هل تتغير قواعد اللعبة
عند ابن لادن كما تغيرت عند حسن نصر اللات
إعداد: هشام بن فهمي العارف
تاريخ 13/5/1429 الموافق 18/5/2008
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
أما بعد؛
الجميع يعلم أن حسن نصر اللات الرافضي بعد أن دخل في تحدٍّ صريح مع خصومه العام
الماضي قال: بأن قواعد اللعبة قد تغيرت، فهل يصرح ابن لادن عن قريب مثل تصريحه؟
الجواب: سننظر القريب من الزمن الآتي، لأن من أقام دينه على المصالح والشهوات، أو
أقام دينه على الخزعبلات والضلالات، يصير الدين عنده لعبة، وبالتالي تتغير قواعد
اللعبة عنده في اللحظة التي يشعر فيها أن مصالحه وشهواته تتهدد. فتغيير قواعد
اللعبة يجري تبعاً لسياسة السياسيين، وفيها يكون عدو اليوم ـ إذا اقتضت السياسة ـ
هو صديق الغد، أو العكس؛ صديق اليوم هو عدو الغد، وهذا التبديل في المواقف يجعل
أتباع السياسيين من العامة في حيرة من أمرهم، خاصة إذا كان الأمر له علاقة في
الدين.
ويأتي الصِّدام بين نصر اللات (الرافضي) وابن لادن ( الخارجي التكفيري) على أرض
الشام بعد أن كان على أرض العراق، وقد حشد كل واحد منهما أنصاره، وجهَّز كل واحد
منهما عتاده.
والذي أحذر منه هو انتصار "أهل السنة" الضعاف، الجهلة، لأحد الفريقين فيصيبهم بسبب
هذا التورط بلاء شديد، فعليهم الرجوع إلى العلماء السلفيين الأكابر بالسؤال،
وامتثال قول الله ـ تعالى ـ:
(1) (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [النحل/43]
فالرجوع إلى الأكابر من العلماء فيه خير عظيم لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
(2) "البركة مع أكابركم". ["الصحيحة" (1778)]
خاصة في زمن الفتن فقد صح عن الحسن البصري ـ رحمه الله ـ أنه قال:
(3)"إنَّ
الفتنة إذا أقبلت عرفها العالم، وإذا أدبرت عرفها كل جاهل". [أخرجه أبو نعيم في الحلية(9/24)، نقلاً عن (العراق) (2/672)].
والملاحظ على طلبة العلم المبتدئين حيرتهم الشديدة لأول وهلة عند وقوع الفتن،
وتخبطهم، وحيرتهم، واضطرابهم، وسرعة اتخاذهم المواقف، لبعدهم عن الدراية التي عليها
الأكابر من العلماء، أو لانصرافهم لحظ النفس التي جبلت عليه من استشراف المسائل
الحادثة دون الرجوع إلى العلماء. قال ـ تعالى ـ في سورة النساء:
(4) (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ
وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ
الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) [النساء/83]
والعلماء هم وحدهم ـ بفضل من الله ـ الذين يتولون إدارة الأمور، ومعالجة الأحداث
الحادثة، لأن الله ـ تعالى ـ أعطاهم من الفهم ما يجعلهم في عواصف الفتن راسخين؛
إكراماً لهم، ولم لا؟! وهم كما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
(5) "وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً، ولا
درهماً، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر". ["صحيح الجامع" (6297)]
إن أول الناس كشفاً لقواعد اللعبة هم العلماء، وكفاهم فخراً ورفعة، لأنهم ثبتوا
أمام التحديات والشهوات، وبقوا على الثبات في مواقفهم من الانتصار للنبي ـ صلى الله
عليه وسلم ـ بصدق وتبعية، حتى إذا ما جاءت الفتنة وراء الفتنة كانوا للفتن
بالمرصاد، وكانوا أعرف الناس بها، ويرصدون تحركاتها بعناية وخشية.
قال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ ـ حفظه الله ـ: "فمن احترم العلماء، وأجلَّ
العلماء، وأخذ بمقال علماء أهل السنة والجماعة ـ أهل التوحيد ـ، فإنه يأخذ بميراث
النبوة، ولم يدع ميراث النبوة إلى غيره". ["الضوابط الشرعية لموقف المسلم من الفتن" (ص:44) ـ دار المنار ط1 (1413)]
وقال الشيخ عبد السلام البرجس ـ رحمه الله ـ: "إن من يستحق أن يطلق عليه لفظ العالم
في هذا الزمن عددهم قليل جداً، ولا نبالغ إن قلنا نادر، ذلك بأن للعالم صفات قد لا
ينطبق كثير منها على أكثر من ينتسب إلى العلم اليوم.
وقال:
إن عدم إدراك الكثيرين اليوم للمفهوم الصحيح لإطلاق كلمة العلماء أدخل في صفوف
العلماء من ليس منهم فوقعت الفوضى العلمية التي نتجرع غصصها في وقتنا الراهن،
ونشاهد مآسيها ورزاياها بين آونة وأخرى.
وقال ـ رحمه الله ـ: "ليس العالم من كان فصيحاً بليغاً في كلامه: خطبه، ومحاضراته.
وليس العالم من ألف كتاباً، أو نشر مؤلفاً، أو حقق مخطوطة أو أخرجها..إن وزن العالم
بهذه الأمور فحسب هو المترسب في أذهان كثير العامة..وبذلك انخدع كثير من العامة
بالفصحاء والكتاب ـ غير العلماء ـ فأصبحوا محل إعجابهم، فترى العامي إذا سمع
المتعالم من هؤلاء يجيش بتعالمه الكذاب، يضرب بيمينه على شماله تعجباً من علمه
وطرباً، بينما العالمون يضربون بأيمانهم على شمائلهم حزناً وأسفا، لانفتاح قفل
الفتنة.
ثم أوضح ـ رحمه الله ـ: "أن العالم حقاً هو من تضلَّع بالعلم الشرعي، وألم بمجمل
أحكام الكتاب والسنة، عارفاً: الناسخ من المنسوخ، والمطلق والمقيد، والمجمل
والمفسر، واطلع على أقاويل السلف فيما أجمعوا عليه واختلفوا فيه.
وقال: "ولا ريب أن تحصيلهم لهذه الأحكام قد استغرق وقتا طويلاً، واستغرق جهداً
كبيراً، وأضافوا إلى ذلك ـ أيضاً ـ عدم الانقطاع عن التعلم، فمن كان هذا حاله فهو
العالم، الذي يستحق هذا اللفظ الجليل، إذ هو المبلغ لشرع الله، الموقع عن الله،
القائم لله ـ تعالى ـ بالحجة على خلقه، ولو قلَّ كلامه، أو ندر، أو عُدم
تأليفه.أ.هـ [جريدة المسلمون: العدد (620)، 10 شعبان 1417]
وعن ابن عيينة قال:
(6) "العالم الذي يعطي كل حديث حقه". ["جامع بيان العلم وفضله" ـ ابن عبد البر]
وقال عبد الله بن حبيب: سمعت ابن الماجشون يقول:
(7) "كانوا
يقولون: لا يكون فقيهاً في الحادث، من لم يكن عالماً بالماضي".
وعن محمد بن المنكدر قال:
(8) "ما
كنا ندعو الرواية إلا رواية الشعر، وما كنا نقول للذي يروي أحاديث الحكمة إلا:عالما".
وقال الخليل بن أحمد:
(9) "الرجال أربعة: رجل يدري، ويدري أنه يدري فذلك عالم فاتبعوه وسلوه. ورجل
لا يدري ويدري أنه لا يدري فذلك جاهل فعلِّموه، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فذلك
عاقل فنبهوه. ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فذلك مائق فاحذروه. [المائق: الأحمق الغبي]
وقال الإمام ابن رجب البغدادي ـ رحمه الله ـ:
"وقد ابتلينا بجهلة من
الناس يعتقدون في بعض من توسع في القول من المتأخرين أنه أعلم ممن تقدم، فمنهم من
يظن في شخص أنه أعلم من كل من تقدم من الصحابة ومن بعدهم لكثرة بيانه ومقاله"..!
ثم قال ـ رحمه الله ـ:
"وقد شهد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأهل اليمن بالإيمان والفقه، وأهل اليمن أقل
الناس كلاماً وتوسعاً في العلوم، لكن علمهم علم نافع في قلوبهم، ويعبرون بألسنتهم
عن القدر المحتاج إليه من ذلك، وهذا هو الفقه والعلم النافع. فأفضل العلوم في تفسير
القرآن ومعاني الحديث والكلام في الحلال والحرام ما كان مأثورا عن الصحابة
والتابعين وتابعيهم إلى أن ينتهي إلى أئمة الإسلام المشهورين المقتدى بهم". ["فضل علم السلف على الخلف" (ص:28)]
والخوارج من صفاتهم التعالم والتعالي على العلماء، ومما يجب أن يحذر
منه اتصاف بعض الخوارج بصفات فاتنة، منها على سبيل المثال:
شجاعتهم وسرعة اندفاعهم يبلغ حد التهور أحياناً. ومبالغتهم في العبادة
والزهد. ويحبون الجدل والمناقشة. ويدافعون عن مذهبهم بفصاحة ولباقة. لأن بدعتهم ـ
كما قال ابن تيمية رحمه الله ـ لم تكن عن زندقة وإلحاد، بل كانت عن جهل وضلال في
معرفة معاني الكتاب.
والخوارج كما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يخرجون على حين فرقة من
الناس، وثبت عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنهم قوم يحسنون القيل، ويسيئون الفعل .
فعنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:
(10) "سيكون في أمتي اختلاف
وفرقة، قوم يحسنون القيل ويسيئون الفعل، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من
الدين مروق السهم من الرمية لا يرجعون حتى يرتد على فوقه، هم شر الخلق والخليقة،
طوبى لمن قتلهم وقتلوه يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء، من قاتلهم كان أولى
بالله منهم، قالوا: يا رسول الله ! ما سيماهم ؟ قال : التحليق". ["صحيح الجامع" (3668)]
والخوارج فرقة كانت في بني إسرائيل، لقد خرجوا على داود ـ نبي الله ـ عليه السلام
في زمانه، وخرجوا في أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلم يمت ـ صلى الله عليه وسلم
ـ حتى حذر أمته منهم.
ما الذي يستدعي المزيد من التفرق
في زمن الفتن، وانتعاش سوق تجارة الولاءات، فإن انحيازات المسلمين ينبغي أن تكون
إلى القطعيات والثوابت في الدين، ولا ينبغي أن تكون منقادة بالعاطفة، أو التعصب،
فتنفلت زمام الوحدة ويصير الجمع الباقي إلى الشتات والتفرق. أو يصير التفرق إلى
مزيد من التفرق.
ولهذا وجب على العلماء السلفيين الرجوع إلى بعضهم البعض لاتخاذ القرارات الموفقة
التي تعود عليهم وعلى المسلمين جميعاً بالخير، وبالتالي وجب على الأمراء أن يستفتوا
العلماء ويراجعوهم فيما يعرض لهم من القضايا الحادثة، فكما أن طاعة العلماء تبع
لطاعة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فطاعة الأمراء تبع لطاعة العلماء. فلا يجوز أن
يكون هناك جفاء بين العلماء، ولا بين العلماء والأمراء.
|