|
من فقه الواقع
هل بدأ الإصلاح
فعلاً في أهل الشام؟
إعداد: هشام بن فهمي العارف
تاريخ 11/6/1429 الموافق 15/6/2008
الدعوة الصحيحة، ـ الموافقة للمنهج النبوي الذي جدَّده شيخنا الإمـــام الألباني ـ
رحمه الله ـ في بلاد الشام وامتد أثره إلى كثير من أصقاع العالم ـ، هي دعوة الحق،
لأنها تجديد لرسالة الإسلام السمحة، وأن تكون الدعوة السلفية في بلاد الشام فلها
طعم خاص، لا يدركه إلا من اطلع على المنهج الرباني في تقدير المقادير، وأدرك جعل
الله ـ تعالى ـ لها أرضاً مباركة وتسميته إياها بالأرض المقدسة.
وقد كنت كتبت هذه المقالة قبل عام ـ على الأقل ـ إن لم يكن أكثر، لكن المستجدات
الحالية في ساحة الدعوة السلفية دفعتني لتجديد المقالة من جديد تنبيهاً ووعظاً
وإدراكاً.
فحديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي رواه معاوية بن قرة عن أبيه عن النبي ـ
صلى الله عليه وسلم ـ حديث مهم يشحذ الهمة ويدفع أهل الغيرة على الحق لفعل الخيرات،
ونصه:
(1) "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، لا تزال طائفة من
أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة".
أخرجه الترمذي وقال: "حديث حسن صحيح" ، وأحمد، وابن حبان، وقال الألباني في
"الصحيحة" (403): "وهو على شرط الشيخين"، وقد أخرج الخطيب البغدادي الشطر الأول منه
من هذا الوجه، ورواه أبو نعيم في "الحلية"، والشطر الثاني أخرجه ابن ماجه، وله
شواهد كثيرة".
فوائد مستنبطة من الحديث
الفائدة الأولى:
التحذير من الفساد، وأنه إذا وقع في أهل الشام خاصة فلا خير في أمة
محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ..
قال الراغب في "مفردات ألفاظ القرآن":
الفساد لغة: خروج الشيء عن الاعتدال ، قل ذلك الخروج أو كثر، ويضاده الصلاح،
ويستعمل ذلك في النفس والبدن، والأشياء الخارجة عن الاستقامة، يقال: فسد فساداً
وفسوداً".
وفي بيان أن الصلاح ضد الفساد قال ـ تعالى ـ في سورة الأعراف (39/نزول):
(2) (..وَقَالَ مُوسَى لأخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ ولا
تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ(142).
والفساد اسم لجميع المعاصي، نقل ابن كثير ـ رحمه الله ـ في "تفسيره" عن أبي العالية
قوله :
(3) "من عصى الله في الأرض فقد أفسد فيها، لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة".
وظهور الفساد وانتشاره لا يتم عبثاً، ولا اعتباطاً وإنما يتم بسبب إعراض الناس عن
طاعة الله ـ تعالى ـ، وارتكابهم المعاصي. قال ـ تعالى ـ في سورة الروم (84/نزول):
(4) (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ
..(41).
ومن مظاهر الفساد انتشار الشرك، والظلم، والقتل، وسفك الدماء، والأحقاد والعدوان،
ونقص البركة في الزروع، والثمار، والمطاعم، والمشارب، وغير ذلك مما هو مفسدة وليس
بمنفعة. قال ـ تعالى ـ في سورة البقرة:
(5) (..وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ(205)،
فالله ـ تعالى ـ نفى محبته للفساد من الأصل.
وبناء عليه فمن واجب أهل الشام أن يكونوا على طاعة الله ـ تعالى ـ، وأن يبتعدوا عن
الشرك، والظلم. وأن لا يكونوا عصاة ضالين.
وقد أكرم الله ـ تعالى ـ بني إسرائيل وأمرهم الدخول إلى الأرض المقدسة، فلما أفسدوا
فيها كما قال ـ تعالى ـ في سورة بني إسرائيل:
(6) (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرْضِ
مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا).
واللام في قوله تعالى (لَتُفْسِدُنَّ)،
و(لَتَعْلُنَّ)
لام القسم، بمعنى أقسم أنكم لتعصن، وأقسم أنكم لتستكبرن، وهي تشبه قوله ـ صلى الله
عليه وسلم ـ لأمته معلماً إياهم ومخبراً لهم:
(7) (لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم. قيل
يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال فمن).
فلما فسد بنو إسرائيل في المرة الأولى سلط الله عليهم بختنصر، فلم يأت بختنصر
ليحتل، ولم يأت لينتصر، بل أتى مسخراً من الله ـ تعالى ـ ومسلطاً ليعذب.
لذا قال ـ تعالى ـ في السورة ـ وهي سورة الإسراء أيضاً ـ:
(8) (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي
بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولاً).
قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:
"أي: سلطنا عليكم جنداً من خلقنا أولي بأس شديد أي: قوة وعدة وعدد وسلطنة شديدة، (فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ)
أي: تملكوا بلادكم وسلكوا خلال بيوتكم أي: بينها، ووسطها، وانصرفوا ذاهبين وجائين،
لا يخافون أحداً وكان وعداً مفعولاً".
وهكذا فعل تيطس لما فسد بنو إسرائيل في المرة الثانية الأخيرة، قال ـ
تعالى ـ: (9) (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ
وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا
عَلَوْا تَتْبِيرًا).
وبناء على ما تقدم فقد جمع الله ـ تعالى ـ في سورة بني إسرائيل، وهي سورة الإسراء،
بين مسألتين هامتين:
الأولى: شرف الحادثة العظيمة وهي حادثة الإسراء بالنبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ
وما فيها من قصص، وعبر، وابتلاء، فهي مفخرة في حق أمته التي ورثت عقيدة الأنبياء،
ليكون همَّها مواصلة الخير، والفضيلة، والعمل الصالح، لذا تناولت طلائع أمته ـ صلى
الله عليه وسلم الحادثة بالصدق والإيمان ـ، وبناء عليه كان لأهل الشام فضيلة عظيمة
من أجل:
1- بركة المكان، وهي الأرض المقدسة،
2- بركة الدعوة إلى الله ـ تعالى ـ على منهج النبوة.
3- بركة الفائدة التي اجتمعت لأمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين أعطيت تاريخ من
سبقها من الأمم ـ خاصة تاريخ بني إسرائيل ـ لاستخلاص العبر، وتجنب الويلات.
والثانية: بيان ما تناولته نهايات أمة بني إسرائيل من الفساد الذي منعها من مواصلة
مهمتها في الأفضلية والخيرية، إذ لم يقدروا النعمة التي أنعمها الله ـ تعالى ـ
عليهم، ولم يشكروه عليها، فانتزعها منهم لتكون في أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ
الذي هو من نسل إسماعيل ولد إبراهيم ـ عليهم السلام ـ.
ولا شك أن القاسم المشترك بين الأمتين: أمة بني إسرائيل ـ عليه السلام ـ، وأمة محمد
ـ عليه السلام ـ، هو الذي نبه الله ـ تعالى ـ له بقوله في السورة:
(10) (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا).
وقوله في السورة:
(11) (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ
عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا).
وبلاد الشام أرض مقدسة، وقد تضافرت الأدلة الواضحة، والبينات الناصعة، في كتاب الله
العزيز، وفي أقوال النبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ الصحيحة، على أنها أرض
البركة، وأرض المحشر والمنشر، ومن بركة هذه الأرض أن كثيراً من الأنبياء كانوا
فيها، وفيها المسجد الأقصى، وهي مهاجر إبراهيم ـ عليه السلام ـ ومسرى محمد ـ صلى
الله عليه وسلم ـ ومحل معراجه إلى السماء.
وبلاد الشام جعلت أرضاً مقدسة لأنها محل دعوات الأنبياء والرسل، فهي أرض الدعوة إلى
التوحيد والسنة، وأرض الجهاد ضد الشرك والمشركين، وضد المعصية والعاصين، وضد البدعة
والمبتدعين، من أجل ذلك جعلها الله مبوأ صدق الصادقين، فكان هذا أولاً من حظ بني
إسرائيل، قال ـ تعالى ـ في سورة يونس:
(12) (وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي
إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ..(93)
قال قتادة فيما أخرجه الطبري: بوأهم الله الشام وبيت المقدس.
واستمر الحال صحيحاً في بني إسرائيل إلى أن عصوا، وضلوا، وانحرفوا، وحرَّفوا،
وأشركوا، وخانوا الأمانة، وفسدوا، وخرجوا عن الجادة، فكفروا بدين الله ـ تعالى ـ
الإسلام، فعاقبهم الله ـ تعالى ـ بأن سلط عليهم الأعداء، من كل صوب، وحرموا قيادة
البشرية، وأبعدوا من مهاجر إبراهيم قصراً وعنوة، جزاء لهم على ضلالهم وكفرهم، إلى
أن جعل الله ـ تعالى ـ لأمة محمد تشريفاً ـ بعد ضلال بني إسرائيل ـ دخول الأرض
المقدسة، فدخلها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في إسرائه، وعقد لواء الفتح لدخولها
قبل وفاته، فابتدأ أبو بكر الخليفة الأول ـ رضي الله عنه ـ فتحها، وكانت عنايته
بفتحها أكثر من عنايته بفتح العراق، وقد نقل ابن تيمية في "المجموع" (4/448) قولاً
له:
(13) "لكفر من كفور الشام أحب إلي من فتح مدينة بالعراق".
وبلغ من حرصه ـ رضي الله عنه ـ الذي ذكره أبو هريرة، قال أبو هريرة ـ رضي الله عنه
ـ :
(14) "والله الذي لا إله إلا هو، لولا أبو بكر
استخلف ما عبد الله" ثم قال الثانية، ثم قال الثالثة، فقيل له: مه يا أبا هريرة !
فقال : "إن رسول الله وجَّه أسامة بن زيد في سبعمائة إلى الشام، فلما نزل بذي خشب
قبض رسول الله وارتدت العرب حول المدينة، فاجتمع إليه أصحاب رسول الله، فقالوا: يا
أبا بكر! ردَّ هؤلاء، تُوجِّه هؤلاء إلى الروم وقد ارتدت العرب حول المدينة ؟!
فقال:
(15) "والذي لا إله غيره، لو جرت الكلاب بأرجل أزواج
رسول الله ما رددت جيشاً وجهه رسول الله، ولا حللت لواءً عقده رسول الله".
"فوجَّه أسامة، فجعل لا يمر بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا: لولا أن لهؤلاء قوة
ما خرج مثل هؤلاء من عندهم، ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم، فلقوا الروم فهزموهم
وقتلوهم ورجعوا سالمين فثبتوا على الإسلام".
ومن ثم استكمل فتحها الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ وقدم إليها في
مدة خلافته غير مرة، حتى لما طعن وهو في وفاته أدخل عليه أهل المدينة أولاً، وهم
كانوا إذ ذاك أفضل الأمة، ثم أدخل عليه أهل الشام ، ثم أدخل عليه أهل العراق،
وكانوا آخر من دخل عليه، فرضي الله عنه كان يفضل أهل الشام على العراق.
وهو الخليفة القائل عند دخوله الشام فاتحاً:
(16) "نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإذا ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله".
وقال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:
(17) "والنصوص التي في كتاب الله وسنة رسوله، وأصحابه في فضل الشام وأهل الغرب على نجد
والعراق وسائر أهل المشرق، أكثر من أن تذكر هنا، بل عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم
ـ من النصوص الصحيحة في ذم المشرق وأخباره بأن الفتنة ورأس الكفر منه، ما ليس هذا
موضعه، وإنما كان فضل المشرق عليهم بوجود أمير المؤمنين علي، وذاك كان أمراً عارضاً
ولهذا لما ذهب علي ظهر منهم من الفتن والنفاق والردة والبدع ما يعلم به أن أولئك
كانوا أرجح".
وقال:
(18) "وكذلك أيضاً لا ريب أن في أعيانهم من العلماء والصالحين من هو أفضل من كثير من أهل
الشام، كما كان علي وابن مسعود وعمار وحذيفة ونحوهم، أفضل من أكثر من بالشام من
الصحابة، لكن مقابلة الجملة وترجيحها لا يمنع اختصاص الطائفة الأخرى بأمر راجح". انتهى
وهذا الفهم السلفي للصحابة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين قائم ولله الحمد، بناء
على ما كان من وصية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بملازمتها والهجرة إليها، فقد
أخرج أبو داود، والحاكم، عن عبد الله بن عمرو، وأخرج أحمد، وابن عساكر عن عبد الله
بن عمر قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
(19) "سيكون هجرة بعد هجرة، فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم".
فقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
"إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم"، تذكير منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأهمية أن
يكون أهل الشام على الصلاح ـ على الصراط المستقيم ـ، والطاعة لرب العالمين، فأهل
الشام في مكان من الأهمية كالقلب لبقية المسلمين،
(20) "وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله. [صحيح الجامع (3193)]
وبلاد الشام بلاد الجهاد، وإقامة الحجة على أعداء الله، فلو تركت من غير إفشاء
السنة، لتمكن منها أهل الكتاب، ـ كما هو حاصل اليوم ـ ومعلوم كم هو مضر فساد أهل
الكتاب في الناس، وهم كفار بنص الكتاب والسنة، وخطورته أنه من باب الدين والانتساب
لموسى، وعيسى.
وأشد منه فساد أهل البدع في المسلمين لأنه من باب الدين أيضاً، وتعظم خطورته لأنه
من جانب الانتساب إلى محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنبياء الله تعالى كلهم أبرياء
من هذا التدين. وأبرياء ممن لبس لبوس السلفية وقال: أنا منهم.
وخلاصة ما تقدم :
فينبغي لأهل الشام أن يعودوا إلى طاعة ربهم ـ عز وجل ـ، ويعالجوا ما وقعوا فيه من
الفساد، يعاونهم في ذلك إخوانهم من المؤمنين حتى يصير الخير في عامة المسلمين.
الفائدة الثانية:
بيان فضيلة أهل الشام، فهم ـ كما في نص هذا الحديث ـ المعيار الذي عليه يتم قياس
حال الأمة من خير أو شر. ونبه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أحاديث أخرى صحيحة
إلى فضيلة أهل الشام حين يكونوا على منهج النبوة والسلف.
فهم حزب الله من عباده، وأن الله ـ تعالى ـ قد تكفل بهم.
وهم خيار أهل الأرض على اعتبار أنهم ألزم أهل الأرض مهاجر إبراهيم.
وهم الطائفة المنصورة على نحو ما سيأتي بيانه.
وهم سوط الله في الأرض.
الفائدة الثالثة:
ولما كان الفساد لا تتم إزالته إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأعلى وأغلى
مسائل الأمر بالمعروف الدعوة إلى توحيـد الله ـ تعالى ـ وإفراده ـ سبحـانه ـ
بالعبادة ، وأنه لا معبود بحق إلا الله، وأنه لا بد من إزالة المنكر وأسوأ ما في
المنكر الشرك .
ومعلوم أنه لا أحد أجدر من العلماء الذين هم ورثة الأنبياء أن يكونوا آمرين
بالمعروف، ناهين عن المنكر، ومجاهدين في سبيل الله من أجل إعلاء كلمة الله وإزالة
الفساد، وإحلال الإصلاح محله.
لذلك لما كان ـ الشطر الأول ـ من نص الحديث أن الفساد إذا وقع في أهل الشام فلا خير
في أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، جاء من باب الرحمة ـ الشطر الثاني ـ من نص
الحديث ليبيّن من هو المؤهل على منهاج النبوة في هذه البلاد ليعمل على إعلاء كلمة
الله، وإظهار الحق، وإزالة الفساد ـ بكل صوره ـ حتى تتحقق الخيرية لأمة محمد ـ صلى
الله عليه وسلم ـ وبالتالي يعم النور الأرض من جديد.
الفائدة الرابعة:
أنه ما لم يكن هناك علماء ربانيون في بلاد الشام على منهاج النبوة، فإنه يصعب
القول أنه بالإمكان إزالة الفساد بكل صوره والذي جاء معناه موضحاً في الكتاب والسنة
على فهم سلف الأمة. وبالتالي يصعب القول بحصول الخيرية في الأمة.
من أجل ذلك جاء ـ الشطر الثاني ـ من الحديث ، ليتبيَّن للناس أن الأمة لا تكون
نهضتها إلا على يد أهل العلم "أهل الحديث" وهم بالشام.
قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في "مجموع الفتاوى"(4/449):
(21) "والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ميَّز أهل
الشام بالقيام بأمر الله دائماً إلى آخر الدهر، وبأن الطائفة المنصورة فيهم إلى آخر
الدهر فهو إخبار عن أمر دائم مستمر فيهم مع الكثرة والقوة، وهذا الوصف ليس لغير أهل
الشام من أرض الإسلام، فإن الحجاز التي هي أصل الإيمان نقص في آخر الزمان منها:
العلم والإيمان والنصر والجهاد، وكذلك اليمن والعراق والمشرق، وأما الشام فلم يزل
فيها العلم والإيمان ومن يقاتل عليه منصوراً مؤيداً في كل وقت".أ.هـ
وقال ـ رحمه الله ـ في "المجموع" (20/319):
(22) "ثم إن بغداد إنما صار فيها من العلم والإيمان
ما صار، وترجحت على غيرها بعد موت مالك وأمثاله من علماء أهل الحجاز؛ وسكنها من
أفشى السنة بها وأظهر حقائق الإسلام، مثل أحمد بن حنبل، وأبي عبيد، وأمثالهما من
فقهاء الحديث، ومن ذلك الزمان ظهرت بها السنة في الأصول والفروع، وكثر ذلك فيها
وانتشر منها إلى الأمصار ، وانتشر أيضاً من ذلك الوقت في المشرق والمغرب". إلى آخر ما قاله ـ رحمه الله ـ.
فالشاهد في قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الحديث:
"لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم
الساعة". بيان أن هذه الطائفة بإذن الله ـ تعالى ـ منصورة، وتأكيداً على أنهم
بالشام ما ذكرناه مسبقاً مما ورد من فضل لأهلها إذ كانوا على منهاج الحق، فقد جاء
في الصحيحين، ومسند أحمد فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ أَنَّ
عُمَيْرَ بْنَ هَانئٍ حَدَّثَهُ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ
عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ
يَقُولُ:
(23) "لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ لا يَضُرُّهُمْ
مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ
ـ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ، فَقَامَ مَالِكُ بْنُ يَخَامِرٍ
السَّكْسَكِيُّ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ سَمِعْتُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ
يَقُولُ: وَهُمْ أَهْلُ الشَّامِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ ـ وَرَفَعَ صَوْتَهُ ـ هَذَا
مَالِكٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاذًا يَقُولُ: "وَهُمْ أَهْلُ الشَّامِ".
وفي رواية أخرجها الإمام أحمد: عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الشَّامِيِّ قَالَ:
سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ يَخْطُبُ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الشَّامِ حَدَّثَنِي
الأنْصَارِيُّ قَالَ: قَالَ شُعْبَةُ ـ يَعْنِي زَيْدَ بْنَ أَرْقَم ـَ: أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قَالَ:
(24) "لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ
أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ وَإِنِّي لأرْجُو أَنْ تَكُونُوا هُمْ يَا
أَهْلَ الشَّامِ".
وأخرج مسلم في "صحيحه" عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
(25) "لا يَزَالُ أَهْلُ الْغَرْبِ
ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَة"ُ.
قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ : "فأخبر أن أهل الغرب لا يزالون ظاهرين، وأما أهل
الشرق فقد يظهرون تارة، ويغلبون أخرى، وهكذا هو الواقع، فإن الجيش الشامي ما زال
منصوراً.
وكان أهل المدينة يسمون الأوزاعي: إمام أهل المغرب. ويسمون الثوري شرقياً ومن أهل
الشرق. وعن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ـ صلى
الله عليه وسلم ـ يَقُولُ:
(26) "لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى
يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ: فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ـ عليه السلام ـ
فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ بِنَا فَيَقُولُ: لا، إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى
بَعْضٍ أُمَرَاءُ تَكْرِمَةَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الأمَّةَ".
الحديث أخرجه مسلم، وأحمد،
والحارث بن أبي أسامة، وهو في "الصحيحة" (1960) و (2236). وفي رواية صحيحة: أن
أميرهم: المهدي. فتحت عنوان نزول عيسى واجتماعه بالمهدي، أخرج شيخنا الإمام
الألباني ـ رحمه الله ـ في "الصحيحة" (2236) عن جابر مرفوعاً:
(27) "ينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم المهدي: تعال صل بنا، فيقول: لا، إن بعضهم أمير
بعض، تكرمة الله لهذه الأمة".
ومن المعلوم أن عيسى ابن مريم ـ عليه السلام ـ ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق،
ونقل ابن رجب الحنبلي في "فضائل الشام" قول مطرِّف: فنظرت في هذه العصابة فوجدتهم
أهل الشام.
وعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم
ـ:
(28) "لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى
مَنْ نَاوَأَهُمْ حَتَّى يُقَاتِلَ آخِرُهُمْ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ".
الحديث أخرجه أحمد، وأبو داود، والطبراني في "الكبير"، والحاكم وقال: صحيح على شرط
مسلم، ووافقاه الذهبي والألباني في "الصحيحة" (1959).
ومن المعلوم أن عيسى ابن مريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ يدرك المسيح الدجال بباب لد
بفلسطين فيقتله.
كيف علاج الفساد
وإزالته
قال شيخنا الإمام محمد ناصر الدين الألباني ـ رحمه الله ـ :
(29) "العلاج هو العلاج ، والدواء هو الدواء ، فبمثل ما عالج النبي ـ صلى الله عليه
وسلم ـ تلك الجاهلية الأولى، فعلى الدعاة الإسلاميين اليوم ـ جميعهم ـ أن يعالجوا
سوء الفهم لمعنى "لا
إله إلا الله"
ويعالجوا واقعهم الأليم بذلك العلاج والدواء نفسه، ومعنى هذا واضح جداً، إذا تدبرنا
قول الله ـ عز وجل ـ:
(30) (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ
أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ
اللَّهَ كَثِيرًا(21). [سورة الأحزاب]
فرسولنا ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو الأسوة الحسنة في معالجة مشاكل المسلمين في
عالمنا المعاصر، وفي كل وقت وحين ، ويقتضي ذلك منا أن نبدأ بما بدأ به نبينا ـ صلى
الله عليه وسلم ـ وهو إصلاح ما فسد من عقائد المسلمين أولاً، ومن عبادتهم ثانياً،
ومن سلوكهم ثالثاً... وإنما أريد أن يهتم بذلك المسلمين اهتماماً شديداً كبيراً".
انتهى
|