نجاح القلة وإخفاق الكثرة في ابتلاء الله ـ عز وجل ـ
إعداد: هشام بن فهمي العارف
تاريخ 23/5/1429 الموافق 28/5/2008
تنساق الكثرة إلى أودية مرعبة، وقيعان لا نهاية لها، بينما تقف القلة تأبى هذا الانسياق في ابتلاء الله ـ عز وجل، لأنها في منظومة ربها على بصيرة من دينها. قال الإمام الأوزاعي ـ رحمه الله ـ: (1) "اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح ؛ فإنه يسعك ما وسعهم". وعلى الرغم من البيانات الواضحة، والآيات الساطعة، فإن الكثرة تأبى الانصياع بسهولة لأمر خالقها، وتستقل في كثير من أحيانها برأيها بعيدة عن تعاليم أنبيائها وعلمائها. فيكون هذا الاستقلال اعتداد بنفسها الأمارة بالسوء، أو مؤشر لضعف خبرتها وتجربتها في سنن الله ـ تعالى ـ، أو إفصاح عن جهلها بدين ربها وتوجيهات رسله ـ عليهم الصلاة والسلام ـ، أو محاولة لانتصار شخصها بالتفوق على علماء الدعوة السلفية. فهل على القلة أن تنساق للكثرة؟، أو على الكثرة أن تنساق للقلة؟، والجواب الحق: أن على الجميع اتباع الحق، على الجميع أن ينساق في الكبير والصغير والجزئية إلى أوامر الله ـ تعالى ـ وطاعته وطاعة أنبيائه، وطاعة العلماء الذين هم ورثة الأنبياء بما خصَّهم الله ـ تعالى ـ بهذا الشرف العظيم. والناس في الابتلاء على الطاعة، والامتثال لأمر الله ـ تعالى ـ الناجحون منهم قلة، وتفشل الكثرة؛ مع أنه ابتلاء ليس بالصعب، وأن بإمكان البشرية جميعاً ـ بما حباها الله من مؤهلات وقدرة واستطاعة ـ بعد دخولها الابتلاء في العبودية الخالصة لله أن ينجحوا فيه، لكن الذي يحول بينهم وبين النجاح الذي حققته القلة أسباب نشير إليها من خلال ما نسطِّره في مقالتنا المتواضعة، لأجل شحذ همَّة إخواننا السلفيين.
(1) إيثار الدنيا على الآخرة أو العكس
في سورة "ص" (38/نزول) أشار الله ـ تعالى ـ إلى قلة الذين آمنوا وعملوا الصالحات فقال: (2) (وَقَلِيلٌ مَا هُمْ..(24) فجاء مدحهم بالقلة، بعد ذم الكثرة من الخلطاء قال ـ تعالى ـ: (3) (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) استثنى الذين آمنوا عن البغي. وقد جاءت المبالغة في القلة من التنكير وزيادة ما الإبهامية ويتضمن ذلك التعجب، فإن الشيء إذا بولغ فيه كان مظنة للتعجب منه فكأنه قيل: ما أقلهم!! قال الرازي ـ الأشعري ـ: "فإن قيل لم خص داود الخلطاء يبغي بعضهم على بعض مع أن غير الخلطاء قد يفعلون ذلك؟ والجواب: لا شك أن المخالطة توجب كثرة المنازعة والمخاصمة، وذلك لأنهما إذا اختلطا اطلع كل واحد منهما على أحوال الآخر فكل ما يملكه من الأشياء النفيسة إذا اطلع عليه عظمت رغبته فيه، فيفضي ذلك إلى زيادة المخاصمة والمنازعة، فلهذا السبب خص داود ـ عليه السلام ـ الخلطاء بزيادة البغي والعدوان، ثم استثنى عن هذا الحكم الذي آمنوا وعلموا الصالحات لأن مخالطة هؤلاء لا تكون إلا لأجل الدين وطلب السعادات الروحانية الحقيقية، فلا جرم مخالطتهم لا توجب المنازعة، وأما الذين تكون مخالطتهم لأجل حب الدنيا لا بد وأن تصير مخالتطهم سبباً لمزيد البغي والعدوان، واعلم أن هذا الاستثناء يدل على أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا يبغي بعضهم على بعض، فلو كان داود ـ عليه السلام ـ قد بغى وتعدى على ذلك الرجل لزم بحكم فتوى داود أن لا يكون من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ومعلوم أن ذلك باطل، فثبت أن قول من يقول المراد من واقعة النعجة قصة داود قول باطل. ثم قال ـ تعالى ـ: (وَقليل مَّا هُم) واعلم أن الحكم بقلة أهل الخير كثير في القرآن". وفي الحقيقة أن الذين يفلتون من فتنة الدنيا ومن فتنة المال قلة، والنبي ـ صلى الله عليه وسلم حذَّر من فتنة الدنيا، وحذَّر من فتنة المال، فعـن مصعب بن سعد قال: قـال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (4) "احذروا الدنيا، فإنها حلوة خضرة". [أخرجه الإمام أحمد في "الزهد" وهو في "الصحيحة" (910)]. وعنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (5) "إن لكل امة فتنة، وفتنة أمتي المال". ["الصحيحة" (592)] ولقد نجت القلة من السقوط، بسبب صدق اتباعها، فأطاعت ربَّها وحَذِرت مما حذَّر منه، لذا قال بعض السلف ـ رحمهم الله ـ: "من أحب الدرهم والدينار فليتهيأ للذل". ونجت القلَّة لأنها تذكَّرت قول الله ـ تعالى ـ في تحذيره: (6) (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ) [آل عمران/14]. وعندما سمع عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ هذه الآية الكريمة قال: (7) "اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينته لنا، اللهم إني أسألك أن أنفقه في حقه". [رواه البخاري، "فتح الباري" (11/258)]
(2) القلَّة تذكَّرت فاتبعت، والكثرة ابتعدت
وفي سورة "الأعراف" (39/نزول) أمر الله ـ تعالى ـ في مطلعها بالاتباع فقال: (8) (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ(3). وفرق كبير بين اتباع الذكر وما أوحى الله لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبين اتباع الأهواء. وقد حث الله ـ تعالى ـ على اتباع هداه، واتباع الحق، واتباع نبيَّه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في كثير من آياته، قال ـ تعالى ـ في سورة محمد: (9) (ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (3). قال شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري ـ رحمه الله ـ فيما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في كتابه "الاستقامة" (1/110): "وأخبرني أحمد بن حمزة، حدثنا محمد بن الحسين ـ وهو أبو عبد الرحمن السلمي ـ يقول: بلغني أن بعض أصحاب أبي علي الجوزجاني سأله: كيف الطريق إلى الله؟ قال: أصح الطرق وأعمرها وأبعدها من الشبه: اتباع الكتاب والسنة، قولاً وفعلاً، وعقداً ونيةً، لأن الله يقول: (10) (..وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا..(54) [سورة النور]. فسأله: كيف طريق اتباع السنة؟ قال: بمجانبة البدع، واتباع ما اجتمع عليه الصدر الأول من علماء الإسلام وأهله، والتباعد عن مجالس الكلام وأهله، ولزوم طريقة الاقتداء والاتباع، بذلك أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله ـ تعالى ـ: (11) (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا..(123)". [سورة النحل] والسلفيون ـ ولله الحمد ـ أكثر الناس اتباعاً لنبيِّهم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهو قدوتهم في كل شيء، وتعلموا منه كما تعلم الأوائل منه، فقدوتهم بعد نبيِّهم الصحابة ـ رضوان الله عنهم ـ فهم أتباع التبع. قال شيخنا الألباني ـ رحمه الله ـ في كتابه "التوسل": "أقول : إننا ـ والحمد لله ـ من أول الناس اعترافاً بذلك كله، ولعل منزلته ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندنا محفوظة أكثر بكثير مما هي محفوظة لدى الآخرين، الذين يدَّعون محبته، ويتظاهرون بمعرفة قدره، لأن العبرة في ذلك كله إنما هي في الاتباع له ـ صلى الله عليه وسلم ـ وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، كما قال ـ سبحانه وتعالى ـ: (12) (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) [ آل عمران : 31 ] ونحن بفضل الله من أحرص الناس على طاعة الله ـ عز وجل ـ واتباع نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهما أصدق الأدلة على المودة والمحبة الخالصة، بخلاف الغلو في التعظيم والإفراط في الوصف الذي نهى الله ـ تعالى ـ عنهما". ومن أخطر ما حذر الله منه؛ اتباع الأهواء، لأنه اتباع للباطل، فالابتداع في الدين سببه اتباع الهوى، قال ـ تعالى ـ في سورة الأنعام/119: (13) (...وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ) قال ابن كثير: "أي: هو أعلم باعتدائهم وكذبهم وافترائهم". واتباع الهوى يؤدي بصاحبه إلى الغلو، والغلو مدعاة إلى الانشقاق والافتراق. والافتراق عن منهاج النبوة والسلف عنوان للحزبيات المقيتة والتجمعات الحاقدة، التي يقع للأسف في براثنها الكثير من الناس، قال ـ تعالى ـ في سورة المائدة: (14) (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ).
قال ـ تعالى ـ في سورة يونس (51/نزول): (15) (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (35) وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (36). لقد عطلوا أدوات الانتفاع بالعلم الشرعي فبقي حجة عليهم فاستحقوا أن يوصفوا بالغافلين لأنهم غفلوا عن الانتفاع بنعم النفع. لذا قال ـ تعالى ـ في السورة: (16) (...وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92) ولغفلتهم حرموا الانتفاع بما أخبر الله ـ تعالى ـ في كتابه العزيز، فلم يعتبروا على الرغم من التكرار، والسبب عدم إقبالهم على ما في القرآن من الهدى والرحمة، فلو كانوا عقلاء حكماء مؤمنين إيماناً قوياً لانتفعوا فخرجوا من الغفلة. لكنهم آثروا الضلال على الهدى لذلك جاء تحذير رب العالمين لأتباعه من طاعة الكثرة في ضلالهم.
(4) القلة هم الغرباء، والكثرة ضالة
حرص السلفيون على التمسك دوماً بمنهاج ربهم ـ عز وجل ـ، وهو منهاج نبيهم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو منهاج الأنبياء والمرسلين جميعاً، وهو منهاج الصحابة ـ رضوان الله عنهم ـ. وبناء على هذا فالسلفيون غرباء، والغرباء وصف سماه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، لأنصاره الحريصين كل الحرص على اتباعه، وإحياء سننه. وقد فسَّره ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله: (17) "النزاع من القبائل"["صحيح سنن ابن ماجه" (3988)] وفسَّره بقوله: (18) "أناس صالحون قليل، في أناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم"، ["صحيح الجامع" (3921)]. وفسَّره بقوله: (19) "الذين يصلحون إذا فسد الناس".["الصحيحة" (1273)]. قـال سفيان الثوري ـ رحمه الله ـ: (20) "استوصوا بأهل السنة خيراً فإنهم غرباء". وقال الحسن بن أبي الحسن ـ رحمه الله ـ: (21) "يا أهل السنة ترفقوا رحمكم الله؛ فإنكم أقل الناس". وقال يونس بن عبيد: (22) "ليس شيء أغرب من السنة، واغرب منها من يعرفها". وبعد أن نقل ابن رجب هذه الأقوال في كتابه "كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة (صفحة: 56-57) قال: "ثم صار في عرف كثير من العلماء المتأخرين من أهل الحديث وغيرهم، السنة عبارة عمَّا سلم من الشبهات في الاعتقادات خاصة في مسائل الإيمان بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر". وإذا كان الغرباء القلة صالحون في وسط من الناس أكثريتهم فاسدون كما أشار إليها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقد نبَّه الله ـ عز وجل ـ إليها أيضاً في سورة هود (52/نزول) بقوله:
(23) (فَلَوْلا كَانَ مِنْ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنْ الْفَسَادِ فِي الأرْضِ إِلاًّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ(116)وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ(117).
قال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ: "وفي هذا حث لهذه الأمة أن يكون فيهم بقايا مصلحون لما أفسد الناس، قائمون بدين الله يدعون من ضلَّ إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، ويبصرونهم من العمى. وهذه الحالة أعلى حالة يرغب فيها الراغبون، وصاحبها يكون إماماً في الدين، إذ جعل عمله خالصاً لرب العالمين". أ.هـ
وقد بيًّن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه سيكون في هذه الأمة من أمثال هؤلاء، فعنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:
(24) "إن من أمتي قوماً يعطون مثل أجور أولهم، ينكرون المنكر".["الصحيحة" (1700)]
وقال ابن كثير ـ رحمه الله ـ يفسر الآية: "فهلا وجد من القرون الماضية بقايا من أهل الخير ينهون عما كان يقع بينهم من الشرور والمنكرات والفساد في الأرض (إِلاًّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ) أي قد وجد منهم من هذا الضرب قليل، لم يكونوا كثيراً، وهم الذين أنجاهم الله عند حلول غضبه وفجأة نقمته، ولهذا أمر الله ـ تعالى ـ هذه الأمة الشريفة أن يكون فيها من يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر كما قال ـ تعالى ـ في سورة آل عمران:
(25) (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ(104)".
ولم تلتفت الكثرة الطاغية العاصية للقلة المؤمنة الداعية إلى الحق، واستمروا في ضلالهم وغيِّهم كما قال ـ تعالى ـ في الآية: (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ) قال ابن كثير: "أي استمروا على ما هم عليه من المعاصي والمنكرات، ولم يلتفتوا إلى إنكار أولئك حتى فجأهم العذاب".
وهذه حال أتباع الأنبياء أنهم قلة في وسط الأكثرية الفاسدة، قال ـ تعالى ـ في سورة الشعراء(47/نزول): (26) (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) (لَشِرْذِمَةٌ) يعني بني إِسرائيل، قال ابن قتيبة: أي: طائفة. قال الزجاج: والشرذمة في كلام العرب: القليل. وقال ـ تعالى ـ في وصف من اتبع نوح ـ عليه السلام ـ في سورة هود (52/نزول): (27) (وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (40). قال شيخنا الألباني: "فالمؤمن لا يستوحش من قلة السالكين على طريق الهدى، ولا يضره كثرة المخالفين". [ختام رسالته "صلاة العيدين في المصلى هي السنة"] وقال الإمام الشاطبي: وهذه سنة الله في الخلق، أن أهل الحق في جنب أهل الباطل قليل، لقوله ـ تعالى ـ: (28) (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) وقوله: (29) (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ) ولينجز الله ما وعد به نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ من عود وصف الغربة إليه، فإن الغربة لا تكون إلا مع فقد الأهل أو قلتهم، وذلك حين يصير المعروف منكراً والمنكر معروفاً، وتصير السنة بدعة، والبدعة سنة". ولقد ذم الله ـ تعالى ـ الكثرة من الجن والإنس بسبب الذي تقدم أو بسبب الذي سيأتي بيانه؛ قال في سورة الأعراف(39/نزول): (30) (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأْنعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179). وسبب تعطيلهم أدوات الانتفاع هو الظن المشئوم الذي أودى بهم إلى الضلال والإضلال. وقال ـ تعالى ـ في سورة يوسف (53/نزول): (31) (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106). قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وعامر، والشعبي، واكثر المفسرين: إن معنى هذه الآية: أن أكثر الناس وهم الكفار ما كانوا يؤمنون بالله بتوحيدهم له في الربوبية، إلا وهم مشركون به غيره في عبادته. وبذلك يتبيَّن لنا أن سبب الضلال المؤدي إلى الإضلال هو الشرك بالله ـ تعالى ـ. الذي حذَّر الله من عاقبته الوخيمة وهي الخلود في نار جهنم، لذا حذَّر ـ عز وجل ـ من طاعة الأكثرية في ضلالها، لأنها متبعة الظّن، وهذا يؤدي بها في كثير من الأحيان إلى الشرك بالله، قال ـ تعالى ـ في سورة الأنعام(55/نزول): (32) (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ (116). فأخبر الله ـ تعالى ـ عن حال أكثر أهل الأرض من بني آدم أنهم على الضلال، بل ويجتهدون في الدعاء إليه، وهم في ضلالهم ليسوا على يقين من أمرهم، وإنما هم في ظنون كاذبة وحسبان باطل، كما قال ـ تعالى ـ في سورة الصافات (56/نزول): (33) (وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأوَّلِينَ(103). وقال ـ تعالى ـ في سورة نوح (71/نزول): (34) (وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلالاً (24). وقال في سورة إبراهيم (72/نزول): (35) (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ...(36). فنسب الله ـ تعالى ـ الإضلال إليهن، والإضلال هو ضرر لمن أضللنه، فالعلاقة مع الأصنام علاقة سببية.
إن القلة المؤمنة حجة على الكثرة الهالكة، وكما ترى أخي السلفي المقتدي بمنهج الأنبياء في الدعوة إلى الله ـ تعالى ـ أن هذه القلَّة القوية بإيمانها الموحدة لربها، الصادقة المخلصة لله بعزيمتها، المنتهجة منهج رسل الله ـ تعالى ـ في دعوتها للحق، هذه القلة وإن كانت فقيرة ضعيفة، إلا أنها الغالبة في نهايات أمرها، وبها تتغيَّر كل عناوين أهل الضلال في الأرض كما حصل لموسى ـ عليه السلام ـ قال الله ـ تعالى ـ في سورة القصص (49/نزول): (36) (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ(13). وكما حصل ليعقوب ـ عليه السلام ـ قال ـ تعالى ـ في سورة يوسف (53/نزول): (37) (وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاًّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ(68).
وكما حصل لولده يوسف ـ عليه السلام ـ، قال ـ تعالى ـ :
(38) (..وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ(21) .
وكما حصل للروم قال الله ـ تعالى ـ في سورة الروم (84/نزول):
(39) (الم(1) غُلِبَتْ الرُّومُ(2)فِي أَدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ(3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ(4)بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ(5)وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ(6).
إنه كما ترى تدبير الحق بالحق. وهكذا الأمر لكل نبي ورسول، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وقد جاء في القرآن ما يؤكد للقلة صدق إيمانها بما جاءت به رسل ربها، ففي مجال الحديث عن إيمان هذه القلة، وكفر الكثرة، قال الله ـ تعالى ـ في سورة يس (41/ نزول):
(40) (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ(7).
لقد آثر أهل الكفر والشرك ـ كما ترى ـ الباطل على الحق، والسبب ليس نقصاً في بلاغ الحجة، وظهور البيِّنة، بل كما وصفهم الله ـ تعالى ـ بالكذب، والافتراء على الله، والصد عن سبيله، وحيلتهم في الاعوجاج والتنكر، وإيثارهم الدنيا على الآخرة، قال ـ تعالى ـ في سورة الشعراء(47/نزول):
(41) (وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (6) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الأرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8). وفضح الله ـ تعالى ـ أسلوبهم الخبيث على لسان الأشهاد بقوله في سورة هود (52/نزول) بقوله:
(42) ( ..إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ(17) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ(18) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ(19).
واستحق أهل الضلال النار، بسبب كراهيتهم الحق وردِّه، قال ـ تعالى ـ في سورة الزخرف (63/نزول):
(43) (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (78).
قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ في قوله ـ تعالى ـ: (لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ)" أي: بيَّنَّاه لكم، ووضحناه، وفسرناه، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) أي: ولكن كانت سجاياكم لا تقبله ولا تقبل عليه، وإنما تنقاد للباطل وتعظِّمه وتصد عن الحق وتأباه، وتبغض أهله، فعودوا على أنفسكم بالملامة، واندموا حيث لا تنفعكم الندامة".
ومن ظلم العبد لنفسه أنه يعرض عن الحق كفراً وعناداً لذا قال الله ـ تعالى ـ في سورة الأنبياء (73/نزول):
(44) (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ(24). فنفى الله عنهم العلم بالحق لأنهم أعرضوا عنه كفراً وعناداً.
فالحاصل أن الكثرة من الناس آثرت اتباع الباطل ونأت عن اتباع الحق بعد أن قامت عليها الحجة فاستحقت النار، لذلك فضح الله ـ تعالى ـ موقف الكثرة الباطلة من الناس في سورة المؤمنون (74/نزول) بقوله:
(45) (قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ(66) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمْ الأوَّلِينَ(68) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ(69) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ(70).
وقوله ـ تعالى ـ: (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ) والمعنى كما قال العلامة المفسر الشنقيطي ـ رحمه الله ـ: "ليس بمجنون بل هو رسول كريم جاءكم بالحق الواضح، المؤيد بالمعجزات الذي يعرف كل عاقل أنه حق، ولكن عاندتم وكفرتم لشدة كراهيتكم للحق".
وقال ـ رحمه الله ـ: "وفي الآية الكريمة في قوله: (وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) يفهم من مفهوم مخالفته أن قليلاً من الكفار ليسوا كارهين للحق، وهذا السؤال وارد أيضاً على آية الزخرف التي ذكرنا آنفاً وهي ـ قوله تعالى ـ: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ). والجواب عن هذا السؤال: هو ما أجاب به بعض أهل العلم أن قليلاً من الكفار كانوا لا يكرهون الحق، وسبب امتناعهم عن الإيمان بالله ورسوله ليس كراهيتهم للحق، ولكن سببه الأنفة والاستنكاف من توبيخ قومهم، وأن يقولوا صبئوا وفارقوا دين آبائهم، ومن أمثلة من وقع له هذا أبو طالب فإنه لا يكره الحق الذي جاء به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وقد كان يشد عضده في تبليغه رسالته".
|