|
ظهور الدعوة السلفية
إعداد: هشام بن فهمي العارف
من شجع على الإساءة لنبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ؟
بعض الكفار أساء للنبي محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وآذاه، إساءةً كانت بالرسوم عبر الصحف المكتوبة كما تعلمون. أراد هؤلاء الكفرة الفجرة بهذه الرسومات الاستهزاء بشخصه ـ عليه الصلاة والسلام ـ وتطورت هذه الإساءة خلال فترة وجيزة .. حيث أخذ جيرانهم ـ من الكفار ـ الانضمام إليهم في هذه الإساءة. لكن إساءة الكفار لنبينا ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يقابلها أيضاً للأسف الشديد إساءات أخرى من الجهلاء المسلمين، فالنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وإن تعرَّض شخصه الكريم لإساءات الكفار فإن هذا شيء معروف، لكن العجب العجاب أن تأتي هذه الإساءات من الجهلاء المسلمين الذين ضلَّوا عن نبيهم محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ضلالاً بعيداً.
الواجب ردَّ إساءة الجهلاء المسلمين أولاً
ولأجل أن يكون الردُّ على إساءة الكفار رداً قوياً فعّالاً، فالواجب أولاً رد إساءات الجهلاء المسلمين، بمعنى: أن نبدأ بإزالة الإساءات التي هي من داخلنا أولاً ، قبل أن نبدأ بإزالة الإساءات التي هي من خارجنا. ولا شك أن الذي تعرَّض له نبينا محمد ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ استهزاءً صراحة من بعض الكفرة الفجرة سببه: شجاعتهم التي تحصّلوا عليها من رؤيتهم لواقعنا الأليم، وضعف هيبتنا في نظر العالم أجمعين. هذا الواقع الذي يرسم بكل وضوح كم أساء هؤلاء الجهلاء لنبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ إساءات متعددة: في الاعتقاد، والعبادة، والأخلاق، والاقتداء.
الدعوة السلفية خير مثال، وأحسن اقتداء بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ
والدعوة السلفية المبنية على نصوص الكتاب العزيز، والسنة الصحيحة، وفقه السلف الصالح هي خير مثال، وأحسن اقتداء بنبينا المصطفى ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ . وإن الأحزاب الضالة والشعارات المصنوعة بهتاناً وزوراً؛ هي التي أساءت أولاً لنبينا محمد ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وبالتالي شجعت هؤلاء الكفرة أن يصل بهم الحال إلى الجهار بهذه الإساءة ظلماً وعدواناً. فالدعوة السلفية تقول للناس أجمعين ارجعوا إلى كتاب ربكم على هدي نبيكم محمد ـ صلّى الله عليه وسلم ـ ارجعوا إليهما بفهم ومنهج وفقه صحابته ـ رضوان الله عنهم ـ. فالدعوة السلفية دعوة الأنبياء، ودعوة المرسلين، ودعوة الحق، وهي حجة على كلّ من يخالفها في هذه البلاد وفي غيرها. والدعوة السلفية جاءت بالبصيرة التي جاء بها الله ـ عزّ وجلّ ـ وجاء بها نبيه محمد ـ صلّى الله عليه وسلم ـ وجاء بها الصحابة ـ رضوان الله عنهم ـ وجاء بها التابعون بإحسان لهم جميعاً. والدعوة السلفية تأمر الناس كما أمر الله ـ عزّ وجلّ ـ وكما أمر النبي المصطفى ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ لذلك فهي أحسن رد وخير رد على كل من يسيء إلى شخص المصطفى ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وإلى كلّ من يسيء إلى منهاجه في بيان الحق. والدعوة السلفية جاءت لتقول لجميع الأحزاب كفى، جاءت لتقول لجميع الشعارات اسقطي، جاءت الدعوة السلفية من جنبات المسجد الأقصى المبارك، جاءت الدعوة السلفية لتقول مؤكدة على مقالة الأنبياء أجمعين منذ عهد إبراهيم إلى إسراء محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ. أنه لا معبود بحق إلا الله ، فهل تفيق المجتمعات على شتى ألوانها وأجناسها إلى هذه الدعوة؛ وينضبط الجميع إلى أحكام دين الله الإسلام؟ جاءت الدعوة السلفية بالحجة لتقول للناس: تعلموا كتاب الله، واقرؤوا كتاب الله، وامتثلوا لقول الله ـ عزّ وجل ـ في أول خطاب له لنبيه: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) فالدعوة السلفية قائمة على العلم، وعلى الوضوح، وعلى البيِّنة. فحين يتعلم الناس ويكونوا على بصيرة من دينهم: ـ يعرفون التوحيد معرفة حقّة؛ ويعبدون الله عبادة حقّة؛ ويفهمون معنى لا إله إلاَّ الله ـ فإنهم على خطوات النبيّ المصطفى ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ في اتباع الحق، وعلى خطوات الصحابة ـ رضوان الله عنهم ـ في الهدى والنور. والدعوة السلفية منهاجها رباني تنذر الناس أجمعين أن لا يتركوا توحيد ربّهم. إنها تنذرهم كما قال الله ـ عزَّ وجلّ ـ لنبيه: ( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) . والدعوة السلفية تأخذ بالأسباب الصحيحة لدعوة الناس إلى الحق، وكما بيَّنها الله ـ عزّ وجلّ ـ في مطلع سورة المدثر، بيَّنها أيضاً في سورة المزمل عنــدما قال لنبيه : ( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً (2) وقال:( وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً) يعني: أخلص لله ـ عزّ وجلّ ـ في عبادتك إخلاصاً. والدعوة السلفية على منهاج ربّها تطيع ربها ولا تطيع المكذبين، لقوله ـ عزّ وجلّ ـ بعد أن تبيَّن حسد المبتدعة والمنافقين والضّالين والكفرة والكذبة؛ وَوَصْفَهم لنبينا المصطفى ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ والإساءة له بقولهم: "مجنون" قال ربّ العالمين:(مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) وبيّن ربنا ـ عز وجل ـ لنبيه خطرهم، وضرورة مجانبتهم بقوله في سورة القلم:(فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ).
السلفيون لا يخشون في الله لومة لائم
إنّ هؤلاء الذين يرغبون في المداهنة؛ ويتمنَّون للدعوة السلفيّة أن تضعف وأن تعطيهم مواقف يتجرَّؤون فيها على الله، وعلى النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نقول لهم محذرين منهم (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ). ومن رذيلة الأخلاق التي عليها هؤلاء المكذبين بالدعوة السلفية، أنهم كما قال الله ـ عزّ وجلّ ـ في وصف آحادهم: (هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ (15) [القلم/11-15]). إن دين الله بيِّن واضح لكنه يحتاج منكم ـ بارك الله فيكم ـ حيال هؤلاء الفجرة إلى مواقف شجاعة وليست بجبانة. إذا كنتم على الحق ترغبون، وتخلصون في اتباع نبيكم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإعلاء كلمة ربكم، فعليكم من الآن أن تبدؤوا بشجاعة الحكماء الذين على ربهم يتوكلون فتقولوا: نعم نحن مع الدعوة إلى الله بإخلاص وبصيرة. نعم نحن مع الدعوة إلى الله حسب نصوص الكتاب والسنّة الصحيحة. نعم نحن مع الدعوة إلى الله حسب فهم الصحابة ـ رضوان الله عنهم ـ. نعم نحن مع الدعوة السلفية. واعلموا أنه بظهور الدعوة السلفية في فلسطين ، لا مكان في هذا المجتمع لأي حزب باطل، لا مكان في هذا المجتمع لأي شعار مزيف، لأن الشعارات كلها سقطت، وتبيّنت نتيجة اعتقاداتها وأفكارها وأعمالها، ونلمس نتائجها يوماً بعد يوم. وإن المراراة التي نعيشها اليوم سببها البعد الباطل والجبان عن التمسك بالكتاب والسنّة وفق فهم سلف الأمّة. والسلف كما تعلمون هم: نبينا ـ عليه الصلاة والسلام ـ وصحابته ـ رضوان الله عنهم ـ على رأسهم أبو بكر الصدّيق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب. فلا مكان للأحزاب، ولا مكان للأفكار الباطلة، ولا مكان للشيعة ومن تحالف معهم، ولا مكان للتكفيريين ومن تحالف معهم، ولا مكان للصوفيين ومن دروش معهم، ولا مكان للمنافقين الذين يتقنون التلوَّن والتلبَّس، لا مكان لأحد منهم مهما كان جمعه، أياً كانت قوته، أياً كانت مستنداته المخالفة المشاكسة الضالة عن هدي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، أياً كانت شعاراته الكذَّابة البرّاقة التجارية. ثم الله ـ عزّ وجلّ ـ بعد أن فضح صفات المنافقين ـ في سورة القلم ـ وردّ غيظهم بقوله: (وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51) أنزل سورة الفاتحة، فبعد الثناء عليه ـ سبحانه وتعالى ـ أمرنا أن نسأله الصراط المستقيم؛ صراط النبي محمد وصراط الأنبياء والمرسلين، ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ صراط الهدى، صراط الله الإسلام، صراط الصحابة والسلف الصالحين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وأمرنا من باب رحمته وشفقته ومن باب كمال الطلب أن ندعوه ألا نكون على طرق المغضوب عليهم، والضّالّين، طرق اليهود والنصارى.
مع فجر الدعوة السلفية
وفي فجر الدعوة في العهد المكي أنزل الله ـ عزّ وجل ـ آياته، آية بعد آية، وسورة بعد سورة، حتى عيَّن ـ سبحانه وتعالى ـ بعض هؤلاء المكذبين والمنافقين والمبتدعة بأسمائهم ولو كانوا ذي قربى للنبي محمد ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ فأنزل في سورة المسد:(تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) هذا اللئيم الذي توعَّده الله ، تصدّر الصدّ عن الدعوة السلفية عند فجرها، لذا نزلت فيه هذه الآية ليكون عبرة لغيره ممن همّه الطعن والصدَّ عن دعوة الحق. وفي السورة جاء وصْف زوجته "أم جميل" بالنّمامّة التي كانت تنمّ بين أصحاب النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وتكنّ له العداوة الشديدة، فوصفها الله ـ عزّ وجلّ ـ بـ (حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) لأنّها بالنميمة كانت تشعل الفتن وتشعل النار واللهيب. فحذار حذار أن تجعلوا آذانكم سمَاعة للمبتدعة والمنافقين الذين يصدّون عن الدعوة السلفية. ثمّ الله ـ عزّ وجل ـ في سورة الأعلى أنزل قوله:(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15) فكانت دعوة إلى تزكية النفس، لأن الله ـ عزّ وجلّ ـ كان يربي أصحاب النبي ـ صلّى الله عليه وسلم ـ بتصفية عقيدتهم وتزكية نفوسهم، جنباً إلى جنب، لذلك فإن تصفية العقيدة وتطهير النفس وتزكيتها هي من أهم متطلبات المرحلة الحالية التي تعيش بها الأمّة فيشمل: 1-القضاء على كافة الآفات المُدَنَّسَة والمُدَنَّسَة من الكفر، والشرك، والنفاق، والبدعة، والشك. 2-ومعالجة الآفات السيئة من اتباع الهوى، والكبر، والشح، والجبن، والحسد، والجزع، والغرور، وحب الرئاسة، والعلو في الأرض، والحميَّة للنفس، والغضب لها، والإسراف، والغيبة، والنميمة، والرشوة، والذل، والعجز، والتسويف، والتقصير، والغلو، والعجلة، والشكوى، والطمع، والهلع، إلى غير ذلك من مساوئ الأخلاق التي بسبها يرتكب الإنسان معصية الله في حماقات لا تحمد عقباها. وفي سورة الليل بعد سورة الأعلى أخبر الله ـ عزّ وجلّ ـ بعد بيان حجته على لسان نبيه، كما هي الدّعوة السلفيّة الآن حجة تبيِّن للناس وتقول لهم بقول الله ـ عزّ وجل ـ: (إِنَّ سَعْيَكُمْ) أعمالكم، تحركاتكم، توجهاتكم، قيامكم. (لَشَتَّى) لمختلفة ومتضادة. (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) من أعطى ليكون عطائه خالصاً لله، أعطى الهمّة، أعطى الجهد، أعطى الكلمة، أعطى الدين، أعطى الولاء لله ـ عزّ وجلّ ـ واتقى الله ـ عزّ وجلّ ـ خافه في السر والعلن، ولم يحسب حساب غيره، وتكلم بالحكمة لا يخشى في الله لومة لائم، وصدّق بالآخرة، صدّق بالجنة، فسنيسره لليسرى ليصير الطريق أمامه سهل ميسر إلى الجنة. (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) بخل بالعطاء، بخل في الدين، بخل بالتقوى، بخل بالولاء لله ـ عزّ وجلّ ـ واستغنى عن الله ـ عزّ وجلّ ـ وكذّب بالآخرة، كذَّب بالجنّة، فسنيسره للعسرى، ليجد أمامه تيسيرات لكنها تيسيرات إلى جهنم وبئس المصير. ثمّ هدد الله ـ عزّ وجلّ ـ في سورة الفجر، فجر الدعوة، فجر دعوة النبوة، فجر الدعوة الصحيحة، فجر الدعوة السلفية من صدَّ عنها، وأراد أن يكون ليلها طويلاً ، فكان تهديده ـ سبحانه وتعالى ـ في شقشقة فجرها وبصيص نورها تهديداً أعاد للناس ذاكرتهم في مصير عاد وثمود وفرعون الذين صدّوا عنها. فيا أيها الناس إما أن تكونوا مع الله، وإما أن يكون مصيركم مصيرهم. إنكم ـ اليوم ـ في ابتلاء، إنكم في ابتلاء كبير، قال الله لنبيه: (إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك)، (الصحيحة ـ 3599) ولا بد أن تكون لكم بعد هذا الابتلاء نتائج: فإما نفوساً طيبة، وإما نفوساً خبيثة ـ والعياذ بالله ـ. الأيام عصيبة، والدعوة جاءت، إنها دعوة النبي محمد ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ، إنها الدعوة السلفية، ليسمع جميع من في الأرض، كلّ البشر، كلّ الناس، كلّ الطوائف، لتكن مقالة الجميع: جاءت دعوة محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، ظهرت دعوة محمد ، الآن فَجَرَ فجرها وقامت قيامتها فلتكن النفوس مطمئنة . وبالنفس المطمئنّة ختم الله ـ عزّ وجلّ ـ سورة الفجر: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30) شرّف الله ـ عزّ جلّ ـ النفس المطمئنة ونسبها إليه، وأضافها إليه، لعظيم ما أنعم على النفس المطمئنّة لأنها اتبعت الهدى، واتبعت الحقّ، ونصرت دين الله، ونصرت التوحيد، ونصرت الدعوة السلفية، وتبرأت من الشرك والمشركين، وأحيت السنة، وكسرت البدعة، وحذّرت من المبتدعة، وفضحتهم في عقر دارهم، وكّذَّبت الحزبيين، وكذّبت المنافقين، وكذّبت الكفرة، وكذّبت كل من لم يحكم بشرع الله، في بيته، وفي نفسه، وفي أهله، وفي مجتمعه.
الجهاد في سبيل الله، وخطورة اتباع الهوى
لا بد من الجهاد ، إعلان الجهاد على نفوسنا الأمارة بالسوء أولاً، قبل أن نعلنها على العدو الخارجي. إننا مسئولون من أنفسنا، فكيف يعقل أن يجاهد المسلم عدوَّه الخارجي ونفسه التي بين جنبيه أمارة بالسوء، قال ـ تعالى ـ في سورة يوسف: (إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي) وقد اهتم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بتزكية النفس وتربيتها على طاعة الله ـ تعالى ـ، فكان مما قاله: "أفضل الجهاد أن تجاهد نفسك وهواك في ذات الله". (الصحيحة ـ 1496). ونقل السمعاني في "تفسيره" ما روي عن الحسن أنه قال: "أفضل الجهاد مخالفة الهوى". قرارات مبناها على اتباع الهوى استقبلها الناس في فلسطين من رؤساء أهل البدع والضلالات الذين استكبروا عن الرجوع إلى الحق، وما زالوا يهرسون في أفراده هرساً، ويقدِّمونهم قرباناً لضلالاتهم الفاجرة، نقول لهم: كفى كفى. والنبي ـ صلّى الله عليه وسلم ـ قال:" إلا أخبركم بالمؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب". (الصحيحة ـ 549) كيف لنا أن ندَّعي الجهاد بالسيف والذي يدّعيه من الجهلاء؟!!! كيف لنا أن ندَّعي الجهاد بالسيف وعقيدة الناس إلا من رحم ربي فاسدة جهلاء؟!!! كيف لنا أن ندّعي الجهاد وكثير من خاصّتنا قبل العامة لا يعرف أول الدين من آخره؟!!! والله ـ عزّ وجلّ ـ يحذر من اتباع الهوى بقوله في سورة الفرقان:(أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) قال قتادة: "والله كلما هوى شيئاً ركبه، وكلما اشتهى شيئاً أتاه، لا يحجزه عن ذلك ورع ولا تقوى". وفي أواخر العهد المكّي نزل قول الله ـ تعالى ـ في سورة النازعات:(فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41). تربى الصحابة ـ رضوان الله عنهم ـ تربية صفت فيها عقيدتهم وزكت فيها نفوسهم فأنزل الله ـ عزّ وجلّ ـ:(إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ).
سجِّل معنا في صفحة جديدة من التاريخ
إننا بحاجة ـ أيها الإخوة ـ بارك الله فيكم، أن نبدأ في صفحة جديدة من التاريخ، وأن نترك تاريخ ضعف المسلمين، تاريخ تدهور عقيدة المسلمين، التاريخ الشاهد على من أساء لأشرف مخلوق على الأرض من الناس وهو النبي ـ صلّى الله عليه وسلم ـ . فنحن في بلاد الشام ، الأرض المقدسة، المجاورون لبقعة مباركة هي مسجد لله "المسجد الأقصى" نعلن صراحة وبوضوح ولائنا الخالص لربنا على هدي نبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفق المنهج الذي كان عليه الصحابة ـ رضوان الله عنهم ـ. في هذا التاريخ نفتح صفحة، فسجِّل معنا في صفحة جديدة من التاريخ انتصارك لدعوة رب العالمين.
دعاء إبراهيم ـ عليه السلام ـ
دعا إبراهيم ـ صلى الله عليه وسلم ـ بدعاء جعله الله ـ عزّ وجلّ ـ في أول سورة حسب الترتيب الموضوعي بعد الفاتحة، في سورة مدنية نزلت؛ هي البقرة فكان مما قاله: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) فدلّت الآية على أنه سيكون في ذريّة إسماعيل جهّالاً لا حكمة فيهم ولا كتاب، وأنّ الشرك ينجسهم وأنّه ـ تعالى ـ يبعث فيهم رسولاً منهم، يطهِّرهم ويجعلهم حكماء الأرض بعد جهلهم. ثمّ جاءت الاستجابة في سورة الجمعة التي لها من الأيام نصيب، فالعيد فيها: اجتماع النّاس لتجتمع كلمتهم على ذكر الله فقال ـ تعالى ـ فيها: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (2) وبيانها سؤال أبي أمامة ـ رضي الله عنه ـ لنبينا محمد ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ قال: قلت: "يا نبي الله !! ما كان أول بدء أمرك؟ قال:"دعوة أبي إبراهيم ، وبشرى عيسى ، ورأت أمّي أنه يخرج منها نور أضاءت منها قصور الشام". (الصحيحة ـ 373 و 1545) قال ابن كثير: "والمراد أنّ أول من نوَّه بذكره وشهره في الناس؛ إبراهيم ـ عليه السلام ـ ولم يزل ذكره في الناس مذكوراً مشهوراً سائراً حتى أفصح باسمه خاتم أنبياء بني إسرائيل نسباً وهو: عيسى ـ عليه السلام ـ حيث قام في بني إسرائيل خطيباً وقال:(وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ )." [ سورة الصف]. وقصور الشام في بلاد الشام مهد خلافة المهدي المنتظر ـ رضي الله عنه ـ مجدد دعوة محمد ـ صلّى الله عليه وسلم ـ في آخر الزمان، ليسمع هذا كلّ النّاس، ليسمع النّاس في زمن الفتن أنّ الدعوة السلفية جاءت امتداداً لدعوة محمد ـ صلّى اله عليه وآله وسلم ـ إلى أن يظهر فيها المهدي ـ رضي الله عنه ـ وينزل فيها عيسى ابن مريم ـ عليه السلام ـ. كفاكم فخراً يا أهل الشام أن تخبروا بالخبر الصحيح الذي حدَّث به نبينا محمد ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق" (الصحيحة ـ 1971) وفي رواية" منصورين" (الصحيحة ـ 403) "لا يضرهم من خذلهم ولا من ناوأهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" (الصحيحة ـ 1957) وقال: "هم أهل الشام" (الصحيحة ـ 3425) وصدر الشام المسجد الأقصى. فاذكروا يا أهل الشام هذه النعم عليكم، اذكروا يا مجتمع فلسطين؛ يا مقدمة بلاد الشام، هذه النعم عليكم. كفاكم ذلاً، عار عليكم أن تبقوا خانعين لمقررات أهل الضلال فيكم، إلى متى يبقى حالكم لا تنتصرون لنبيكم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالامتثال والاقتداء. ألم يأن لكم أن تنتصروا لدعوة نبيكم، دعوة التوحيد، دعوة الحقّ، دعوة الصحابة، الدعوة السلفية، دعوة التابعين، دعوة المهدي ـ رضي الله عنه ـ دعوة عيسى بن مريم ـ عليه السلام ـ وينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، فيلحق بالدجال ـ الممنوع من دخول المسجد الأقصى ـ فيقتله بباب لُد، ثم يقول الحجر والشجر: "يا مسلم، يا عبد الله".
من أنصاري إلى الله
وخصت سورة الجمعة ببيان إجابة دعاء إبراهيم ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أجل أمر هام وهو: أن مقومات العبادة الصحيحة ـ القائمة على الكتاب والسنّة بفهم سلف الأمة ـ خلصت لها سورة الصف السابقة في النزول والترتيب الموضوعي لسورة الجمعة ببيان سبب نصر الله للمؤمنين، فلا بد أن يكون الصف موحِّداً وموحَّداً، ولا بد أن تكون الكلمة موحَّدة ومجتمعة، فمن كان في صف الدعوة السلفية فقد فاز ونجح وانتصر، ومن كان ضدّها فقد خسر وخاب وانهزم. إننا مقبلون على تمايز الصفوف، بعد تمايز المواقف ونقول بقول نبينا عيسى ـ عليه السلام ـ في سورة الصف: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14) والمجتمع في بلادنا فلسطين وغيره من المجتمعات في بلاد العالم مقبل على تمايز المواقف، وتمايز الصفوف، ليتضح في النهاية فريق أهل الحق من فريق أهل الباطل، (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42) [الأنفال/42] وحدَّث بذلك نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: "حتى يصير الناس إلى فسطاطين فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه، إذا كان ذاكم فانتظروا الدجال من اليوم أو الغد" (الصحيحة ـ 974). وليس بالضرورة في تمايز الصفوف أن تكون متساوية أو متقاربة في الافتراق، بل سنة الله ـ تعالى ـ في أنصار الدعوة السلفية أن يكونوا قلة ضعفاء قال ـ تعالى ـ في سورة البقرة: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "أبغوني الضعفاء فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم" (الصحيحة ـ 779).
|