القائمة الرئيسية

 
الأكثر تحميلاً




 
أحدث الكتب





سورة القلم
سورة القلم
10/03/2010

بسم الله الرحمن الرحيم

(سورة القلم)

إعداد: هشام بن فهمي العارف

5/6/1431ـ 18/5/2010

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد...؛

قول الله عز وجل: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ(1)، ( ن) حرف من حروف التهجي يقرأ وفق الرسم التالي: "نون" بإسكان آخره، قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ: ووجه شهادة استقراء القرآن أن السور التي افتتحت بالحروف المقطَّعة يذكر فيها دائماً عقب الحروف المقطعة الانتصار للقرآن وبيان إعجازه، وأنه الحق الذي لا شك فيه".

فالقرآن الذي نزل على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو كلام الله، هو النعمة العظمى؛ فيه من العلم النافع ما لا يحسن تقديره إلا الذي تعلَّم واتقى الله، فكان الأمر بتعلمه وتعليمه ـ من الربِّ أولاً ـ لما فيه من الرحمة، والشفاء، والسعادة، والبصيرة.

وقد ورد ذكر هذه الحروف المقطعة في أوائل السور التالية: البقرة، وآل عمران، والأعراف، ويونس، وهود، ويوسف، والرعد، وإبراهيم، والحجر، وطه، والشعراء، والنمل، والقصص، ولقمان، والسجدة، ويس، و(ص)، والمؤمن، وفصلت، والشورى، والزخرف، والدخان، والجاثية، والأحقاف، و(ق).

عن عبادة بن الصامت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب القدر ما كان وما هو كائن إلى الأبد".

وقوله تعالى: (يَسْطُرُونَ) قال الإمام البخاري قال قتادة: يخطّون، وقال الحافظ: "أي: يكتبون". قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: "فكم لله من آية نحن غافلون عنها في التعليم بالقلم، فقف وقفة في حال الكتابة، وتأمل حالك وقد أمسكت القلم وهو جماد، ووضعته على القرطاس وهو جماد، فتولَّد من بينهما أنواع الحكم وأصناف العلوم، وفنون المراسلات والخطب، والنظم والنثر، وجوابات المسائل. فمن الذي أجرى تلك المعاني على قلبك ورسمها في ذهنك، ثم أجرى العبارات الدالة عليها على لسانك، ثم حرَّك بها بنانك حتى صارت نقشاً عجيباً، معناه أعجب من صورته، فتقضي به مآربك وتبلغ به حاجة في صدرك، وترسله إلى الأقطار النائية، والجهات المتباعدة، فيقوم مقامك ويترجم عنك، ويتكلم على لسانك ويقوم مقام رسولك".

لم يكن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الأمي مُغْفِلاً شأن القلم، بل عنى به كل العناية، وأولها وأعظمها أنه اتخذ كتَّاباً للوحي يكتبون ما يوحى إليه بين يديه، وللكتابة شأن عظيم في العلم والتعلم، ففي الكتابة حفظ النصوص وضبطها، وفي الكتابة زيادة بيان في التعليق على النصوص، وفي الكتابة حفظ الحقوق وتوثيق الديون، فعن أبي يونس ـ مولى عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنه قال: "أمرتني عائشة أن اكتب لها مصحفاً". وقد أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بكتابة العلم، على نحو ما قدمناه في سورة العلق، وبينّا فيها بفضل من الله تعالى أهمية ووظائف القلم.

ودلَّت الآية على مشروعية تعليم المرأة الكتابة، ومن أبواب البخاري في "الأدب المفرد" باب: الكتابة إلى النساء وجوابهن. وذكر فيه حديثاً عن عائشة بنت طلحة، قال المجد ابن تيمية في "منتقى الأخبار" عقب الحديث: "وهو دليل على جواز تعلم النساء الكتابة".

والعلم من أبلغ الأدلة العقلية الدالة على صدق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا شك أنَّ المتعلم لكتاب الله وفق ما بيَّنه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفهمته الصحابة، هو في نعمة عظيمة، وهي تتنافى مع الوصف المفترى.

ولمّا كانت هذه النعمة لا يختص بها إلا أعقل الناس، وأرجحهم رأياً وأصوبهم فكراً، برَّأ الله بها نبيه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ مما نسبوه إليه زوراً وبهتاناً من الجنون، لأن الاتهام إنما حصر بسبب تلك النعمة.

وابتدأ عز وجل التبرئة بقوله: (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ(2) وقد جاء الدفاع عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ودفع تهمة وصفه بالجنون في معرض الحديث عما فيه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من نعمة الرب عز وجل الذي يربيه ويعتني به، وفيه رد على المكذبين الجهلاء الذين أظهرت الدعوة الصحيحة حقيقتهم.

ومعلوم أن الجنون يتنافى مع الدعوة الصحيحة التي تبيَّن للناس أهمية العلم والتعلم، وتحث على القراءة والتدبر، واستخدام وسيلة القلم في الكتابة، كما أن الدعوة الصحيحة تواكب التقدم والرقي في استخدام وسائل الكتابة والتدوين والتوثيق وما ينفع من نقل الكتابة من مكان لآخر كما هو حاصل اليوم من استعمال لأجهزة الحاسوب وغيرها.

والسؤال كيف يوصف من يدعو إلى القراءة والكتابة والتعلم؛ بالجنون؟! الجواب: أنه ما وصف بالجنون من باب حثه على القراءة والكتابة والتعلم، بل من باب البغض والكراهية للعلم النافع الذي فيه كلام الوحي.

وفي الآية تثبيت للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ على حمل رسالته مهما نال من أذى قومه.

وكما أثبت الله تعالى لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كمال العقل، أثبت له الأجر المستلزم للعقل فقال على وجه التأكيد: (وَإِنَّ لَكَ لأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ(3) قال الشنقيطي: "وقد بيَّن الله ـ تعالى ـ دوام أجره دون انقطاع في قوله تعالى في سورة الأحزاب: (إِنَّ اللَّهَ وَملائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا(56)، وصلوات الله تعالى عليه، وصلوات الملائكة والمؤمنين، لا تنقطع ليلاً ولا نهاراً، وهي من الله تعالى رحمة، ومن الملائكة والمؤمنين دعاء". ومعنى (غَيْرَ مَمْنُونٍ) أي: غير مقطوع". 

وزاد الله عز وجل في التأكيد لزيادة حسَّاده في المكابرة فقال: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4)

أي: وإنك مفطور على خلق عظيم، وهذه الآية أيضاً بمثابة الرد على ادعاء المشركين لأن أخلاق المجانين مذمومة بل لا أخلاق لهم، وهنا أقصى مراتب العلو في الخلق. فالمجنون سفيه لا يعني ما يقول ولا يحسن أي تصرف، والخلق العظيم أرقى منازل الكمال في عظماء الرجال.

والله تعالى أرشد نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ الصبر، والحلم، والصفح، وسعة الصدر، ومتابعة قيامه بوظائف رسالات ربه، بأسلوب الثناء عليه بأنه لعلى خلق عظيم، وقد تأدب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأدب القرآن  من خلال توجيه ربه عز وجل فصبر وامتثل لأمر ربه في قوله تعالى (ولربك فاصبر)، وقوله تعالى (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً)، ومعلوم كم يحتاج خلق الصبر من الهمَّة والانضباط.

أنهأ

وقد عنى أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رضوان الله تعالى عنهم بقضية أخلاقه بعد نزول هذه الآية، فسألوا عائشة ـ رضي الله عنها ـ عن ذلك فقالت: "كان خلقه القرآن". وعنى بها العلماء بالتأليف، وأفردوها بمصنفات كـ "الشمائل" للترمذي، و"أخلاق النبي وآدابه" للأصبهاني المعروف بأبي الشيخ.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: "سورة (ن) هي سورة (الخُلق) الذي هو جماع الدين الذي بعث الله به محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ". وقال الإمام السندي ـ رحمه الله ـ: "وكون خلقه القرآن هو أنه كان متمسكاً بآدابه وأوامره ونواهيه ومحاسنه، ويوضحه أن جميع ما قص الله ـ تعالى ـ في كتابه من مكارم الأخلاق مما قصه من نبي أو ولي أو حث عليه أو ندب إليه كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ متخلقاً به ، وكل ما نهى الله تعالى عنه فيه ونزَّه كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يحوم حوله".

ولما كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ألصق الناس بما دل عليه القرآن من الأخلاق الحسنة الممدوحة، فقد أُمرنا بالتأسي به ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ، ولم لا؟ وقد بعث ليتمم مكارم الأخلاق. قال ابن حزم: "من أراد خير الآخرة، وحكمة الدنيا، وعدل السيرة، والاحتواء على محاسن الأخلاق كلها، واستحقاق الفضائل بأسرها، فليقتد بمحمد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وليستعمل أخلاق سيرته ما أمكنه". وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: "فإذا كانت أخلاق العباد، وعلومهم، وإراداتهم، وأعمالهم مستفادة من القلم وما يسطرون، وكان في خلق القلم والكتابة إنعام عليهم وإحسان إليهم إذ وصلوا به إلى ذلك، فكيف ينكرون إنعامه وإحسانه على عبده ورسوله الذي أعطاه أعلى الأخلاق، وأفضل العلوم، والأعمال، والإرادات، التي لا تهتدي العقول إلى تفاصيلها من غير قلم ولا كتابة؟ فهل هذا إلا من أعظم آيات نبوته وشواهد صدق رسالاته؟ وسيعلم أعداؤه المكذبون له أيهم المفتون، هو أم هم؟ وقد علموا هم والعقلاء ذلك في الدنيا، ويزداد علمهم في البرزخ، وينكشف، ويظهر كل الظهور في الآخرة، بحيث تتساوى أقدام الخلائق في العلم به". وقال الشنقيطي ـ رحمه الله ـ: "وقد أخذت قضية الأخـلاق عـامة، وأخلاقه ـ صلى الله عليه وسلم ـ خاصة، محل الصدارة من مباحث الباحثين وتقرير المرشدين، فهي بالنسبة للعموم أساس قوام الأمم، وعامل الحفاظ على بقائها، كما قيل:             

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت        فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

وقد أجمل ـ صلى الله عليه وسلم ـ البعثة كلها في مكارم الأخلاق في قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".

فمكارم الأخلاق رحمة للعالمين في الدنيا ومنزلة عليا للمؤمنين، وقد ظهرت نتيجة عظم هذه الأخلاق في الرحمة العامة الشاملة في قوله ـ تعالى ـ: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) مـع أن بعثته ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالتوحيد، والعبادات، والمعاملات، وغير ذلك، مما يجعل الأخلاق هي البعثة.

وسورة القلم نزلت في أول مراحل الدعوة وأشارت إلى الاهتمام بمكارم الأخلاق، وحثت على الاقتداء بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ المستعلي على الأخلاق الممدوحة كلها.

ولما أشارت سورة العلق إلى خَلْقِ الإنسان، كان من التقدير الإشارة إلى خُلِقِ الإنسان، والخَلق والخُلق أصلهما اللغوي واحد، وهو التقدير، والخَلق صورة الظاهر، والخُلق صورة الباطن.

ولمّا كان التديِّن المشروع وفق الكتاب والسنة الصحيحة على منهج السلف الصالح، والتحلي بالأخلاق الكريمة، يورث بصيرة يكون صاحبها على علم، بل على يقين، كالمبصر بالحس فيما سيقع في الزمن القريب العاجل قال: (فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ(5) ومعلوم أن البصير بدين الله تعالى بصير بما ستؤول إليه الأحداث، وكان غيره معرَّضاً للفتنة، وجزاء المفتون هنا أن يمتحن بالضلال والجنون والأعمال الطالحة فقال: (بِأَيِّيكُمْ الْمَفْتُونُ(6) أي: المجنون، وقد تحقق بفضل من الله تعالى وعد الله وهذا المصير في الدنيا قبل الآخرة، فرأى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمؤمنون انتصاراتهم على أهل الباطل انتصاراً تلو انتصار إلى أن توِّجت هذه الانتصارات في العهد المدني وكيف حلَّت بالكافرين الهزائم المنكرة، ورأى الكافرون مصيرهم الذي وعد الله الرسول به، وأوعدهم به ضمناً، لقد تحقق في النهاية من الذي كان مفتوناً مجنوناً.

ولما كان الإخبار بجنونهم مستلزم لضلالهم، وأن هذا اللون من الإخبار قد يقع في محاورات الناس بضرب من الظن، أكد الله بقوله: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(7) إعلاماً بأن الخبر قطعي، لأن الله تعالى خلق ضلالهم وهُداهم، وأنه عز شأنه هو أعلم بمن ضل عن سبيله، أي: زاغ عن طريق الصواب والحق، إلى طريق الكفر والضلال. وهذا فيه تهديد للضالين، ووعد للمهتدين.

ثم رتب الله تعالى نهياً لنبيه ـ وتشريعاً لمن اقتدى به ـ ينبيء عنه ما قبله من اهتدائه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وضلالهم فقال: (فَلا تُطِعْ الْمُكَذِّبِينَ(8) أي: دم على ما أنت عليه من عدم طاعتهم، وتصلب في ذلك. والطاعة: الانقياد والمتابعة والاستجابة للطلب، وأشار الله تعالى بعد هذه الآية الكريمة إلى خلق سيء للغاية، وهو: الكذب، لأن الكفار عموماً من صفاتهم الأكيدة الخبيثة: التكذيب بالله والكفر به سبحانه.

وقد بيَّن الله تعالى خلق الكذب وأنه وليد الاستغناء عن الله تعالى، ففي سورة العلق (إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى(6)أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7)، والذي يستغني عن ربه يترك توحيده وعبادته، لذا قال: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى(9)عَبْدًا إِذَا صَلَّى(10)أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى(11)أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى(12). وإذا لزمته حاجة لجأ إلى غيره، أو لجأ إليه مع غيره، وإذا اضطر إليه وحده فسرعان ما ينقلب إلى أصله الخبيث بعد زوال العلة ويعود إلى الكفر والشرك. وهذا الفعل منه تكذيب لله تعالى لذا قال: (أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى(13) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى(14).

وزجر الله تعالى في ختام سورة العلق عن طاعة المكذب فقال: (كَلاَّ لا تُطِعْهُ) ثم لما نزلت سورة المدثر بيَّن الله تعالى ، أن تكذيبهم به ـ سبحانه وتعالى ـ تكذيب بيوم الدين، ومن كذَّب بيوم الدين لاح له أن يفعل ما يشاء من ألوان الباطل في الدنيا، لذلك صرّحوا بعظيم الجرم الذي كانوا يعتقدونه في الدنيا واستحقوا من أجله نار سقر في الآخرة فقالوا: (وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ(46) اعترفوا بالتكذيب لله وهم في نار جهنم بعد اعترافاتهم السابقة بالتكذيب قبل دخولها، ومنها على سبيل المثال: ما نقله الله تعالى عنهم في سورة الأنعام بقوله: (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ(27).

ولعل التعلق بنعيم الدنيا يورث ذلة ومهانة، وأعلى هذه المهانة الاستمتاع باللذات والشهوات، فمن ابتلاه الله تعالى بالنعيم وسعة الرزق والصحة فاستغنى عن ربه  وعن عبادته وتذكُّر نعيمه، ومال إلى الدنيا بطراً وكفراً وصار من المترفين، فإنه في زمرة المكذبين الذين حذَّر الله منهم بقوله في سورة المزمل: (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً(11).

ولما كان الكذب والتكذيب ضد الصدق والتصديق، فإن دخول المكذِّب الجبان على المصدِّق الشجاع لثنيه عن الحق شيئاً فشيئاً يحتاج إلى فن المداهنة والمصانعة، فلا يجوز لصاحب الحق أن يحقق أمنية الكذّابين المكذّبين في مداهنتهم التي هي من أخلاقهم فيسمح لهم بمداهنته لذا قال: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ(9) ولأن المسألة مسألة ولاء وبراء، وهي على رأس موضوعات التوحيد، فقد نبَّه الله تعالى إلى خطورة التفريط فيها، وألا يغتر المرء الصالح بمصانعة الدجَّالين سعياً لتليين موقفه من التمسك بالحق. لذلك كان أمثل الأقوال في قوله تعالى: ( وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) قول ابن العربي لأنه ـ رحمه الله ـ ذهب إلى غاية المداهنة والمصانعة في أخلاقهم بقوله: "أي: ودُّوا لو تكذب فيكذبون، ودُّوا لو تكفر فيكفرون". فمخالطة الفسَّاق، وأهل البدع والأهواء، ومعايشتهم وغيرهم من المشركين وأهل الباطل من غير إنكار عليهم، ينعش خلق المداهنة، ألا ترى إلى مداهنة أهل البدع بعضهم لبعض!!، فإن فرق الضلالة والبدع تسكت عن أمثالها من المبتدعة مداهنة. لذا قال القرطبي: "وفسَّرها العلماء بأنها معايشة الفاسق، وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه". وفسِّرت المداهنة: "بالتهاون وعدم الأخذ بالحزم".

ويبدو أن خلق المداهنة الذي كان المشركون يهتمون به ويسعون إليه لم يتوقف مَسيرة الدعوة كلِّها؛ على نحو ما نطالعه ونقرأه  في وقائع سيرة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وعلى نحو ما نطالعه عبر التاريخ كلِّه، وقد بذل المشركون ولا يزالون وغيرهم من أهل الأهواء والبدع قصارى جهدهم باستعمال وسائل شتى، للوصول إلى مآربهم من أجل ثني أهل الحق عن مقصدهم في الدعوة إلى الله. لذا يجب أخذ الحذر منهم ولا يجوز مقاربتهم باللين لأنها المداهنة، على خلاف المداراة فمقاربتهم تكون مع سلامة الدين.

وقوله تعالى (وَدُّوا) أي: أحبّوا ورغبوا، أو تمنوا، فالملاحظ أن بينهم وبين المداهنة ودٌّ وتمني، فلو أنك سكت وأظهرت لهم خلاف ما تبطن فإنك تسمح لهم أن يظهروا لك خلاف ما يبطنون، وبمعنى آخر لو نافقتهم نافقوك. إنهم ينتظرون فرصة ضعفك فما إن تضعف في موقفك وتأخذ طريق اللين في التمسك بمنهج الحق والنبوة والسلف، فسرعان ما تجدهم يضعفون ويلينون.

وقد بلغ بهم أمر المداهنة إلى استعمال الحلف وتكرار هذا الحلف  لحمل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يطيعهم ويحقق رغباتهم، لذلك زاد الله على التنبيه في النهي والتهييج والتشدد في المخالفة، والتصميم على المعاداة فقال: (وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ(10) والحلاَّف: المكثار من الحلف بالحق وبالباطل، وهو دليل على عدم استشعاره الخوف من الله، فإن خلق الكذب يولِّد ضعفاً ومهانة وبالتالي يحتاج صاحبه إلى الحلف ليتقي ضعفه ومهانته، وحين يصير المرء إلى الحلف يصير محتقر الرأي والتفكير، سافل الهمة والمروءة.

ثم ذكر الله تعالى أوصافاً أخرى هي من أخلاق المكذبين، وهذه الأوصاف متفرعة من الكذب وخبث السجية، فهي كالتفصيل باعتبارها علامات دالات عليهم، والفائدة: المبالغة في التحذير من هؤلاء لأن لديهم مجموعة من الأخلاق الشريرة على رأسها بعد الكذب؛ المخادعة والمداهنة فهم يملكون مهارات في إخفاء سلوكياتهم الحقيرة المهينة لينطلقوا بعدها في إفساد قلوب الناس والصد عن الدعوة الصحيحة.

إن هؤلاء الصّادون عن دعوة الحق، دعوة التوحيد، الدعوة السلفية، مجرمون، جزاؤهم أن يوسموا على مناخرهم في الدنيا ويكبهم الله عليها في النار في الآخرة، جاء في الأثر الذي أخرجه الإمام البخاري في "الأدب المفرد" (87) عن جبير بن نفير قال: "جلسنا إلى المقداد بن الأسود يوماً، فمر به رجل فقال: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، والله! لوددنا أنا رأينا ما رأيت، وشهدنا ما شهدت، فاستغضب، فجعلت أعجب، ما قال إلا خيراً! ثم أقبل عليه فقال ما يحمل الرجل على أن يتمنى محضراً غيبة الله عنه لا يدرى لو شهده كيف يكون فيه؟ والله لقد حضر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أقوام كبَّهم الله على مناخرهم في جهنم لم يجيبوه ولم يصدقوه..."الأثر.

وجاء التحذير من هذه الأخلاق وهذه السلوكيات ليتنبَّه المؤمنون إلى جراءة هؤلاء الكذبة الفجرة وتصير عندهم الخبرة في مخالطة هذا النوع من المكذبين، خاصة وأن الدعوة في أوائل مراحلها والأعداء لها بالمرصاد فقال الله يفصل سلوكيات الكذبة التي ابتدأت بالهمّاز وانتهت بالوسم على الخرطوم فقال: (هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ(11) الهمز: أصله في اللغة: الضرب طعناً باليد، أو بالعصا أو نحوها، ثم استعير للذي ينال بلسانه. وهمَّاز: صيغة تكثير، وهو الذي يغمز بأهل الحق في المجالس بين الناس، كما يفعله الآن دعاة الباطل والحزبية من الطعن في الدعوة السلفية؛ حسداً من عند أنفسهم. والهمز: العض والعصر والدفع، من المهماز الذي يطعن به في بطون الدواب، وهو مخصوص بالغيبة، كما أن اللمز مخصوص بالمواجهة. والمشَّاء: للمبالغة؛ فهو كثير المشي بالنميمة، لتقطيع أواصر صلات الناس بعضهم ببعض، لأنه يحب التفريق عن سماع الحق، ليجتمع عنده أعوان الباطل. والنمّامون الذين لا يسكتون عن الشر، توعَّدهم الله بالكبِّ على مناخرهم في جهنم بسبب ما نطقت به ألسنتهم، وقد جاء في القرآن والسنة التحذير من النميمة، فهي كبيرة من الكبائر، وهي من أخلاق المكذبين، وسنأتي ـ إن شاء الله ـ على بيان الترهيب من إتيانها وكشف بشاعة نتائجها وآثارها المدمرة في المجتمع، وأصل النَّم: الهمس والحركة الخفيفة، ثم استعملت في السعي بين الناس في الفساد. ومعلوم أن النمّام يقدم وشايته باستخفاء، وصوت خفي.

واعلم أن التحذير من أهل البدع والضلال بأعيانهم ليس بغيبة ولا بنميمة، ولمّا كان في أهل الباطل صفة خلقية سيئة؛ بها صاروا مفاتيح للشر مغاليق للخير، أشار الله تعالى إلى صفة أخرى تفضي إلى الظلم بالإصرار والاستمرار على منع النصح للمسلمين، ومنع الخير، والاعتداءات الغاشمة على أهل العلم والمعروف، وارتكاب الآثام المتنوعة الخطيرة على مستقبل المسلمين فقال: (مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ(12) مناع للخير: أي: كثير المنع للخير، وهذا خلق من أخلاق المكذبين أيضاً:إنهم يمنعون ما عليهم وما لديهم من الخير، إنهم بخلاء لا ينصرون الدعوة الصحيحة بأموالهم، أو بما ملَّكهم الله تعالى من خيرات، بل هم يذهبون إلى أبعد من هذا، إنهم يتجاوزون بظلمهم، وينفقون أموالهم بالباطل ويكثرون من فعل الآثام، بحيث لو أن أحداً من أبنائهم أو عشيرتهم استقام على منهاج النبوة والحق عنَّفوه، وحرموه من الخيرات ولو كانت حقاً له. والاعتداء: مبالغة في العداون، والأثيم: كثير الإثم.

ولمّا كان هذا المتصف بهذه الصفات الدنيئة يصل بها إلى حد الفحش واللئم والغلظة لعدم طواعيته في الخير ويبس طبعه قال: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ(13) ففي الوقت الذي وصف الله تعالى نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأنه على خلق عظيم، وصف المكذبين بعكس ذلك: من كذب، ومداهنة، وكثرة حلف، ومهانة، وهمز، ومشي بنميمة، ومنع للخير، وعتلّ وتجبّر، واعتداء، وظلم، عشر خصال ذميمة ونتيجتها الوسم بالخزي على الأنوف صغاراً لهم.

وجاءت أوصاف الخصال المتقدمة في المكذب: حلاّف، همّاز، مشّاء، منّاع، بصيغة المبالغة، للدلالة على عظيم جرمه وكثرة فساده. والعتّل: الجاف، الغليظ، القاسي القلب، عديم الفهم. وقال الكلبي والفراء فيما نقله القرطبي في "الجامع": "وهو الشديد الخصومة بالباطل". وعن مجاهد عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ في تفسير الزنيم قال: "رجل من قريش له زنمة مثل زنمة الشاة". وليس المقصود بهذا وصفه بسوء الخلقة لأن هذا ليس مما يعاب عليه الإنسان حيث أنه ليس مما يختاره لنفسه. وإنما وصف بذلك ليعرف.

قال البقاعي ـ رحمه الله ـ: "ولمّا كان حطام هذه الدنيا كله عرضاً فانياً وظلاً متقلصاً زائلاً، لا يفتخر به بل ولا يلتفت إليه إلا من كان بهذه الأوصاف، فإذا كان أكبر همه ومبلغ علمه أثمر له الترفع على الحقوق والتكبر على العباد قال": (أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ(14) ولم يتوقف هذا الدني عند ذلك بل وصف كلام الله عز وجل بأساطير الأولين: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ(15) أي: إذا تتلى عليه آياتنا قال أكاذيب الأولين. فما أشد قبح هذه المقابلة ينعم عليه الرب عز وجل بالخير والعطاء، وهو يصف دين الله تعالى بعد تلاوة الحجج الربانية بالأباطيل الكاذبة. فأي أخلاق أخس من هذه الأخلاق في أمثال الواحد من هؤلاء الأوغاد.

وليس المراد من جمع هذه الخلال أن تكون في الواحد منهم، بل من كانت له واحدة منها، والصفة الكبيرة منها هي التكذيب بالقرآن الذي ختم بها قوله: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ).  وقد تقدم في سورة المدثر هذه المقابلة في قوله تعالى: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا(11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُودًا(12) وَبَنِينَ شُهُودًا(13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا(14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ(15) فاستحق ما توعَّده الله تعالى بقوله: (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا) وقوله: (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ).

وهنا استحق هذا الذي قابل الخير بالشر وأغرق فيه، أن يلحق الله به الخزي والعار في الدنيا والآخرة.  بحيث يصير العار في حقه كالوسم الذي لا ينمحي أثره لذا قال مؤكداً: (سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ(16) وأعظم الإهانة إهانة الوجه، وكنَّى عن الأنف بالخرطوم، إذلالاً له وإهانة، وقالوا في الذليل: رغِمَ أنفه. وللدلالة على أن أنف هذا الصنف من الناس أنف موسوم بالبشاعة والشناعة لاستكبارهم، وغلظتهم، وأنفتهم عن اتباع الحق.

ثم جاء ذكر الابتلاء في السورة بعد دخول الدعوة الصحيحة مدخل الشاهد على أفعال الناس اتجاهها لتسجل موقفهم من دين الله  تعالى أيقبلون على طاعة الله، أم أنهم ينصاعون للشهوات والاستمرار في تكذيب الدعوة؟ (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ(17) قال القاسمي: "أي بلونا مشركي مكة، فاختبرنا بهذا التنزيل الحكيم، هل يشكرون نعمته، فيحيوا حياة طيبة، أو يصرّون على تكذيبه فلا تكون عاقبتهم إلا كعاقبة أهل الجنة في امتحانهم الآتي، ثم دمارهم". (إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ) قال ابن كثير: "أي: حلفوا أصحابها فيما بينهم ليقطعُن ثمرها ليلاً، بمعنى أنهم ينتهون من مهمة الجزِّ مع دخول الصباح عليهم،  وصرم النخل والشجر: جزَّهما، لئلا يعلم بهم فقير ولا سائل ليتوفر ثمرها عليهم ولا يتصدقوا منه شيء". (ولا يَسْتَثْنُونَ(18) وأقسموا ألا يستثنون من ثمرات جنتهم شيئاً للفقراء والمساكين، ولم يدروا أن الله تعالى هو الذي أعدَّ لهم هذا الابتلاء، وهذه القصة صوَّرت بشاعة التعلق بالدنيا برد نعمة الدين، وما آلت النفس إليه عند الابتلاء فاشتهت؛ فطمعت لنفسها ومنعت غيرها، وهي تعلم أن المنعم هو الله عز وجل فسقطت في الاختبار وتبيَّن لها السقوط حين دار عليها العقاب لذا قال: (فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ(19) والعرب لا تستعمل الطائف إلا في العذاب، فدار العذاب عليها محيطاً بها ومطوقاً لها دون جاراتها من الجنات والبساتين والمزارع، وهذا الطائف مرسل من أمر ربك، وهم نائمون بعد أن اطمأنوا لتحقيق ما عزموا عليه مصبحين. (فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ(20) أهلكت من جذورها وأصبحت رماداً، وصارت أرضها كقطعة منصرمة من الرمل، وحولها البساتين والمزارع قائمة. (فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ(21) أي: فنادى بعضهم بعضاً عند الصباح ليذهبوا إلى الجذاذ أي القطع. (أَنْ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَارِمِينَ(22) قال مجاهد فيما نقله ابن كثير: "كان حرثهم عنباً". (فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ(23) فانطلقوا بسرعة وهم يتكلمون سراً وخفية حتى لا يشعر بهم أحد من أهل قريتهم. وكان كلامهم: (أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ(24) أي: يقول بعضهم لبعض لا تمكنوا اليوم مسكيناً يدخلها عليكم، ليستأثروا لأنفسهم بكل ثمرات جنتهم. (وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ(25) يأتي "الحرد" في اللغة بمعنى: القصد، ويأتي بمعنى: الغضب والحنق، ويأتي بمعنى: الانفراد والانعزال، ويأتي بمعنى: المنع، أما القصد فهو ملائم لاتفاقهم، وكذلك المنع، فالمعنى: أنهم ساروا قاصدين جنتهم لأجل صرمها ومنع المساكين منها. لكن ما استنبطه الفراهي في كتابه "مفردات القرآن" (صفحة:166)، من معنى (حَرْدٍ): التكبر والإعجاب بالقوة، واستشهد له من كلام العرب هو الأقرب، يضاف إلى ذلك استعمال حرف (عَلَى) للدلالة على إعجابهم بغطرستهم والله اعلم.

فالمعنى: أنهم غدوا ونفوسهم متكبرة معجبة بقوتها (قَادِرِينَ) أي: شاعرين بأنهم قادرون على تحقيق قصدهم، وهم لا يدرون ما دبَّره الله لهم من القدر.

وتقديم الجار والمجرور (عَلَى حَرْدٍ) على متعلقة (قَادِرِينَ) لإفادة الحصر، أي أنهم في خروجهم لم يكن حال قدرتهم إلا التكبر والإعجاب بالقوة، وانتهى هذا التكبر والإعجاب عند اصطدامهم بالعقوبة التي ابتدأت مراحلها على الوجه التالي: (فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ(26) فلما وصلوا إليها وأشرفوا عليها وهي على الحالة التي قال الله عز وجل قد استحالت عن تلك النضارة والزهرة وكثرة الثمار إلى أن صارت رملة سوداء لا ينتفع بشيء منها قالوا: ( إِنَّا لَضَالُّونَ)، أي: تهنا عنها. قال البقاعي: "ولمّا انجلى ما أدهشهم في الحال قالوا مضربين عن الضلال". (بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ(27) فتنبهوا لمّا اتضح لهم أنها هي بعينها، وعرفوا أنهم لم يخطئوا الطريق وأنهم حرموا جنتهم، وأنها العقوبة.

وقال البقاعي: "ولمّا كان القرع بالمصائب مظنة الرقة والتوبة لمن أريد به الخير، وزيادة الكفر لغيره، استأنف قوله: (قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ(28) أعدلهم، وهو أفضلهم وأعقلهم وأقربهم إلى الخير، منكراً عليهم: ألم أحذركم من سخط الله وغضبه، وأقل لكم: ( لَوْلا) بمعنى: هلاَّ تسبحون الله وتشكرونه على ما أولاكم وأعطاكم؟

والاستفهام للتقرير، لقد كان بينهم الواعظ الذي لم يستجيبوا له سابقاً، ويلاحظ أنه لم يتوقف كثيراً عند تذكيرهم بما كان قاله لهم سابقاً لأنه استجاب لرغبتهم فوافقهم وعزم على ما عزموا عليه، بل انتقل بسرعة إلى حضِّهم عل



ملاحظات



الإسم
البريد الإلكتروني
الدولة
التعليق
الكود الأمني
 title=
 title=


©2012 شبكة الدعوة السلفية من المسجد الأقصى المبارك