القائمة الرئيسية

 
الأكثر تحميلاً




 
أحدث الكتب





سورة الضحى
10/04/2010

بسم الله الرحمن الرحيم

(سورة الضحى) (11)

                                                                                                  إعداد: هشام بن فهمي العارف

16/6/1431 – 29/5/2010

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد...؛

اتفق المفسرون على أن هذه السورة نزلت بعد انقطاع الوحي مدة، تكذيباً من الله قريشاً في قيلهم لرسول الله، لما أبطأ عليه الوحي: قد ودّع محمداً ربُّه وقلاه.

مع العلم أنه سبق وأن فتر الوحي عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ، لكن أثر هذا الانقطاع في هذه المرحلة كان أبلغ، لأن الدعوة بدأت تأخذ مفعولها في المجتمع، والناس ينتظرون الذي ينزل به الوحي، وبدأ الخصوم يزدادون حسداً للنبي وانتصاراً للباطل، وبالتالي ازداد ابتلاء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ.

 وفي ابتلائه ـ عليه السلام ـ رحمة لأنه ترويض له على تحمّل أعباء الدعوة. فعن جندب البجلي ـ رضي الله عنه ـ؛ قال:

1- "أُحتبس جبريل ـ عليه السلام ـ على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقالت امرأة من قريش: أبطأ عليه شيطانه؛ فنزلت: (وَالضُّحَى(1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى(2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى(3) [أخرجــه البخاري]

وفي رواية عنه:

2- "اشتكى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلم يقم ليلتين أو ثلاثاً، فجاءت امرأة فقالت: يا محمد! إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك؛ لم أره منذ ليلتين أو ثلاثاً، فأنزل الله عز وجل: (وَالضُّحَى(1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى(2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى(3) [أخرجــه البخاري، ومسلم، وغيرهما]

وعنه قال:

3- "أبطأ جبريل على رسول الله ـ صـلى الله عليه وسلم ـ فقال المشركون: قد ودِّع محمد؛ فأنزل الله عز وجل على رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى(3) وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ الأولَى(4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى(5) [أخرجه مسلم، والترمذي، وأبو عوانة، والحميدي، والطبري في "التفسير"، والطبراني في "الكبير" (1712)]

فالسورة وجِّهت بصريح الخطاب للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ تسلية له، وتطميناً، وتكريماً، ووعداً بأيام عظيمة في الدنيا، وآخرة كلها من الله عطاء.

والسورة تثبيتاً وتمكيناً للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وللمؤمنين، ومسرة لقلوبهم بتكريم الله رسول ربهم الذي آمنوا به واتبعوه.

والسورة رد على مروجي الشائعات الباطلة والكاذبة والمفتراة، وللذين يكيدون للدعوة الصحيحة.

فعودة الوحي هذه المرة بعد انقطاع، عزّزت من عزيمة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ورفعت من معنويات المؤمنين، لأن الذي نزل ـ في السورة ـ من عطاء الله له لم تقف حدوده عند خيرات الدنيا، بل أكّد الله له أن النعم مستمرة ومتواصلة إلى أن يجد خيراً منها في الآخرة.  

وَالضُّحَى(1)

أقسم الله تعالى بالضحى: وهو بدء انتشار ضوء النهار. ولمّا ذكر ألطف ما في النهار وهو زهرته أتبعه القسم بالليل فقال:

وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى(2)

أي سكن بالخلق وغطّى كل شيء بظلامه، قاله قتادة، والضحاك، وابن زيد، واختاره الطبري ـ رحمه الله ـ فقال:

4- "إذا سكن بأهله، وثبت بظلامه".

والسكون مقابل انتشار النهار والدخول في حيويته، قال متمم "أضواء البيان":

5- "أقسم تعالى بالضحى والليل هنا فقط لمناسبتها للمقسم عليه، لأنهما طرفا الزمن وظرف الحركة والسكون، فإنه يقول له مؤانساً:

مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى(3)

لا في ليل ولا في نهار". والآية جواب القسم، قال البخاري:

6- "تقرأ بالتشديد والتخفيف بمعنى واحد".

من توديع المفارق، وبالتشديد قراءة الجمهور. أي: ما قطعك قطع المودّع، وجواب القسم بالتشديد أولى، ردّاً على إشاعات الخصوم، ومراعاة لواقع الابتلاء الذي يعيشه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتأكيداً أن ربّه عز وجل ما ودّعه وما قلاه. قال ابن عباس:

7- "أي: ما تركك، ومـا أبغضـك".[أخرجه الطبري]

وقال الطبراني:

8- "أي: ما تركك منذ اختارك، ولا بغضَك منذ أحبَّك".

فالله عز وجل لم يتركه منذ اعتنى به وأكرمه، ولم يبغضه منذ أحبه. قال ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ:

9- "بل أحب الخلق إليه فيما نعلم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولهذا اختاره الله لأعظم الرسالات، وأفضل الأمم، وجعله خاتم النبيين، فلا نبي بعده ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ".

وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ :

10- "إن الذي اقتضت رحمته أن لا يترك عباده في ظلمة الليل سرمداً، بل هداهم بضوء النهار إلى مصالحهم ومعايشهم، لا يليق به أن يتركهم في ظلمة الجهل والغي بل يهديهم بنور الوحي والنبوة إلى مصالح دنياهم وآخرتهم. فتأمل حسن ارتباط المقسم به بالمقسم عليه".

وأكد الله تعالى على مواصلة عنايته بنبيه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى يصل إلى الآخرة فيجدها خيراً له من الأولى فقال:

وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ الأولَى(4)

فيكون ما بين ذلك كله في عناية ورعاية ربه. قال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ :

11- "فلم يزل ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصعد في درجات المعالي، ويمكن الله له دينه، وينصره على أعدائه، ويسدده في أحواله، حتى مات، وقد وصل إلى حال ما وصل إليها الأولون والآخرون من الفضائل والنعم، وقرة العين، وسرور القلب. ثم بعد هذا لا تسأل عن حاله في الآخرة من تفاصيل الإكرام، وأنواع الإنعام".

ودلّت الآية على أنه ـ سبحانه ـ أعطاه في الدنيا خيرات كثيرة، ولكن ما يكون له في الآخرة فهو خير وأفضل مما أعطاه في الدنيا، لذا قدّم الله تعالى ذكرها هنا على الأولى. ووعده بقوله:

وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى(5)

على أن العطاء وإن تأخر لحكمة أرادها الله تعالى كائن لا محالة، وعلى أن أجره لم ينقطع، ومعلوم أن الأولى دار عمل وتكليف وجهاد، والآخرة دار جزاء وثواب وإكرام، فهي لا شك أفضل من الأولى.

واللام في قوله: (وَلَسَوْفَ) جاء مؤكداً، وقد أعطاه الله تعالى في الدنيا إتمام الدين، وإعلاء كلمة الله، والنصر على الأعداء. ولسوف يعطيه في الآخرة الجزاء الأوفر. ومن هذا الجزاء: المقام المحمود، والحوض المورود، والوسيلة، والشفاعة، وشهادتـه على الرسل، وشهادة أمته على الأمم، وغير ذلك من العطايا. والتي منها ألف قصر في الجنة، في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم. قال ابن كثير :

12- "يعطيه حتى يرضيه في أمته وفيما أعده له من الكرامة ومن جملته نهر الكوثر الذي حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، وطينه مسك أذفر".

عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

13- "عرض علي ما هو مفتوح لأمتي (وفي رواية: على أمتي) بعدي (كفراً،كفراً)، فسرّني فأنزل الله تعالى (وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ الأولَى(4) إلى قوله (فَتَرْضَى). أعطاه الله في الجنة ألف قصر من لؤلؤ، ترابها المسك، في كل قصر ما ينبغي له (من الأزواج والخدم)".[أخرجه الطبراني في "الأوسط"و"الكبير"، والطبري في "التفسير"، والبيهقي في "دلائل النبوة"، وهو في "الصحيحة"(2790)]

قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

14- "فلم تكن الدنيا لترضيه وهو لا يرضاها كلها لأمته، وهو يحذِّر منها. وتعرض عليه فيأباها. وإنما هو ما يعطيه من الثواب وما يفتح عليه وعلى أمته من ملك كسرى وقيصر، ودخول الناس في الإسلام وظهور الدين، إذ كان ذلك محبته ورضاه صلوات الله وسلامه عليه".["عدة الصابرين"(ص:297)]

والفاء في قوله تعالى (فَتَرْضَى) للتعقيب لأن العطاء عاجل النفع، وفي هذه بشرى للطائفة الناجية أنها المنصورة لأنها على منهاج النبوة والسلف، أن تأخذ حظها عاجلاً في الدنيا فترضى ـ قبل أن يرضيها الله في الآخرة ـ بانتصاراتها على الباطل وأهله، فهي لا تزال ـ ولله الحمد ـ في الدنيا ظاهرة على الحق منصورة ـ بفضل الله تعالى ـ.

وفي الصحيحين وغيرهما أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ:

15- "إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَهِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ، وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ".

فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ:

16- "فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا".

فَعَجِبْنَا لَهُ وَقَالَ النَّاسُ:

17- "انْظُرُوا إِلَى هذَا الشَّيْخِ، يُخْبِرُ رَسُولُ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ، عَنْ عَبْدٍ خَيَّرَهُ اللهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ هُوَ الْمُخَيّرَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ هُوَ أَعْلَمَنَا بِه".

 وجاء في بعض كتب التفسير: أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يرضى أن يكون في النار أحد من أمته!! قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

18- "وهذا من أقبح الجهل وأبين الكذب عليه، فإنه يرضى بما يرضى به ربه عز وجل، والله تعالى يرضيه تعذيب الظلمة، والفسقة، والخونة، والمصرّين على الكبائر، فحاشا رسوله أن يرضى بما لا يرضى به ربه تبارك وتعالى".["الجواب الكافي"(ص:12)]

ولمّا وعده بأنه لا يزال في كل لحظة يرقيه ويصعد به في درجات المعالي، ذكّره بماضيه وكيف أنه ارتقى به من اليتم إلى الإيواء، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الفقر إلى الغنى فقال:

 

أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى(6)

فالله تعالى تعهده منذ ولادته ونشأته، فصانه عن دنس الشرك، وطهره وشق صدره ونقاه، وكان رغم يتمه سيد شباب قريش، والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مات أبوه وهو حمل في بطن أمه، وماتت أمه وله من العمر ست سنين.

قال متمم "أضواء البيان" ـ رحمه الله ـ:

19- "والذي يظهر أن يُتمه راجع إلى قوله: (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى(3) أي: ليتولى الله تعالى أمره من صغره، فكان يتمه لإبراز فضله، لأن يتيم الأمس أصبح سيد الغد وكافل اليتامى".

فعلى أهل الشرك والضلال والمبتدعة أن يتحققوا مما استقبله المسلمون من انتصاراتٍ لدعوة الحق بعد البعثة، إذ هم وقفوا على إمداد الله تعالى لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل البعثة. فمن آواه؟ ومن هداه؟ ومن أغناه؟ حتى أرسله رحمة للعالمين. وكذلك يفعل الله لمن يجدّد دينه: يأويه، ويهديه، ويغنيه.

قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

20- "ثم كان في كفالة جده عبد المطلب، إلى أن توفي وله من العمر ثمان سنين، فكفله عمه أبو طالب. ثم لم يزل يحوطه وينصره ويَرفع من قَدره وَيُوقّره، ويكفّ عنه أذى قومه بعد أن ابتعثه الله على رأس أربعين سنة من عمره، هذا وأبو طالب على دين قومه من عبادة الأوثان، وكل ذلك بقدر الله وحُسن تدبيره، إلى أن تُوفي أبو طالب قبل الهجرة بقليل، فأقدم عليه سفهاء قريش وجُهالهم، فاختار الله له الهجرة من بين أظهرهم إلى بلد الأنصار من الأوس والخزرج، كما أجرى الله سُنَّته على الوجه الأتم والأكمل. فلما وصل إليهم آوَوه ونَصَرُوه وحاطوه وقاتلوا بين يديه، رضي الله عنهم أجمعين، وكل هذا من حفظ الله له وكلاءته وعنايته به".

وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى(7)

فضلاله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن شركاً بل كان في بُعده عن هدي النبوة فهداه الله إليها، قال الجمهور ومنهم الحسن والضحاك:

21- "ضالاً عن معالم النبوة، وأحكام الشريعة، فهداك إليها".[زاد المسير"(9/158)]

قال صديق حسن خان ـ رحمه الله ـ:

22- "ولا يجوز أن يفهم به عدول عن حق ووقوع في باطل، فقد كان ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من أول حاله إلى نزول الوحي عليه معصوماً من عبادة الأوثان وقاذورات أهل الفسق والعصيان".

وهذا من النعم التي يعددها الله تعالى عليه، وهي من أعظم خيرات الدنيا من صغره إلى شبابه وكبره، ثم اصطفائه بالرسالة، ثم حفظه من الناس، ثم نصره على الأعداء، وإظهار دينه وإعلاء كلمته. فمن أنعم الله عليه بالهدي النبوي والعلم السلفي فليحمد الله ويشكره على هذه النعمة لأنها من أعظم النعم.

وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى(8)

العائل: ذو عيال، وهنا: الفقير المحتاج، ليس ذا العيلة، وقال الفراء:

23- "وقد وجدتها في مصحف عبد الله (عديماً)".

قال الحافظ:

24- "والمراد أنه أرضاه بما أرضاه لا بكثرة المال".["الفتح"(8/580)]

فالغنى غنى قلب ونفس، وأيضاً أغناه من المال. وهذا مما يذكره الله لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ من تعداد النعم عليه. قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

25- "فجمع له بين هدايته له وإنعامه عليه بإيوائه وإغنائه".["الفوائد"(ص:133)]

وقال متمم "أضواء البيان" ـ رحمه الله ـ:

26- "في الآية إشارة إلى أن الإيواء والهدى والغنى من الله لإسنادها هنا لله تعالى. ولكن في السياق لطيفة دقيقة، وهي معرض التقرير، يأتي بكاف الخطاب: ألم يجدك يتيماً، ألم يجدك ضالاً، ألم يجدك عائلاً، لتأكيد التقرير، لم يسند اليتم ولا الإضلال ولا الفقر لله، مع أن كله من الله، فهو الذي أوقع عليه اليتم، وهو ـ سبحانه ـ الذي منه كل ما وجده عليه، ذلك لما فيه من إيلام له، فما يسنده لله ظاهراً، ولما فيه من التقرير عليه أبرز ضمير الخطاب. وفي تعداد النعم: فآوى، فهدى، فأغنى، أسند كله إلى ضمير المنعم، ولم يبرز ضمير الخطاب. وقال : لأنها نعم مادية ـ لم يبرز الضمير ـ لئلا يثقل عليه المنة".

وعنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:

27- "سألت ربي مسألةً ووددت أني لم أسأله، قلت: يا رب! كانت قبلي رسل، منهم من سخرت له الرياح، ومنهم من كان يحيي الموتى، وكلمت موسى. قال: ألم أجدك يتيماً فآويتك؟ ألم أجدك ضالاً فهديتك؟ ألم أجدك عائلاً  فأغنيتك؟ ألم أشرح لك صدرك، ووضعت عنك وزرك؟ قال: فقلت: بلى يا رب! فوددت أن لم أسأله".["الصحيحة"(2538)]

قال الشيخ محمد صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ:

28- "وما أكثر ما غنم المسلمون من الكفار تحت ظلال السيوف، غنائم عظيمة كثيرة كلها بسبب هذا الرسول الكريم ـ عليه الصلاة والسلام ـ حين اهتدوا بهديه، واتبعوا سنته، فنصرهم الله تعالى به، وغنموا من مشارق الأرض ومغاربها، ولو أن الأمة الإسلامية عادت إلى ما كان عليه السلف الصالح لعاد النصر إليهم، والغنى، والعزة، والقوة، ولكن مع الأسف أن الأمة الإسلامية في الوقت الحاضر كل منها ينظر إلى حظوظ نفسه بقطع النظر عما يكون به نصرة الإسلام أو خذلان الإسلام".

وقال ـ رحمه الله ـ:

29- "ولكن المسلمين يحتاجون إلى قيادة حكيمة عليمة بأحكام الشريعة قبل كل شيء، لأن القيادة بغير الاستفادة بنور الشريعة عاقبتها الوبال، مهما علت؛ ولو علت إلى أعلى قمة فإنها سوف تنزل إلى أسفل قعر. الهداية بالإسلام، بنور الإسلام، لا بالقومية، ولا بالعصبية، ولا بالوطنية، ولا بغير ذلك، بالإسلام فقط. فالإسلام وحده هو الكفيل بعزة الأمة، لكن تحتاج إلى قيادة حكيمة تضع الأشياء مواضعها، وتتأنى في الأمور ولا تستعجل، لا يمكن أن يصلح الناس بين عشية وضحاها، ومن أراد ذلك فإنه قد أراد أن يغير الله سنته، والله سبحانه وتعالى لا يغير سنته، فهذا نبي الله عليه الصلاة والسلام بقي في مكة ثلاث عشرة سنة ينزل عليه الوحي، ويدعو إلى الله بالتي هي أحسن، ومع ذلك في النهاية خرج من مكة خائفاً مختفياً لم تتم الدعوة في مكة، فلماذا نريد أن نغير الأمة التي مضى عليها قرون وهي في غفلة وفي نوم بين عشية وضحاها، هذا سفه في العقل، وضلال في الدين. الأمة تحتاج إلى علاج رفيق هادىء يدعو بالتي هي أحسن، الأمة الإسلامية تحتاج بعد الفقه في دين الله والحكمة في الدعوة إلى الله، تحتاج إلى العلم بالواقع والفطنة والخبرة، ونظر في الأمور التي تحتاج إلى نظر بعيد، لأن النتائج قد لا تتبين في شهر، أو شهرين، أو سنة، أو سنتين، لكن العاقل يصبر وينظر ويتأمل حتى يعرف، والأمور تحتاج أيضاً إلى عزم وتصميم وصبر؛ لأنه لابد من هذا لابد من عزم يندفع به الإنسان، ولابد من صبر يثبت به الإنسان، وإلا لفاتت الأمور أو فات كثير منها والله المستعان".

ولمّا ذكّر الله تعالى نبيَّه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بهذه النعم التي أنعمها عليه؛ أوصاه بالشكر فبيَّن ما هو مطلوب منه مقابلة لها، قال ابن القيم:

30- "فأمره سبحانه أن يقابل هذه النعم الثلاث بما يليق من الشكر؛ فنهاه أن يقهر اليتيم، وأن ينهر السائل، وان يكتم النعمة، بل يحدّث بها".["التبيان في أقسام القرآن"]

فقال:

فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ(9)

أي: كما آواك الله فآوه، وكما أكرمك فأكرمه. ومعنى (فَلا تَقْهَرْ) قال قتادة:

31- "أي: لا تظلم".[أخرجه الطبري]

وقال الطبراني:

32- "وهذا حث للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على محاسن الأخلاق ليقتدي به الناس، ويجدّوا في سلوك طريقته".

وقد سبق في سورة الفجر تقديم الإشارة إلى إكرام اليتيم، فشأن اليتيم شأن كبير، لا بد من الاعتناء به ورعايته، وعـدم الإساءة إليه، وقد جاء في السنة الصحيحة ما يحث على رحمة اليتيم والإحسان عليه والإشفاق على حاله. فعن سهل بن سعد مرفوعاً:

33- "أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة، وأشار بالسبابة والوسطى، وفرق بينهما قليلاً".["الصحيحة"(800)]

 

 

 

والحديث بوب له البخاري في "الأدب المفرد" بعنوان:

34- "باب فضل من يعول يتيماً بين أبويه".

إشارة منه ـ رحمه الله ـ أن الكفالة تقتضي المتابعة والملازمة غالباً فلا تنفك عن الأهل والأبوين.

وأخرج في الباب عن أبي بكر بن حفص:

35- "أن عبد الله كان لا يأكل طعاماً إلا وعلى خوانه يتيم".

وبوب ـ رحمه الله ـ باباً بعد هذا سماه:

36- "كن لليتيم كالأب الرحيم".

أخرج فيه عن عبد الرحمن بن أبزى قوله: قال داود ـ عليه السلام ـ: "كن لليتيم كالأب الرحيم"..الحديث . 

ومناسبة التشبيه أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ شأنه أن يبعث لقوم لا يعقلون أمر دينهم، فيكون كافلاً ومرشداً لهم ومعلماً، وكافل اليتيم يقوم بكفالة من لا يعقل فيرشده ويعقله.

قال ابن بطّال:

37- "حق على من سمع هذا أن يعمل به ليكون رفيق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الجنة، ولا منزلة في الآخرة أفضل من ذلك".["فتح الباري"(10/436)]

وفي الحديث دليل على رفيع درجة كافل اليتيم في الجنة، وأن عمله عمل صالح مميز، إذ هو في منزلة قريبة جداً من منزلة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومعلوم أن المنازل في الجنة تتفاوت في قربها من منزلة الرسول، وآخر المنازل دخول العبد الجنة، ولو كان في أدنى مرتبة من الجنة، فهو مع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الجنة، ولكن أين منزلته من منزلة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ !! فمنزلة كافل اليتيم أعلى وأعلى من هذا الأخير لكنها بلا شك ليست في منزلة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ.

وجعل الله الإحسان إلى اليتيم علاجاً لقساوة القلب، فعن أبي هريرة أن رجلاً شكا إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قسوة قلبه، فقال له:

38- "إن أردت تليين قلبك، فأطعم المسكين، وامسح رأس اليتيم".["الصحيحة"(854)]

وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ(10)

قالوا:

39- "السائل: الفقير والمحتاج".

يسأل ما يسد حاجته. أي: فكما أغناك الله وبدون سؤال، فإذا أتاك سائل فلا تنهره، ولو في رد الجواب بالتي هي أحسن.

عن أم بُجيد ـ رضي الله عنها ـ أنها قالت:

40- "يا رسول الله! إن المسكين ليقومُ على بابي فما أجد له شيئا أعطيه إياه".

فقال لها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

41- "إن لم تجدي إلا ظِلفاً محرقاً فادفعيه إليه في يده".

وزاد في رواية:

42- "لا تردي سائلك ولو بظلف".["صحيح الترغيب والترهيب(884)] 

ومعنى (الظِّلف) بكسر الظاء: للبقر والغنم بمنزلة الحافر للفرس، قال الحافظ القصاب ـ رحمه الله ـ:

43- "في هذه الآية والتي قبلها: دليل على توكيد حرمتهما، وإيجاب حقهما، وترك الاستهانة بهما".

ثم قال:

44- "وأرى الناس قد أهملوا أمرهما، وضيعوه".["نكت القرآن"(4/524)]

وقال ابن العربي ـ رحمه الله ـ:

45- "وأما السائل عن الدين فجوابه فرض على العالم، على الكفاية؛ كإعطاء سائل البر سواء".["الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي]

قال الشيخ محمد صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ:

46- "إذا عرفت أن السائل في العلم إنما يريد التعنّت، وأخذ رأيك وأخذ رأي فلان وفلان حتى يضرب آراء العلماء بعضها ببعض، فإذا علمت ذلك فهنا لك الحق أن تنهره، وتقول: يا فلان اتق الله ألم تسأل فل



ملاحظات



الإسم
البريد الإلكتروني
الدولة
التعليق
الكود الأمني
 title=
 title=


©2012 شبكة الدعوة السلفية من المسجد الأقصى المبارك