زمن الكشف والغربلة وشبكات العناكب
الثلاثاء | 06/05/2014 - 07:35 صباحاً


زمن الكشف والغربلة وشبكات العناكب


إعداد: هشام بن فهمي العارف 


تاريخ 1429/6/13


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
أما بعد؛


الفصل الأول
أساليب المبطلين أساليب العناكب 


إذا نظرت ـ أيها العاقل الأثري ـ لأساليب المبطلين في محاولاتهم إبطال الحجج العلمية الساطعة الباهرة، فستجدها بوهنها كبيت العنكبوت، ذلك لأنهم:
1-
(..اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ..(41)[1]
ولو كان المبطلون أهل علم وفطنة، لما ذهبوا إلى استعمال أساليب مكشوفة بعيدة كل البعد عن الحكمة والشجاعة، لكنهم لمّا اختاروا بمحض إراداتهم هذه المعالجة لمواقفهم المتكررة الخاطئة، فَحُش وقوعهم في الخطأ وغَلُظ، لأنهم غيَّبوا رقابة رب العزة الذي هو لهم بالمرصاد. فألجأهم إلى خشية البشر، وصيَّرهم إلى امتحان وابتلاء عسير.
2-
(..وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ..(46).[2]
3- (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ..(66).[3]
والله ـ عز وجل ـ سخَّر لأحمق الناس ـ الذين أصابهم الغرور يوماً ما ـ علوماً ذكيـة استفادوا منـها في صناعة نسيـج شبكاتهم ـ الرقيقة ـ المهلهلة.
كما ـ سبحانه ـ خلق العنكبوت وأعطاها من التسخير لتبني بيتها من نسيج أعمالها؛ خيوطاً من أقوى الفخاخ ـ بظنها ـ لتوقع بغيرها فريسة في شباكها، وغاب عنها ـ لشدة حماقتها ـ أن القادر الحكيم هو نفسه الذي جعل بيتها أوهى البيوت، لأنه يعلم أنها وهي تبني هذه الفخاخ المحكمة اغترَّت معتمدة على إتقان صنعتها...
ولا زالت المُسَيكينة (!!!) ماضية مغرورة بفخاخها، وبيتها من أوهى البيوت، حتى تأكل بعضها بعضاً.
لذا نبَّه الله تعالى إلى أنه لا يترك الناس دون فتنة: أي: ابتلاء واختبار، لأجل قولهم آمنا، بل إذا قالوا آمنا فتنوا، واختبروا بأنواع الابتلاء.
فلا يجوز للمرء أن يغترَّ بقوله "أنا سلفي" أو يدعو إلى "السلفية" وهو لا يبادر:
4-
"بالأعمال".
يعني: الصالحة، لأن وراءها كما قال – صلى الله عليه وسلم -:
5-
"فتناً كقطع الليل المظلم".
وبناء عليه فكلما تقدم القائل في جبهة الحق عاملاً ـ حقاً في سبيل الله ـ كلما كان بلاؤه أشد، لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
6-
"إن أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم".[4]
فمن تقدَّم فإنه يتعرض للفتنة التي يقدِّرها الله عز وجل بقدره متى شاء، ليتميز من خلالها الصادق في تبعيته للحق من الكاذب المكذِّب، وليتميَّز الذي على الحقيقة من المزيَّف المزيِّف، وليُعرف المؤمن من المنافق، لذا قال تعالى في مطلع سورة العنكبوت:
7-
(أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3).
فقوله تعالى (أَحَسِبَ النَّاسُ) استفهام إنكار، معناه أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ لا بد أن يبتلي عباده المؤمنين، بحسب ما عندهم من الإيمان، فمنهم من يثبت، ومنهم من تصيبهم الفتنة فتبلغ به إلى الردَّة ـ والعياذ بالله ـ، قال الراغب الأصبهاني:
8-
"ومعناه إذا نالتهم محنة ارتدوا".[5]
وقال الإمام البخاري – رحمه الله-:
9-
(فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ) "علم الله ذلك، إنما هي بمنزلة فليميز الله، كقوله:
10-
(لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ..(37).[6]
كما قال تعالى في "سورة الحج":
11
-(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11).
ولمّا كان ابتلاء الله تعالى لمن قال أنا "سلفي"، ابتلاءً ليس بالسهل، لذا فنتائجه عند الفتنة ستكون مذهلة لأنها تشير إلى قوة الجهد في الكشف والغربلة.
ومن الجهد في الغربلة ما حلفت به أم سعد على ولدها سعد بن أبي وقاص ـ رضي الله عنه ـ أن لا تكلمه أبداً حتى يكفر بدينه، ولا تأكل ولا تشرب، قالت:
"زعَمْت أن الله أوصاك بوالديك وأنا أمك، وأنا آمرك بهذا"، قال:
12-
"مكثت ثلاثاً حتى غشي عليها من الجهد، فقام ابن لها يقال له عمارة فسقاها، فجعلت تدعو على سعد فأنزل الله عز وجل في القرآن هذه الآية":
13-
(وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15)[7]
الحديث أخرجه الإمام مسلم في كتاب فضائل الصحابة من "صحيحه" ـ فضل سعد بن أبي وقاص ـ.
ونزول سورة لقمان سابق لنزول سورة العنكبوت. ففي رواية: قالت أم سعد لولدها سعد بن أبي وقاص ـ رضي الله عنه ـ:
"أليس قد أمر الله بالبر؟ والله لا أطعم طعاماً ولا أشرب شراباً حتى أموت أو أكفر، قال:
14-
"فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها فنزلت هذه الآية:
15- (وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).[8]
وهذا يدلّ على ثبات سعد ـ رضي الله عنه ـ على موقفه من أمه، ـ من حين نزول سورة لقمان إلى نزول سورة العنكبوت ـ وهو الإصرار على الحق، ولم يتراجع ولم يحتَل أو يتلون.
وهكذا انتصر الإيمان على فتنة القرابة والرحم واستبقى الإحسان والبر، وإن المؤمن لعرضة لمثل هذه الفتنة في كل آن.
فإذا تعرض السلفي للأذى فعليه أن يثبت على الحق، ويتذكر فعل الأنبياء ـ عليهم السلام ـ وما جرى لسعد ـ رضي الله عنه ـ. وقال تعالى في السورة:
16-
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ..(10)
قال الشنقيطي – رحمه الله -:
17-
"يعني أن من الناس من يقول: آمنا بالله بلسانه، فإذا أوذي في الله: أي آذاه الكفار إيذاءهم للمسلمين جعل فتنة الناس، صارفة له عن الدين إلى الردة، والعياذ بالله، كعذاب الله فإنه صارف رادع عن الكفر والمعاصي".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:
18-
"وأما أهل السنة والحديث فما يعلم أحد من علمائهم ولا صالح عامتهم رجع قط عن قوله واعتقاده، بل هم أعظم الناس صبراً على ذلك، وإن امتحنوا بأنواع المحن وفتنوا بأنواع الفتن، وهذه حال الأنبياء وأتباعهم من المتقدمين كأهل الأخدود ونحوهم، وكسلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين وغيرهم من الأئمة حتى كان مالك ـ رحمه الله ـ يقول لا تغبطوا أحداً لم يصبه في هذا الأمر بلاء، يقول: إن الله لا بد أن يبتلي المؤمن فإن صبر رفع درجته".[9]


الفصل الثاني
الكشف والغربلة


"والغربلة يقال: معناه: يذهب خيارهم، ويبقى أرذالهم. والمُغربَل: المنتقى، كأنه نقّيَ بالغربال.[10] ومنه حديث مكحول:
19-
"ثم أتيت الشام فغربلتها".[11]
أي: كشفتُ حال من بها وخبرتهم، كأنه جعلهم في غربال فَفَرق بين الجيد والرديء. والغربلة أشار إليها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين قال لعبد الله بن عمرو:
20-
"كيف بك يا عبد الله بن عمرو إذا بقيت في حُثالة من الناس مرجت عهودهم وأماناتهم، واختلفوا فصاروا هكذا: وشبك بين أصابعه، قال: قلت: يا رسول الله ما تأمرني؟ قال: عليك بخاصتك، ودع عنك عوامهم".[12]
والحُثالة: الرديء من كل شيء. ومعنى مرجت عهودهم وأماناتهم: اختلطت، فلما اختلطوا اختلفوا؛ فدفعهم اختلافهم الشديد إلى التكذيب. قال تعالى في سورة "ق":
21-
(بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (5)
أي: مختلط وملتبس. وقال تعالى في سورة "ص":
22-
(...وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ..(24).
23- "فلهذا السبب خص داود ـ عليه السلام ـ الخلطاء بزيادة البغي والعدوان، ثم استثنى عن هذا الحكم الذي آمنوا وعملوا الصالحات، لأن مخالطة هؤلاء لا تكون إلا لأجل الدين وطلب السعادات الروحانية الحقيقية، فلا جرم مخالطتهم لا توجب المنازعة، وأما الذين تكون مخالطتهم لأجل حب الدنيا لا بد وأن تصير مخالتطهم سبباً لمزيد البغي والعدوان، واعلم أن هذا الاستثناء يدل على أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا يبغي بعضهم على بعض".[13]
وأصل المرج: الاضطراب والقلق، يقال: مرج أمر الناس، ومرج أمر الدين، ومرج الخاتم في إصبعي إذا قلق من الهزال. ومرجت: اختلفت وفسدت وقلَّت فيهم أسباب الديانات والأمانات. والعهود: جمع عهد، وهو اليمين، والأمان، والذمة، والحفاظ، ورعاية الحرمة، والوصية. ومعنى خفَّت: قلَّت، والأمانة ضد الخيانة. وفي رواية للحديث الذي تقدم:
24-
"كيف بكم وبزمان يغربل الناس فيه غربلة".[14]
فهل أتى زمان الغربلة؟!!! قال ابن العربي:
وأما اليوم وقد مرجت عهود الناس، وخفَّت أماناتهم، واستولى الحرام على الحطام، فالعزلة خير من الخلطة.[15]
وفي رواية:
25-
"كيف بكم بزمان يوشك أن يأتي يغربل الناس فيه غربلة، ويبقى حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم واختلفوا، وكانوا هكذا ـ وشبك بين أصابعه ـ تأخذون بما تعرفون، وتدعون ما تنكرون، وتقبلون على أمر خاصتكم، وتذرون أمر عامتكم".[16]
وفي رواية: "بينما نحن حول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، إذ ذكروا الفتنة، أو ذكرت عنده، قال:
26-
"إذا رأيت الناس قد مرجت عهودهم وخفت أماناتهم وكانوا هكذا وشبك بين أصابعه . قال ( الراوي ) فقمت إليه فقلت له كيف أفعل عند ذلك جعلني الله فداك؟ قال: الزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ ما تعرف ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك ودع عنك أمر العامة".[17]
وخص اللسان لأن الأعضاء تبع له، فإن استقام استقامت، وإن اعوج اعوجت، قال المناوي – رحمه الله-:
27-
"والإنكار بالقلب من الانجماع، وهذا رخصة في ترك الأمر بالمعروف إذا كثر الأشرار وضعف الأخيار". [18]
وفي رواية عن ابن عمر:
28-
"يوشك أن يأتي زمان يغربل فيه الناس غربلة وتبقى حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم واختلفوا فكانوا هكذا - وشبك بين أصابعه – قالوا: كيف بنا يا رسول الله؟! قال: تأخذون ما تعرفون، وتدعون ما تنكرون، وتقبلون على أمر خاصتكم، وتذرون أمر عامتكم".[19]


الفصل الثالث
المنافقون
وتصطنع العنكبوت الموت لتحيا وتعيش، فهي تعتمد على الحيلة والمكر في التلون والتشكل للوصول إلى مآربها وتأمين عيشها.


والعناكب ضروب، وتوصَّل العلماء الباحثون إلى وصف أكثر من (35000) نوع من العناكب المختلفة الأحجام والأشكال والألوان، يتطلب التمييز بين أغلبها استخدام المجهر.
في نسج العنكبوت حبل النجاة، عبارة عن خيط يستخدمه العنكبوت في أغراض معيشية شتى.
وبيوت العنكبوت أربعة أنواع:
البيت الشبكي الغير المنتظم، والشبكة فيه معقدة محيرة.
والبيت القمعي الشكل والشبكة قائمة فيه على دهاليز ناعمة الملمس.
والبيت الشراعي.
والبيت الدائري النسج وهو من أعجبها.[20]
ولست بصدد وصف العناكب وبيوتها، لكني أردت أن يفهم الناس أن العناكب مهما بلغت في ذكائها ـ مغترّةً ـ فهي مكشوفة الحيلة، وبيتها أوهى البيوت، لا دفعت به عدوّاً، ولا حمت فيه صديقاً.
والعنكبوت صاحبة الحيلة والتلون جاء ذكرها في كتاب الله العزيز، وسميت سورة باسمها، والله تعالى خصَّ المنافقين فيها فقال:
29-
(وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (11).
ولا تتم المفاصلة والتمايز في الصفوف حتى يعرف المنافقون المفسدون، ولم يسمع سعد ـ رضي الله عنه ـ لقول أمه، عندما عايش الابتلاء والاختبار بأقرب الناس إليه، وهذا تنبيه واضح لكل سلفي، فلا يجوز للسلفي أن يسمع للمنافقين الذين يحرّضون على الباطل لذا قال تعالى في السورة:
30-
(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (12)


الفصل الرابع
الدعوة السلفية هي دعوة الأنبياء والرسل


وجاء ذكر نوح ـ عليه السلام ـ في سورة "العنكبوت" على اعتبار أنه أول نبي أرسل. ومقصود السورة ـ كما قال البقاعي ـ: "الحث على الاجتهاد في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعاء إلى الله تعالى وحمده من غير فترة". قال تعالى في السورة:
31-
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ..(14).
وفي السورة ذكر الله تعالى إبراهيم ـ عليه السلام ـ بقوله:
32-
(وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (16).
كيف تحلو المعيشة في مجتمع الكل فيه يقلد بعضه بعضاً، متجاوزين أوامر الله تعالى يعصونه جهاراً نهاراً لا يستحون منه، يهجمون على من خالفهم ظانين بعد أن أعمى التقليد بصيرتهم، وألفوا أباطيلهم أنهم على حق، وأن الذي يدعوهم إلى الله بالمعروف على باطل؟
كيف تحلو المعيشة في مجتمع يخضع فيه الناس للحياء الاجتماعي أكثر مما يستحون من الله؟
كيف تحلو المعيشة في مجتمع يجاري ويجامل الجميع فيه بعضهم بعضاً خطأ، ويتفقون على عدم مجاراة المصيب عمداً؟
لقد فضح إبراهيم ـ عليه السلام ـ بعد نجاته من النار هذه العقدة قبل أن يعتزلهم:
33-
(وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (25)[21]
فسبحان الله تعالى، أإلى هذا الحد طمس التقليد عليهم؟ حتى معجزة خروجه من النار سالماً لم تؤثر فيهم، لما بينهم من مودة وللباطل على حساب الحق؟!!
ونجا لوط بعد أن كادوا لإبراهيم ـ عليهما السلام ـ قال تعالى في سورة الأنبياء:
34-
(وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمْ الأخْسَرِينَ(70) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71).
عن الحسن:
35- "
أن الأرض التي باركنا فيها: الشام".[22]
وروي ذلك عن مجاهد، وابن زيد، وابن جريج. وعن قتادة:
36-
"كانا بأرض العراق، فأنجيا إلى أرض الشام، وكان يقال للشام عماد دار الهجرة، وما نقص من الأرض زيد في الشام، وما نقص في الشام زيد في فلسطين، وكان يقال: هي أرض المحشر والمنشر، وبها مجمع الناس، وبها ينزل عيسى بن مريم، وبها يهلك الله شيخ الضلالة الكذَّاب الدجال".[23]
وقال ابن جرير ـ رحمه الله ـ:
37-
"هي أرض الشام، وإنما اخترنا ما اخترنا من القول في ذلك لأنه لا خلاف بين جميع أهل العلم أن هجرة إبراهيم من العراق كانت إلى الشام، وبها كان مقامه أيام حياته، وإن كان قد كان قدم مكة، وبنى بها البيت، وأسكنها إسماعيل ابنه مع أمه هاجر، غير أنه لم يقم بها، ولم يتخذها وطناً لنفسه، ولا لوط، والله إنما أخبر عن إبراهيم ولوط أنهما أنجاهما إلى الأرض التي بارك فيها للعالمين".
وقال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:
38-
"ومعلوم أن إبراهيم إنما أنجاه الله ولوطاً إلى أرض الشام من أرض الجزيرة والعراق".
وقال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:
39-
"يقول ـ تعالى ـ مخبراً عن إبراهيم أنه سلمه الله من نار قومه وأخرجه من بين أظهرهم مهاجراً إلى بلاد الشام إلى الأرض المقدسة منها".
وقال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:
40-
"أي: الشام، .. ومن بركة الشام، أن كثيراً من الأنبياء كانوا فيها، وأن الله أختارها، مهاجراً لخليله، وفيها أحد بيوته الثلاثة المقدسة، وهو بيت المقدس".
وقال الشنقيطي ـ رحمه الله ـ:
41-
"وما أشار إليه ـ جل وعلا ـ من أنه بارك للعالمين في الأرض المذكورة التي هي الشام على قول الجمهور..بيَّنَه في غير هذا الموضع".
وفي سورة "العنكبوت" وهي بعد سورة الأنبياء نزولاً، بيَّن الله تعالى مهاجر إبراهيم ولوط ـ فقال:
42-
(فَآَمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26).
ومعلوم أن إبراهيم طلب الهجرة إلى بلاد الشام، وشاركه في الهجرة لوط ـ صلى الله عليهما وسلم ـ لذا كانت الأرض المقدسة المباركة مهاجر إبراهيم ـ عليه السلام ـ جاء ذلك عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً:
43-
"ستكون هجرة بعد هجرة فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم ويبقى في الأرض شرار أهلها تلفظهم أرضوهم تقذرهم نفس الله وتحشرهم النار مع القردة والخنازير".[24]
ولي مقالة أحرض فيها على الهجرة إلى بلاد الشام ـ أحررها قريباً إن شاء الله ـ لأنها مهاجر إبراهيم، وحصلت له فيها بركات منها ما ذكره الله تعالى في سورة "العنكبوت":
44-
(وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآَتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (27).
وإنما خصهما ـ عليهما السلام ـ بالذكر هنا للزومهما محل إقامته في القدس في بلاد الشام، وقيامهما بعد موته بخلافته، ولربما ناسب ذكرهما هنا أيضاً كمال عظم النعم التي أعطاها الله تعالى إياه بمقابلة من اعتزلهم من الأهل والأقرباء فإنهما شجرتا الأنبياء. ووهبهم الله شيئاً عظيماً جداً، وهبهم البركة في الأموال والأولاد، ووهبهم إجابة الدعاء، واللطف في القضاء، يهدون بأمر الله فكان العوض وكان الجزاء.
ولربما ناسب ذكرهما هنا للدور الذي يسره الله تعالى لتكون بلاد الشام وفيها المسجد الأقصى منبراً لإعلاء كلمة التوحيد، وليكون قبلة المسلمين في تلك العهود.
ثم ذكر الله تعالى ما فعل بمدين وعاد وثمود وفرعون بعد أن بلغتهم الحجة، وختم بعد بيان ما لاقوه من العذاب بقوله:
45-
(..وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40)
وحصل الذي حصل لهذه الأقوام بعد أن برزت الصفوف وتغربلت وتميَّزت وكانت قد أفرزت إلى أقسام واضحة:
قسم مؤمن، وقسم منافق، وقسم كافر، وأخطرها القسم الثاني المنافق. لذا قال تعالى في السورة:
46-
(مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41).
وفي هذا المثال ـ للعاقل الأثري ـ كفاية وصيانة ووقاية، وقوله تعالى (اتَّخَذُوا) أي: تكلَّفوا أن أخذوا، قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:
47-
"وهذا بخلاف المسلم المؤمن قلبه لله، وهو مع ذلك يحسن العمل في اتباع الشرع فإنه متمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها لقوتها وثباتها".
ثم قال تعالى:
48-
(وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ (43).
وانتهت السورة بقوله تعالى:
49-
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ(68) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69).
نقل القرطبي في " تفسيره " عن الضحاك في معنى الآية قوله:
50-
"والذين جاهدوا في الهجرة لنَهدينَّهُم سبل الثبات على الإيمان".
ثم قال:
51-
"مثل السُنَّة في الدنيا كمثل الجنة في العقبى، من دخل الجنة في العقبى سَلِم، كذلك من لزم السُنَّة في الدنيا سَلِم".


[1] "سورة العنكبوت".

[2] "سورة النساء".

[3] "سورة المائدة".

[4] "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (1165).

[5] "تفسير الراغب الأصبهاني" (2/1388).

[6] "سورة الأنفال".

[7] "سورة لقمان".

[8] " سورة العنكبوت". والحديث أخرجه الترمذي، في تفسير سورة العنكبوت من سننه، "صحيح سنن الترمذي" (3189).

[9] "مجموع الفتاوى" (4/50-51).

[10] "غريب الحديث" (2/368) لابن قتيبة.

[11] "صحيح سنن أبي داود" (2750).

[12] "الصحيحة" (206).

[13] "تفسير الرازي" ـ الأشعري ـ.

[14] "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (205).

[15] "تفسير القرطبي" (19/44).

[16] "صحيح الجامع" (4594).

[17] "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (205).

[18] "فيض القدير" (626).

[19] "صحيح الجامع" (8185).

[20] "عجائب العنكبوت" ـ كارم السيد غنيم ـ (صفحة:51-52).

[21] "سورة العنكبوت".

[22] أخرجه ابن جرير الطبري في " جامع البيان "، والسمعاني في " فضائل الشام " وابن عساكر في " تاريخ مدينة دمشق".

[23] أخرجه ابن جرير في "صحيح الجامع".

[24] "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (3203).