البقرة" علَّة هذا العذاب فقال: (بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) أي: بسبب الكذب.
وفي قوله تعالى:
(يَكْذِبُونَ) قراءتان: بفتح أوَّله وتخفيف الذال، أو بضم الياء وتشديد الذال، فقراءة التخفيف تثبت لهم الكذب.
والكذب: الإِخبار عن الشيء بخلاف الواقع. ولقد كان المنافقون كاذبين في قولهم:
(آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِر) وهم في حقيقتهم غير مؤمنين. لذا فإن خليفة المسلمين أبا بكر الصدِّيق أطلق تحذيره من النفاق على أنه مجانب للإيمان فقال:
5-
"يا أيها الناس، إياكم والكذب، فإنه مجانب للإيمان". 
وقراءة التشديد تفيد مبالغتهم في فعل الكذب. فهم يكذبون ويكذِّبون. والقراءتان لا تعارض بينهما ولا تناقض، فإن المنافقين متصفون بالكذب في الخبر عن الله ورسله وعن الناس، وبتكذيب رسل الله فيما أوحي إليهم من التشريع، وبالقراءتين يكون المنافقون قد جمعوا بين الكذب والتكذيب وهذا شر الأحوال.
وجاء تشهيرهم بأقبح علاماتهم بين الناس بعد أن فضح الله تعالى تظاهرهم بالإيمان، وممارستهم الخداع، وسفاهتهم بضرر أنفسهم، وحماقتهم بعدم التمييز بين ما فيه ضلالهم وما فيه هداهم، وخباثتهم في سجيَّتهم، وعنادهم لرفض معالجتهم للأمراض التي نبتت في قلوبهم.
وكون الكذب أخص صفات المنافقين، وأبرز جرائمهم، عبَّر الله تعالى عنه بقوله:
(يَكْذِبُونَ) فالكذب فعل يتجدَّد ويحدث فيهم، ويستمر معهم بلا انفكاك عنهم، لأنهم في ريبة وشك من دين الله الإسلام، وبالتالي فإن المنافقين مترددون لا يستقرون على قول. فإذا وقعت فتنة رأيت لهم قولين في مجرياتها، إن لم يكن لهم أقوال؛ وكلها متضاربة. قال الملوي:
6-
"ولا يخفى أنَّ كلَّ كفر ظهر، وكل ضلالة ظهرت، وكل بدعة، وكل شرٍّ، إنما كان سببه إفساد القوة العلمية والنطقية، وهو يكون بالتكذيب"
وكنت كتبت مقالاً لي بعنوان:
7-
"وجاءت فتنة..! وهي أشدُّ وأغلط". 
أشرت فيه إلى كيفية تصرف المؤمن حيال الفتنة فقلت:
8-
"من كان على بصيرة من دينه، عاملاً صالحاً، جنَّبه الله تعالى الفتن، ويدخل في هذا الباب أنه لو قدَّر الله تعالى له أن يكون في دائرة مكان وقوعها فإنه يتعامل معها تعامل العاقل المحظوظ؛ لأنه موفق للسعادة، فإذا ابتلي بشيء منها، أو بشيء من آثارها مما لا بد أن يقع لحكمة اقتضاها رب العزة، فعليه أن يصبر".  
وقسَّمْت الناس – يومئذ - حيال العولمة العصرية إلى ثلاثة أقسام وقلت:
9-
"لقد نادى الغرب (الكافر) قريباً بالعولمة، فالعصر عصر العولمة، وهو في شرعنا عصر الفتن، والبلابل، والقتل.  وتحمَّس لهذا العصر وسارع  كل من ضلَّ عن هدي النبوة والسلف، فكان الناس فيه إلى ثلاث فرق:
فرقة: أفسحت للعولمة ورحبت في ديارها له.
وفرقة: عادت العولمة على غير هدي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فعالجت الأمر معالجة سيئة أساءت فيها إلى دين الله الإسلام.
وفرقة ناجية وهي "السعيدة" التي جنبت بفضل الله تعالى الفتن، فعلمت أن عصر العولمة الذي نادى به الغرب هو عصر الفتن، فالتزمت شرع الله في معالجة الأمور، وهي فرقة قليلة فقيرة غير مسموعة، لأن الكثرة في الفرقتين الأولتين، وأشدهما على الإسلام الثانية لأن فيها المبتدعة أصحاب الأهواء على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم الذين قدَّموا أقوالهم على قول الله تعالى وقول النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ، واغترَّ بأقوالهم وأفعالهم وفهومهم كثير من العامة".

وقلت:
10-
"واستمرت الفرقة الثانية بنضالها وكفاحها الفاجر، تزيِّن للمسلمين قدرتها على تصحيح مسار المسلمين، حتى أوقعتهم لخباثتها في وحل الفوضى، والبلابل، والقتل، وجاءت بالفتن من أوسع أبوابها، لأنها استطاعت أن تتقمص في النهاية قميص السلفية، وتلبس لَبوسها، فأتاح لها هذا الأسلوب الخبيث، وهو التلون والنفاق، أن تكذب في حديثها، وتخلف في وعدها، وتخون في أمانتها، وتغدر في عهدها، وتفجر في خصامها، وتزعم أنها على الإسلام".
فعلى المسلمين – اليوم - في أنحاء الأرض أن يعلموا أن المنافقين في عصر العولمة – بعد أن هتك الله سترهم وكشفهم – لعبوا أدواراً رئيسة في إضعاف الأمة، وإفسادها، وسلخ حاضرها عن ماضيها.
إن ممارسة المنافقين للكذب والتكذيب سار باتجاه لئيم، فبعد استعمال الدجاجلة للمال والدين على غفلة من الفرقة الأولى، صارت العولمة هي غاية المنافقين، ففي الوقت الذي كانت الفرقة الأولى ترحب بالعولمة الكافرة في ديار المسلمين، كانت الفرقة الثانية تهيء المسلمين لعولمة صنَّعوها في الداخل، وحجَّتهم فيها تغيير أنظمة الاستبداد بأسْلَمت السياسة، فأرادوا أن يكونوا:
بوجه عولمةٍ صنَّعها الكفّار وسمّاها: "الإسلام السياسي".
وبوجه عولمةِ المسلمين صنَّعها المنافقون أنفسهم وسمَّوها: "التغيير والعدالة"، و"الإصلاح والعدالة"، و"التنمية والعدالة"، و "الحرية والعدالة"، ونحو ذلك.
فمدار هذه التسميات ـ كما ترى ـ على الثورة لأجل التغيير، والإصلاح، والتنمية، والحرية، - زعموا - واقترنت جميعها بدعوى العدالة التي نادى بها ذو الخويصرة نفسه.
لذلك فإن الثورات التي أحدثها الخوارج في العالم العربي والإسلامي ثورات فاجرة، لأن أهل الأهواء والبدع المنافقين؛ أرادوها كذلك لمّا خالفوا شرع الله تعالى في معالجة الواقع، وخالفوا هدي محمد – صلى الله عليه وسلم – في معالجة الواقع، وهم يعلمون ان معالجة الواقع لا تكون إلاَّ بالرجوع الصادق للكتاب والسّنّة على منهاج النبوَّة والسلف، فكذبوا على المسلمين بشعاراتهم، وأوهموهم أن العلاج والتغيير، والإصلاح، إنما يكون لأجل العدالة التي زعموها، فإذا هي ثورات أكلت الأخضر واليابس، ولم تحقق إلاَّ مزيداً من البؤس والضعف. لماذا؟ لأنها ركّبت على الكذب وأصحابها سواء كانوا في الساحة ظاهرين أو من وراء الكواليس مختبئين فهم فجرة مستمرون بكذبهم ونفاقهم. فالكذب كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم -:
11-
"يهدي إلى الفجور". 
وقال الحسن البصري:
12-
"الكذب جماع النفاق". 
وقال:
13-
"وأصل النفاق، والذي بني عليه النفاق: الكذب". 
لذلك:
14-
"ما كان من خلق أبغض إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الكذب". 
ولمَ لا ! والكذب ليس من خلق الكرام، وكان قبيحاً في الجاهلية كما هو قبيح في الإسلام، قال العيني – رحمه الله -:
15-
"العقل يحكم بقبح الكذب، وهو خلاف مقتضى العقل، ولم تنقل إباحة الكذب في ملَّة من الملل". 
وقد كشفت دراسة علمية حديثة أجراها فريق من الباحثين الكنديين بجامعة "كولومبيا البريطانية" النقاب عن العلامات الدّالة على الشخص الكاذب. وقال الباحثون:
16-
"إن الشخص الكاذب تفضحه بعض الحركات البسيطة التي لا يلقي لها بالاً ولكن يستطيع من يواجهه ملاحظتها من ملامح وجهه خاصة عند رفعه إحدى حاجبيه وظهور ابتسامة صفراء تنم عن الكذب والخداع .. وأكَّد علماء النفس أن الانسان يستطيع التحكم في عضلات الوجه السفلية التي غالباً ما تستخدم في الكلام وتناول الطعام، بينما يصعب عليه التحكم في عضلات الوجه العلوية التي غالباً ما تثير الشكوك والريبة في حالة الكذب والغش".
فالكذب لا يليق بالمؤمنين، إنما يليق بمن لا يؤمن بالله تعالى، كما قال تعالى في سورة "النحل":
17-
(إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (105)
وأصل الافتراء: الاختراع، وأطلقه الله تعالى هنا فقرنه بالكذب، فأرجع الكذب إلى أصله وهو الاختراع، كما قال:
18-
(..وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ..(103) 
وأنت تعلم أن الله تعالى نفى عن المنافقين الإيمان نفياً قاطعاً على الإطلاق، وأكَّد على ذلك بدخول الباء في خبر "ما" عندما قال: (وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) أي أنهم ليسوا بداخلين في المؤمنين.
فالمؤمن أمين وحامل لأمانة فلا يمكنه الكذب، وخلافه من لا يبالي بالكذب لأنه لا يبالي بالمعصية، أو فيه ضرب من الاستخفاف بحق الله تعالى، فإن الله تعالى توعَّد هذا الصنف من الناس بعقاب يناسبهم كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم -:
19-
"ثلاثة لا يكلمهم الله عز وجل [وفي رواية: لا ينظر الله إليهم] [وفي رواية: لا يدخلون الجنة] ".
وذكر فيهم:
20-
"الإمام الكذّاب [وفي رواية: الملك الكذّاب]". 
قال المناوي – رحمه الله -:
21-
"لأن الكذب يكون غالباً لجلب نفع أو دفع ضر، والملك لا يخاف أحداً فيصانعه، فهو منه قبيح لفقد الضرورة".
قال عامر الشعبي – رحمه الله -:
22-
"من كذب فهو منافق". 
وقول النبي – صلى الله عليه وسلم – في الحديث الصحيح:
23-
"علامة [وفي رواية: آية] المنافق [وفي رواية: من علامات المنافق] ثلاث: إذا حدَّث كذب". 
وفي رواية:
24-
"في المنافق ثلاث خصال، إذا حدَّث كذب". 
وفي رواية:
25-
"ثلاث من كنَّ فيه فهو منافق، إذا حدَّث كذب". 
وفي رواية:
26-
"ثلاث في المنافق وإن صلى وإن صام، وزعم انه مسلم، إذا حدَّث كذب". 
وفي رواية:
27-
"أربع من كنَّ فيه كان منافقاً خالصاً .. إذا حدَّث كذب". 
فعدَّ الكذب على رأس خصال المنافق وقدَّمه على خصال أخرى فيه؛ لأنه أقبحها. فالكذب قبيح وإن كان فاعله مازحاً، وقد رهَّب النبي – صلى الله عليه وسلم – من هذا اللون من الكذب فقال:
28-
"ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك به القوم فيكذب، ويل له ويل له". 
وبوَّب الإمام البخاري في "الأدب المفرد" باباً سمّاه:
29-
"باب لا يصلح الكذب".
ذكر فيه قول عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه -:
30-
"لا يصلح الكذب في جِدٍّ ولا هزل". 
وكما أن الكذب أساس النفاق وبابه، فإن الصدق أساس الإيمان وبابه، ومن عرف بالكذب اتهم في الصدق، بل لا يمكن اجتماع الكذب والصدق جميعاً في قلب امريء، كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم -:
31-
"لا يجتمع الإيمان والكفر في قلب امريء، ولا يجتمع الكذب والصدق جميعاً، ولا تجتمع الخيانة والأمانة جميعاً". 
وقد وصف الله تعالى المنافقين بالكذب كقوله تعالى: 
32-
(إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) 
بينما وصف المؤمنين بالصدق فقال:
33-
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15) 
34- "والصحابة الذين كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن القرآن حق، هم أفضل من جاء بالصدق وصدق به بعد الأنبياء".

المقال كاملا  بصيغة بي دي أف