الفساد أخص مشروعات المنافقين الأوغاد
الأربعاء | 18/12/2013 - 07:51 صباحاً

الفساد أخص مشروعات المنافقين الأوغاد


إعداد: هشام بن فهمي العارف


تاريخ 14/02/1435 وفق 17/12/2013


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد؛
لمّا كان الكذب مشروع فساد وإفساد لدى المنافقين، أتبع الله تعالى الآية العاشرة من سورة البقرة بقوله:
1-
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)
أما لماذا الكذب مشروع فساد وإفساد لديهم؟ فجوابه:
أن الكذّاب مفتر، ومعلوم أن أصل الافتراء: الاختراع، وقد وصف الله تعالى المفترين بأوصاف مخيفة، وصفهم بالكفر، والشرك، والظلم، والإفك، والإضلال، والإجرام، فاستحقوا لأجل هذه الخصال اللعنة من الله. وكل هذا يدخل في باب الفساد والإفساد، فغاية المنافقين إذن فعل المعاصي، ومحاربة كل خير ومعروف، والإفساد في الأرض.
والفساد ضدَّ الصلاح، فإذا أطلق الصلاح تناول جميع الخير، والفساد يتناول جميع الشر، فعن أبي العالية – رحمه الله – في قوله تعالى:
(لَا تُفْسِدُوا):
2-
"يعني: لا تعصُوا في الأرض، وكان فسادهم ذلك معصية الله؛ لأنه من عصى الله في الأرض أو أمر بمعصية الله، فقد أفسد في الأرض؛ لأن صلاح الأرض والسماء بالطَّاعة". 
وقال شيخ الاسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
3-
"أي لا تعملوا بمعصية الله تعالى فكل من عمل بمعصية الله فهو مفسد، والمحرَّمات معصية لله". 
فإذا قيل للمنافقين (لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) كذبوا وقلبوا الحقائق وقالوا: (إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ).
والحق أنهم كما قال تعالى: (هُمُ الْمُفْسِدُونَ) لأنهم أهل ضلال ونفاق ومعصية وشر وفساد، ولأنهم مخدوعون فإن الله تعالى ختم الآية بنفي شعورهم بالفساد والإفساد فقال: (وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ).
إنهم فقدوا الشعور والإحساس فهم في غفلة عن فسادهم، وبالتالي فإنهم يمارسون الفساد والإفساد على أنه – بزعمهم – صلاح وإصلاح! وهذا من الجهل المركَّب أن يكون الإِنسان مفسداً وهو لا يشعر بذلك، مع أن أثر فساده ظاهر يراه هو بعينه قبل أن يراه غيره، مما يؤكد لك أن المنافقين لم يعودوا مدركين عاقبة ما يفعلونه بعد عقاب الله لهم في الدنيا، لأنهم لا يشعرون بعمق المأساة التي ألحقها الله بهم بسبب استكبارهم ونفاقهم وفسادهم، فإنهم يفعلون المعصية على علم، ويمارسون الباطل على دراية، ويعتبرون ذلك صلاحاً وإصلاحاً! فأي فساد أعظم من هذا؟ قال بعض المفسرين:
4-
"تصورا إفسادهم إصلاحاً لما في قلوبهم من مرض".
حتى استحقوا لأجل مرض قلوبهم وفساد مفاهيمهم عقوبة الله العاجلة وهي غفلتهم عن العذاب الأليم في الآخرة، فإن عطب آلاتهم ابتداء من القلب وانتهاء بالإحساس والشعور يجعلك في الغالب تتوقع لهم سوء الخاتمة.   
ولم تتوقف نتائج خيبتهم عند حدِّ أنهم لا يشعرون بخداع أنفسهم، بل ويظنون لخساستهم، وحماقتهم، وجهلهم، وعنادهم، أنهم مصلحون!
إن المرارة التي انتجتها قلوب المنافقين المريضة أثَّرت عليهم وقلبت موازينهم حتى أصبحوا يرون – على سبيل المثال - الفساد صلاحاً، والإفساد إصلاحاً، كما قال تعالى:
5-
(أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا..(8)  
والسبب بيَّنه الله تعالى في سورة "الأنعام" فقال:
6-
(...وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43)
هذه القلوب المريضة القاسية، وهذه المعتقدات الفاسدة المعوَّجة، جعلتهم في الآخرة من أخسر الناس، كما قال تعالى:
7-
(قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) 
وعن ثوبان عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
8-
"لأعلمنَّ أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسناتٍ أمثال جبال تهامة، بيضاً، فيجعلُها الله هباءً منثوراً".
قال ثوبان:
9-
"يا رسول الله! صفهم لنا، جلِّهم لنا؛ أن لا نكون منهم و نحن لا نعلم".
قال:
10-
"أما إنهم إخوانكم و من جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خَلَوْا بمحارم الله انتهكوها".
وقوله تعالى في الآية (أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ) ردٌّ على تسترهم بالصلاح والإصلاح، وسوف نتعرض - خلال الحديث المطوَّل عنهم - لفسادهم في المجتمعات، ونبيِّن أنهم أكثر الناس أهلية لارتكاب المعاصي، وابتداع المبتدعات، وإثارة الفتن بين المسلمين، وتحريض أعداء الله على كل من جعل ولاءه خالصاً لله عز وجل.
ومن أبرز معاصي هؤلاء المنافقين، تكذيب الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإلقاء الشبه في طريق دعوته، والتحالف مع المشركين ضد المسلمين كلما وجدوا إلى ذلك سبيلا.
ولا تزال طوائف المنافقين والمبتدعة الضالين في شتى البقاع - إلى يومنا هذا - تكذِّب وتحارب "الطائفة المنصورة والفرقة الناجية" في القدس، وتعمل جهدها في إلقاء الشبه، باستعمال شتى أنواع الكذب والافتراءات والصدِّ عن سبيل الله.
وقوله تعالى:
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ) من غير إسناد الفعل إلى جهة معينة بذاتها، مما يشعرك أن رسائل عديدة تصلهم صريحة، وغير صريحة، وعبر كل وسائل الاتصال تنصحهم قائلة: (لَا تُفْسِدُوا) فيكون جوابهم المعَدُّ سلفاً: (إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ)!
فالمكالمات والخطابات الجارية، والكتب المرسلة للمنافقين التي تنهاهم عن الفساد سجلها الله تعالى باعتبارها تكذيباً لهم، وإخباراً بفسادهم، بل وحصر الفساد فيهم، ووصفهم بالجهل المركب لعدم شعورهم.
ومن جهلهم أن في جوابهم مبالغة؛ إذ حصروا الإصلاح في أنفسهم، وأكدوا على ذلك بقولهم:
(إِنَّمَا).
وفي بقية الجملة أكَّدوا للناصحين أن شأنهم وديدنهم الإصلاح، وأن الإصلاح راسخ في أخلاقهم وتصرفاتهم وسلوكياتهم، بل زكّوا أنفسهم تزكية أبهتت ناصحيهم وألجمتهم ـ وقد كشفوا أستار حقيقتهم ـ فتركوهم وكلُّهم استغراب من جراءتهم ووقاحتهم، بل وابتعدوا عنهم خشية من بذاءتهم وفحشهم إن هم عاودوا نهيهم عن الفساد.
واستعمل المنافقون دعوى الإصلاح في جوابهم
(إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) لجهتين:
الأولى: لا تدري ما هو النفاق ولا تعرف المنافقين، ولا تتعلم منهاج النبوَّة والسلف، فيكون مراد المنافقين من جوابهم لهؤلاء أننا نفعل وفق ما جاء به النبي – صلى الله عليه وسلم -، (نحن على الكتاب والسنة)!! وبعض طوائف المنافقين يدَّعون كذباً أنهم (السلفيون)! بل وتزعم طائفة مردت على النفاق أنهم (كل السلفيين)!!!
والثانية: هي الفرقة الناجية تعلم ما هو النفاق، وتعرف المنافقين، لذا فإنها كشفت ألاعيبهم، واطلعت على شبهاتهم، فيكون  مرادهم من جوابهم - المشار إليه أعلاه - التمويه، واللعب بالنصوص الشرعية، واعتماد التأويل الفاسد فيما ذهبوا إليه من فنون الخداع والتزوير، فحججهم على نحو: (إنما قصدنا بقولنا كذا وكذا)، و(إنما أردنا من فعلنا كذا وكذا)، بقصد التمويه، فهم متلونون، لهم جواب لكل حالة؛ ولكل جهة!
وقد يعللون - إمعاناً في التضليل – بأنهم يريدون تقريب وجهات النظر بين فريقي الحق والباطل!! بهدف الإصلاح على حدِّ زعمهم.
وقد مارس كبيرهم دجّال العصر المدعو "علي الحلبي" المقيم في عمان – الأردن، وأعوانه في الأردن وفلسطين، هذا اللون من النفاق، حتى سقط على أم رأسه وانكشف نفاقه للناس – ولله الحمد -.
ولا تزال طوائف من المنافقين مستمرّين بهذا اللون من النفاق، وبألوان أخرى حسب ما تقتضي به الأحوال والظروف، ويستحدثون تعليلات تلو تعليلات يتخذونها مطية لزعمهم الكاذب أنهم مصلحون غير مفسدين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
11-
"فَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ أَفْعَالِهِمْ إسْرَارَ خِلَافِ مَا يُظْهِرُونَ وَهُمْ يَرَوْنَ هَذَا صَلَاحًا".
وقيل:
12-
"أَرَادُوا أَنَّ هَذَا صَلَاحٌ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ الدَّوْلَةَ إنْ كَانَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدْ أَمِنُوا بِمُتَابَعَتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ لِلْكُفَّارِ؛ فَقَدْ أَمِنُوهُمْ بِمُصَافَاتِهِمْ". 
ولما كانوا قد قابلوا النهي عن الإفساد بدعوى الإصلاح أكذبهم الله بقوله
: (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ).
فعلى أهل الحق والصدق إهمال ادعاء المنافقين الإصلاح لأنهم فاسدون ومفسدون.
وجعل الله تعالى ظرف إفسادهم
(فِي الْأَرْضِ) كلها، مع أنهم قد يكونون في مكان ما من الأرض. لكن القرآن كشف لنا أن نتن المنافقين من غير معالجة يؤدي حتماً إلى انتقاله ليشمل الأرض كلها. كما قال تعالى:
13-
(وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ..(205) 
والفساد: التلف، والعطب، وتحول الشيء من كونه صالحاً نافعاً، إلى كونه غير صالح ولا نافع، بل ربما يصير ضاراً كريهاً مفسداً للأشياء الصالحة.
يقال لغة: فسد اللحم إذا أنتن وصار ضاراً، وكذلك كل شيء يتحول إلى كونه مؤذياً أو ضاراً فقد فسد.
وإفساد الشيء يعني تحويله من جانب النفع إلى جانب الضرر، فكيف بمن يسعى في الأرض كلها لإفسادها، قال تعالى:
14-
(وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا..(56) 
فإفساد الأرض يعني تحويلها إلى المعصية بعد أن كانت عامرة بطاعة الله تعالى، فالمنافقون غايتهم الفساد، بل إن الفساد أخص مشروعاتهم،  يستثمرونه لإنتاج المزيد منه، فالمنافق يصرف كل همَّته في هذا الشأن ويتفنن في انتاج أنواع منه، ابتداءً من إفساد الدين بالشرك والكفر والبدعة، وانتهاء بأعمال إجرامية أخرى تتمثل بإهلاك الحرث والنسل. ويكون ذلك:
بإفساد الزروع بالكيماويات أو ما يشبه ذلك.
أو بإفساد النفوس بالقتل، أو الحرق، أو التشويه، أو بتنشئتها وتربيتها على الذلَّة والهوان، أو بتعبيدها لغير الله، أو ما يشبه ذلك.
أو بإفساد دنيا الناس بالربا، والظلم، والمحسوبية، ومشروعات القمار، إلى غير ذلك من أنواع الفساد التي تخرب بيوت الناس وتجعلها جحيماً لا يطاق، او ما يشبه ذلك.
أو بإفساد العلاقات الاجتماعية بالغيبة والنميمة، وتحريض الزوج على زوجته او العكس، وتدبير المكايد بين فئات الناس، أو زرع العصبيات، أو التشجيع على تشكيل الأحزاب، أو ما يشبه ذلك.
وقد نبَّه الله تعالى في مطلع سورة "الفجر" وهي من أوائل سور التنزيل، على جرم الفساد وبيَّن خطورته وعاقبته، فذكر فيها أقواماً ووصفهم بأنهم:
15-
(الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12)
فإنهم أكثروا الفساد وتجرؤوا على المعاصي وتجبَّروا على أنبياء الله وعلى المؤمنين. ففي الآيات تنبيه وتقريع لمن بعدهم أن لا يعملوا بمثل عملهم فينزل بهم ما أنزل بأولئك؛ مع بأسهم وشدَّتهم وعددهم وأموالهم التي أنفقوها في ذات العماد، وما فعلته ثمود في جـوب الصـخر، وفرعون ذو الأوتاد فاعل أفاعيله الهائلة المنكرة، كيف أفناهم وأبادهم ومحا آثارهم وجعلهم عبرة للمعتبرين وعظة للمتعظين. وقوله تعالى في السورة:
16-
(إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ(14)
كناية عن مراقبة الله للمجرمين دواماً، فلا يتركهم لطغيانهم، بل هذا من آثار رحمته سبحانه وربوبيته، فالله تعالى بالمرصاد لكل من طغى، واعتدى، وتكبَّر، وأفسد، فإنه له بالمرصاد سوف يعاقبه ويؤاخذه، فالآية تفيد التهديد والوعيد لمن استكبر عن عبادة الله، أو كذَّب خبره، أو عصى وأفسد في الأرض، وفي مضمون ما تقدم؛ رسالة إنذار لكل من خالف الرسالة العظيمة وصدَّ عن الدعوة السلفية في القدس وينتصر للمنافقين.
ولأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة، فالفساد في الأرض بالعصيان والاستكبار، لذا كان عاقبة من قالوا:
17-
(..سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا..(93) 
أنهم نالوا بسبب أعمالهم الفاسدة ما يستحقونه، فكان أن منعهم الله أولاً فهم الحجج والأدلة، قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:
18-
"كما استكبروا بغير حق أذلهم الله بالجهل".
وإصرار العصاة المنافقين في أمة بني إسرائيل على المخالفة والابتداع والفساد قادهم إلى شؤم الكفر بحبهم العجل.
فالفاسدون وإن اتضحت أمامهم معالم الهدى والسداد والصواب والحق، لكنهم في الحقيقة يؤثرون طريق الضلال والباطل. فهم لاستكبارهم عن الحق أو استحقارهم للناس، تختل رؤيتهم بسبب انهماكهم في الهوى وحبِّ الجاه؛ فيعصون الله.
واعلم أن ظهور الفساد وانتشاره في المجتمع لا يتم عبثاً ولا اعتباطاً، وإنما يتم لأسباب منها إعراض الناس عن طاعة الله تعالى واستكبارهم عن اتباع الحق، وارتكابهم المعاصي، قال تعالى:
19-
(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ..(41) 
وبانت آثار الفساد في البر والبحر فانتزعت البركة، ونقصت الثمار والزروع، وكثرت الأمراض، ووقع الهرج، وسفكت الدماء، وارتفعت وتيرة الأحقاد والعدوان بين الناس. فلم يتوقف فعل العصاة المنافقين عند حدِّ فسادهم العقدي بل تعدّى في الأرض إلى إفساد الدين، والأخلاق، والأعمال، والأرزاق. عن مالك بن دينار قال:
20-
"أقسم لكم لو نبت للمنافقين أذناب ما وجد المؤمنون أرضاً يمشون عليها".
وهذا الأثر أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (2/376) قال:
21-
"حدثنا أبو بكر بن مالك، قال: ثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني علي بن مسلم، قال: ثنا سيار، قال: ثنا جعفر، قال: سمعت مالكاً يقول: فذكره".
وعلي بن مسلم هو: ابن سعيد الطوسي، أبو الحسن، ثقة، روى عنه البخاري، وأبو داود، والنسائي، توفي سنة 253 هـ.
وسيار هو: ابن حاتم العنزي، صدوق وفيه كلام يسير، مات سنة 199 هـ. وجعفر هو: ابن سليمان الضبعي البصري، يكنى أبا سليمان، ثقة فيه تشيع، مات سنة 178 هـ.
ومالك بن دينار أبو يحيي البصري صاحب الأثر ثقة، قال الإمام الذهبي: "صدوق ما علمت فيه جرحاً، وقد قال فيه النسائي ثقة، وخرَّج له مسلم متابعة، والبخاري تعليقاً". مات سنة 123هـ.
فالأثر إسناده لا بأس به، ويحتج به لا سيما وله شواهد منها أن النبي – صلى الله عليه وسلم - قال:
22-
"وإن من الأنبياء نبياً ما يصدقه من أمته إلا رجل واحد". 
وقوله:
23-
"عرضت علي الأمم فرأيت النبي - صلى الله عليه و سلم - ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد ... . الحديث". 
وعن ابن القيم – رحمه الله –قال:
24-
"كاد القرآن أن يكون كله في شأنهم لكثرتهم على ظهر الأرض وفي أجواف القبور، فلا خلت بقاع الأرض منهم لئلا يستوحش المؤمنون في الطرقات وتتعطل بهم أسباب المعايش وتخطفهم الوحوش والسباع في الفلوات"
ولا شك أيضاً أن الشواهد من الواقع – اليوم – تشهد لأثر مالك بن دينار، فإن ظهور النفاق بات واضحاً لذي عينين، وسوف نأتي على بيان ذلك في بحثنا – إن شاء الله -.
وقد نفى الله تعالى في سورة البقرة ـ وهي من أوائل السور المدنية نزولاً - محبته للفساد فقال:
25- (..وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ(205)
ونفى في سورة "المائدة" محبته للمفسدين فقال:
26- (..وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64)
ويأخذك العجب والاستغراب  وأنت ترى كمّا هائلاً من العلماء السوء المفسدين وأمثالهم من محبي الرياسة؛ فإنهم يؤثرون الدنيا، ويتبعون الشبهات لأجل الوصول إلى أغراضهم من الشهوات!!
وفيما تقدّم نخلص إلى أن المنافق اتخذ لشخصيته تركيبة معقدة، ألَّف فيها بين سموم النفاق التي نبتت في آلة قلبه، وبين بثِّه لهذه السموم من خلال آلات جوارحه، فهو يتظاهر بالإيمان، ويخادع ويراوغ بفن، ويكذب بعنجهية، ويدّعي الصلاح بدون مبالاة، حتى غدا بهذه الصفات – التي ظهرت لدينا حتى هذه اللحظة - مخلوقاً في غاية الخطورة، ليس خطيراً على نفسه فحسب بعد أن خدعها وأوهمها، بل على المجتمعات الإنسانية بأسرها، لأننا رأيناه لا يكتفي ببث سمومه الفاسدة على من حوله من الناس، بل على الأرض كلها.
واعلم أن أعظم الفساد: النفاق الذي فيه الكفر بالله، والشرك به، كما قال ابن تيمية – رحمه الله -:
27-
"فَالشِّرْكُ، وَالدَّعْوَةُ إلَى غَيْرِ اللَّهِ، وَإِقَامَةُ مَعْبُودٍ غَيْرِهِ، أَوْ مُطَاعٍ مُتَّبَعٍ غَيْرِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ أَعْظَمُ الْفَسَادِ".
ولذلك قرن الله تعالى النفاق بموبقات كثيرة: قرنه بالكفر، والشرك، والفسق، والتظاهر بالإيمان، والتظاهر بالصلاح، والكذب، والخداع، والفساد بكل أنواعه، وقرنه بالشر، والغدر، وشدَّة الخصام، وإخلاف الوعد، والخيانة، والضلال، إلى غير ذلك من ألوان الموبقات التي سنتعرض لها في بحثنا – إن شاء الله -.
وقرن الله تعالى المنافقين بخصال في غاية السوء ونعتهم بنعوت في منتهى الحقارة، وقرنهم بالصدِّ عن سبيل الله، والإضلال، والإفساد، وبموالاة الكفار، وبالنار، وبالدرك الأسفل منها، وقرنهم بالطعن بدين الله، ومحاربة الله ورسوله، والطعن بالصحابة، والطعن بالطائفة المنصورة والفرقة الناجية، إلى غير ذلك مما سنتعرض له في بحثنا – إن شاء الله -.
وكما أن الشرك بالله والكفر به أعظم الفساد، فإن الإيمان بالله وتوحيده، والتقرب إليه بما شرع من الأعمال الصالحة من أعظم الصلاح. 
لذلك قرن الله تعالى الصلاح بتوحيده وبتوحيد أسمائه وصفاته، وقرنه بالخير، وبالعمل الصالح، وقرن المؤمنين بالحق، وبالدعوة إلى الله، وبمحبة الله، وباتباع النبي – صلى الله عليه وسلم -، وقرنهم بالجنة، وقرنهم بخصال حسنة كثيرة هي بخلاف ما عليه الكفار والمنافقون، قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
28-
"فَأَصْلُ الصَّلَاحِ: التَّوْحِيدُ وَالْإِيمَانُ، وَأَصْلُ الْفَسَادِ: الشِّرْكُ وَالْكُفْرُ". 

المقال كاملا هنا  بصيغة بي دي أف