بسم
الله الرحمن الرحيم
(سورة
ألم نشرح) (12)
إعداد: هشام بن فهمي العارف
30/6/1431
– 12/06/2010
إن
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات
أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله
وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما
بعد...؛
بعد أن أكّد الله تعالى لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في سورة الضحى
على مواصلة عنايته به ورعايته له، وذكَّره فيها بالنعم التي أنعمها عليه، أوصاه في
ختامها بالشكر، فقال:
1- (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11) والسورتان ـ الضحى وألم نشرح ـ متصلتان في المعنى، ففيهما امتنان الله تعالى على
نبيِّه بما أمدَّه من النعم، يدل عليه حديث عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ:
2- "قال:
ألم أجدك يتيماً فآويتك؟ ألم أجدك ضالاً فهديتك؟ ألم أجدك عائلاً فأغنيتك؟ ألم
أشرح لك صدرك، ووضعت عنك وزرك؟".
فامتنَّ الله تعالى في سورة الضحى على نبيِّه ـ عليه السلام ـ بمنن
ثلاث، وأتبعها هنا في سورة الانشراح بثلاث أخرى؛ أولها: تطمين لنفس النبي ـ صلى
الله عليه وآله وسلم ـ أنه سبحانه وتعالى شرح صدره وجعل قلبه وعاء للحكمة لذا قال:
أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ(1)
والنون في قوله (نَشْرَحْ)
نون العظمة، وتدل على عظمة النعمة، لأن المنعم العظيم، يمنح العظيم من النعم.
والاستفهام في قوله تعالى (أَلَمْ
نَشْرَحْ)
للتقرير المقصود به: التذكير. يعني: قد شرحنا لك صدرك يا محمد ـ صلى الله عليه وسلم
ـ. وتقريره ـ عليه الصلاة والسلام ـ بذلك لكي يشكر هذه النعمة ويقدّرها حق قدرها.
على أن انشراح صدر الداعية إلى الله من المطالب المهمة، من أجل
القيام بوظيفته السامية بثبات وحكمة وبصيرة، وبهمة عالية، وعزيمة قوية. فالناصح
الأمين، والمرشد الحكيم، والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، معرّض باستمرار للأذى
الذي يحدِث الهم والحزن والضيق في الصدر، فهو بحاجة دائمة إلى نعمة انشراح الصدر
لمتابعة وظيفته والقيام بأعباء الدعوة إلى الله على بصيرة.
3- "والظاهر
أنه إيثار بما طلبه موسى ـ عليه السلام ـ:
4- (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي(25) [طه]
وأنه بادَاه به من غير طلب، وهو قَدْر زائد على مطلق الرسالة، متضمن
حمل ثقل تبليغها".["البحر
المديد"(8/491)]
ولمّا قرره الله عز وجل بهذه النعم التي ذكرت في السورتين كان جوابه
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ:
5- "بلى
يا رب".
قال ابن رجب الحنبلي ـ رحمه الله ـ:
6- "وقال
لنبيه (وَوَجَدَكَ
ضَالاً فَهَدَى(7) والمراد وجدك
غير عالم بما علّمك من الكتاب والحكمة، فالإنسان يولد مفطوراً على قبول الحق، فإن
هداه الله سبَّب له من يعلّمه الهدى، فصار مهتدياً بالفعل بعد أن كان مهتدياً
بالقوة. وإن خذله قيَّض له من يعلّمه ما يغير فطرته كما قال النبي ـ صلى الله عليه
وسلم ـ:
7- "كل
مولود يولد على الفطرة، وإنما أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه".[في
الصحيحين، وغيرهما]
وهنا في سورة "ألم نشرح" حصل له بعد نعمة الهداية نعمة الانشراح؛
شرح حسّي، وانشراح معنوي.
فأما الحسّي: فعن عتبة بن عبد السلمي أنه حدثهم ـ وكان من أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال له رجل:
8- "كيف
كان أول شأنك يا رسول الله؟!
قال:
9- "كانت
حاضنتي من بني سعد بن بكر، فانطلقت أنا وابن لها في بهم لنا، ولم نأخذ معنا زاداً،
فقلت: يا أخي! اذهب فأتنا بزاد من عند أمنا، فانطلق أخي ومكثت عند البهم، فأقبل
طائران أبيضان كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال الآخر: نعم. فأقبلا
يبتدراني، فأخذاني، فبطحاني للقفا، فشقا بطني ثم استخرجا قلبي، فشقّاه، فأخرجا منه
علقتين سوداوين، فقال: أحدهما لصاحبه: ائتني بماء ثلج، فغسل به جوفي، ثم قال: ائتني
بماء برد، فغسل به قلبي. ثم قال: ائتني بالسكينة، فذرَّه في قلبي. ثم قال أحدهما
لصاحبه: حصه. فحاصه وختم عليه بخاتم النبوة، الحديث".["الصحيحة"(373)]
وعن أنس بن مالك:
10- "أن
رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أتاه جبريل ـ عليه السلام ـ وهو يلعب مع
الغلمان فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج القلب، واستخرج معه علقة سوداء، فقال: هذا
حظ الشيطان. ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه، وجاء
الغلمان يسعون إلى أمه - يعني: ظئره - فقالوا: إن محمداً قد قتل. فاستقبلوه وهو
منتقع اللون".
قال أنس:
11- "وقد
كنت أرى ذلك المخيط في صدره".[رواه
مسلم، وغيره، والظئر: المرضعة لغير ولدها]
وتكررت الحادثة يوم أن أسري به ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى
المسجد الأقصى وعرج به إلى السموات العلى فعن مالك بن صعصعة ـ رضي الله عنه ـ
مرفوعاً:
12- "فأتيت
بطست من ذهب ملأه حكمة وإيماناً فشق من النحر إلى مراق البطن فغسل القلب بماء زمزم
ثم ملئ حكمة وإيماناً".["الإسراء
والمعراج"(ص:13)]
وفي رواية عن أنس:
13- "أن
ملكين أتيا رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ فذهبا به إلى زمزم فشقا بطنه وأخرجا
حشوه في طست من ذهب فغسلاه بماء زمزم ثم كبسا جوفه حكمة وعلما".["الإسراء
والمعراج"(ص:26)]
فقد
أودع في جوفه ـ صلى الله عليه وسلم ـ الإيمان والهدى والحكمة والعلم والفضائل،
وبهذا حصل الشرح المعنوي بعد الحسي. بأن يكون متسعاً لحكم الله عز وجل بنوعيه
الشرعي والقدري قال ابن كثير:
14- "أما
شرحنا لك صدرك، أي: نورناه وجعلناه فسيحاً رحيباً واسعاً ..".
وقال
الشوكاني ـ رحمه الله ـ:
15- "والمراد
الامتنان عليه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بفتح صدره وتوسيعه حتى قام بما قام به من
الدعوة، وقدر على ما قدر عليه من حمل أعباء النبوة وحفظ الوحي".
والشرح
في اللغة: يأتي بمعنى: قطعِ اللحم وشقِّه، وهذا يناسب معناه الحسي الذي تقدم، ويأتي
الشرح بمعنى: الكشف والإيضاح، ومنه شرح الكتاب، قال ابن كثير:
16- "وكما
شرح الله صدره، كذلك جعل شرعه فسيحاً رحيباً واسعاً سهلاً لا حرج فيه ولا إصر ولا
ضيق".
والشرح في الأصل: الفسح والتوسعة، وهو ضد الضيق والحزن، ومنه شرح
الصدر للإسلام، قال تعالى:
17- (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ
لِلإسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا
..(125) [الأنعام]
قال الشيخ محمد صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ:
18- "إذن
شرح الصدر يعني: توسعته وتهيئته لأحكام الله الشرعية والقدرية، لا يضيق بأحكام الله
ذرعاً إطلاقاً، ونبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ له الحظ الأوفر من ذلك، ولهذا
تجده اتقى الناس لله، وأشدّهم قياماً بطاعة الله، وأكثرهم صبراً على أقدار الله".
ولمّا كان الصدر محل العلم والقرآن، بدليل قوله تعالى:
19- "( بَلْ
هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ..(49) [العنكبوت]
20- "والقلب
محل العقل والمعرفة، وهو الذي يقصده الشيطان، فالشيطان يجيء إلى الصدر الذي هو حصن
القلب، فإذا وجد مسلكاً أغار فيه، وبث فيه الهموم، فيضيق القلب، ولا يجد للطاعة
لذة، وإذا طرد العدو في الابتداء حصل الأمن وانشرح الصدر".[نقله
صاحب "التفسير الكبير" عن محمد بن علي الترمذي]
وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:
21- "وتأمل
السر في قوله تعالى:
22- (الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) [الناس]
ولم يقل في قلوبهم، والصدر هو ساحة القلب وبيته، فمنه تدخل الواردات
إليه؛ فتجتمع في الصدر ثم تلج في القلب. فهو بمنزلة الدهليز له، ومن القلب تخرج
الأوامر والإرادات إلى الصدر ثم تتفرق على الجنود. ومن فهم هذا فهم قوله تعالى:
23- (..وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا
فِي قُلُوبِكُمْ..(154)[آل عمران]
24- "والوسوسة
سببها إما جهل بالشرع، وإما خبل في العقل، وكلاهما من أعظم النقائص والعيوب".[نقله
ابن القيم في "إغاثة اللهفان"]
وقال ـ رحمه الله ـ:
25- "فإنه
كلما كان الرجل أتم عقلاً كان الحرج بالكتاب أبعد منه، قال تعالى لرسوله:
26- (المص (1) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ
حَرَجٌ مِنْهُ ..(2)[الأعراف]
والله
تعالى رفع الحرج عن الصدور بكتابه، وكانت قبل إنزال الكتاب في أعظم الحرج والضيق،
فلما أنزل كتابه ارتفع به عنها ذلك الحرج، وبقي الحرج والضيق على من لم يؤمن به.
ومن آمن به من وجه دون وجه ارتفع عنه الحرج والضيق من الوجه الذي آمن به، دون ذلك
الوجه".["الصواعق
المرسلة"(4/1518)]
فالوسوسة التي تلقيها شياطين الإنس والجن يصير محلها إلى الصدور
لتبتلى بها، فلا بدَّ للعاقل الحكيم الذي يستجيب لأمر الله أن يقوم بمعالجتها
ومجاهدتها لطردها، قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:
27- "ولما
كانت الوسوسة كلاما يكرره الموسوس ويؤكد عند من يلقيه إليه، كرروا لفظها بإزاء
تكرير معناها فقالوا: وسوس وسوسة، فراعوا تكرير اللفظ ليفهم منه تكرير مسماه".["بدائع
الفوائد"(2/474)]
فالمؤمن ينشرح صدره للحق فيتبعه، لأنه دائم التعوّذ بالله من شر
الوسواس الخناس، ودائم الذكر لله، فمن انشرح صدره للحق فقد انعم الله عليه، والضال
يضيق صدره بالحق؛ لأنه دائم الخضوع لوسوسة الشيطان فيتبع الباطل، فمن قسّى قلبه عن
اتباع الحق فإنه لا يزال في ضيق وهم وحزن وضلال.
لذا شاع استعمال انشراح الصدر في سرور النفس، وذهاب ضيق الهم والغم
والحزن عنه.
قال تعالى:
28- (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ
مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ
فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (22) [الزمر]
وهذه
نعمة كبيرة، قال البيضاوي:
29- "لم
يشرح صدر أحد من العالمين، كما شرح صدره ـ عليه السلام ـ حتى وسع علوم الأولين
والآخرين فقال:
30- "أوتيت
جوامع الكلم"
.
فالله
تعالى شرح صدر نبيِّه للقيام بأعباء الدعوة، والاتصاف بمكارم الأخلاق وعلى رأسها
خلق الصبر، والإقبال على الآخرة، وفي هذا توجيه لكل داعية إلى الله على بصيرة؛ أن
يكون رحب الصدر هاديء النفس متجملاً بالصبر.
قال
ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ:
31- "وهذا
الشرح شرح معنوي ليس شرحاً حسياً، وشرح الصدر أن يكون متسعاً لحكم الله عز وجل
بنوعيه: حكم الله الشرعي وهو الدين، وحكم الله القدري وهو المصائب التي تحدث على
الإنسان؛ وذلك لأن الشرع فيه مخالفة للهوى فيجد الإنسان ثقلاً في تنفيذ أوامر الله،
وثقلاً في اجتناب محارم الله، لأنه مخالف لهوى النفس، والنفس الأمارة بالسوء لا
تنشرح لأوامر الله ولا لنواهيه".
ثم قال
ـ رحمه الله ـ:
32- "وأما
انشراح الصدر للحكم القدري، فالإنسان الذي شرح الله صدره للحكم الكوني تجده راضياً
بقضاء الله وقدره، مطمئناً إليه، يقول: أنا عبد، والله رب يفعل ما يشاء، هذا الرجل
الذي على هذه الحال سيكون دائماً في سرور لا يغتم ولا يهتم، هو يتألم لكنه لا يصل
إلى أن يحمل همّاً أو غمّاً".
ولأجل
ديمومة انشراح صدر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أتبعها الله بمنّة عظيمة وهي: أنه
غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فقال:
وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ(2)
الوضع
يكون للحط والتخفيف، ويكون للحمل والتثقيل، فإن عدّي بعن كان للحط، وإن عدي بعلى
كان للتحميل.
والوزر
لغة: الحمل الثقيل. ومنه: حتى تضع الحرب أوزارها، أي : ثقلها من سلاح وغيره. ومنه
الوزير: المتحمل ثقل أميره وشغله، وشرعاً الذنب كما في الحديث:
33- "من
سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من
أجورهم شيء ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن
ينقص من أوزارهم شيء". [رواه
مسلم، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي]
فيكون
المعنى: كما قال الزجاج:
34- "أي:
وضعنا عنك إثمك أن غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر".
وهو
الذي ذهب إليه ابن كثير . وإشعار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه غفر له ما تقدم
من ذنبه وما تأخر، تكريم له وأدعى لبقاء صدره منشرحاً، لذا كان يتوجه ـ عليه السلام
ـ لربه بالشكر على هذه النعمة، فإنه كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، أو ليصلي حتى
تَرِم قدماه، أو ساقاه فقيل له:
35- "لم
تصنع هذا وقد غُفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر"؟
قال:
36- "أفلا
أحب أن أكون عبداً شكوراً؟![رواه
البخاري، ومسلم، وغيرهما]
وهذا
نظير إكرام الله تعالى ليوسف ـ عليه السلام ـ قال تعالى:
37- (..كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا
الْمُخْلَصِينَ (24) [يوسف]
قال
شيخنا محمد صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ:
38- "إذن
مغفرة الذنوب المتقدمة والمتأخرة ثابتة بالقرآن والسنة، وهذا من خصائص الرسول ـ
عليه الصلاة والسلام ـ، لا أحد من الناس يغفر له ما تقدم وما تأخر إلا الرسول ـ صلى
الله عليه وسلّم ـ، أما غيره فيحتاج إلى توبة من الذنب، وقد يغفر الله له سبحانه
وتعالى بدون توبة ما دون الشرك، لكن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ نجزم بأنه قد
غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ولهذا قال: (وَوَضَعْنَا
عَنكَ وِزْرَكَ ، الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ) فإن قال قائل: هذه الآية وما سقناه
شاهداً لها يدل على أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلّم ـ قد يذنب فهل النبي ـ صلى
الله عليه وسلّم ـ يذنب؟
فالجواب: نعم، ولا يمكن أن نرد النصوص لمجرد أن نستبعد وقوع الذنب منه ـ صلى الله
عليه وآله وسلم ـ، ونحن لا نقول الشأن ألا يذنب الإنسان بل الشأن أن يغفر للإنسان،
هذا هو المهم أن يغفر له، أما أن لا يقع منه الذنب فقد قال النبي ـ عليه الصلاة
والسلام ـ:
39- "كل
بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون".["الجامع
الصحيح"(4515)]
لابد من خطيئة، لكن هناك أشياء لا يمكن أن تقع من الأنبياء مثل الكذب والخيانة، فإن
هذا لا يمكن أن يقع منهم إطلاقاً، لأن هذا لو فرض وقوعه لكان طعناً في رسالتهم وهذا
شيء مستحيل، وسفاسف الأخلاق من الزنا وشبهه هذا أيضاً ممتنع، لأنه ينافي أصل
الرسالة، فالرسالة إنما وجدت لتتميم مكارم الأخلاق".
قال
شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:
40- "وكانوا
يسمونه الصادق الأمين، فكان الله قد صانه من قبائحهم، ولم يعرف منه قط كذبة، ولا
خيانة، ولا فاحشة، ولا ظلم، قبل النبوة".["تفسير
آيات أشكلت"(1/225)]
والله
تعالى صانه عن شرك الجاهلية وعبادة الأصنام، وكان لا يأكل ما ذبح على النصب، ووقف
على عرفة وخالف ما ابتدعه قومه، وحفظ الله أن تبدو عورته، أو يظهر عرياناً. قال ابن
إسحاق:
41- "أن
كان رجلاً أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خَلْقاً، وأكرمهم مخالطة، وأحسنهم جواراً،
وأعظمهم خُلُقاً، وأصدقهم حديثاً، وأعظمهم أمانة، وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي
تدنس الرجال، تنزهاً وتكرماً، حتى ما اسمه في قومه إلا الأمين، لما جمع الله عز وجل
فيه من الأمور الصالحة".["الروض
الأنف"(1/207)]
قال
ابن القيم ـ رحمه الله ـ:
42- "فإذا
حمل العبد الأوزار أوجب له ذلك ضيق الصدر وخمول الذكر".
وقال:
43- "وكلما
ازداد الصدر ضيقاً كان أدعى إلى الذنوب والأوزار؛ لأن مرتكبها إنما يقصد بها شرح
صدره ودفع ما هو فيه من الضيق والحرج".
والمذنب لا يخرج من عسره، إلا بتجريد التوحيد، وتجريد الطاعة لمتابعة الرسول ـ صلى
الله عليه وسلم ـ، فمتى قام بهذين الأصلين حصل له من شرح الصدر، ووضع الوزر، ورفع
الذكر، بحسب ما قام به، وبُدِّل عسره يسراً بمشيئته عز وجل، ومضى في الحق خفيفاً
غير مثقل. قال ابن قتيبة:
44- "وأصل
الوزر: ما حمله الإنسان على ظهره، فشبّه الإثم بالحمل فجعل مكانه".["تأويل
مشكل القرآن"(ص:140)]
وحمل
الوزر ينقض ويؤلم، لأنه ثقيل، قال شيخنا محمد صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ:
45- "ولكن
كأننا لم نحمل شيئاً، وذلك لضعف إيماننا وبصيرتنا وكثرة غفلتنا، نسأل الله أن
يعاملنا بالعفو.
في
بعض الآثار:
46- "إن
المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب
مر على أنفه فقال به هكذا، أي: بيده فذبه عنه".[روى
مسلم المرفوع منه، وروى البخاري الموقوف عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ
ورواه مرفوعاً وموقوفاً غيرهما]
يعني أنه لا يهتم، فالمؤمن تهمه خطاياه وتلحقه الهم حتى يتخلص منها بتوبة واستغفار،
أو حسنات جليلة تمحو آثار هذه السيئة، وأنت إذا رأيت من قلبك الغفلة عن ذنوبك فاعلم
أن قلبك مريض، لأن القلب الحي لا يمكن أن يرضى بالمرض، والذنوب هي مرض القلوب".
وقال
بعض السلف:
47- "هل
أذنبت ذنباً؟
قال:
48- "نعم".
قال:
49- "فعلمت
أن الله كتبه عليك".
قال:
50- "نعم".
قال:
51- "فاعمل
حتى تعلم أن الله قد محاه".["جامع
العلوم والحكم" لابن رجب]
ولأن
الظهر هو محل الحمل قال تعالى:
الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ(3)
قال
الشيخ محمد صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ:
52- "فإذا
كان هناك حمل يتعب الظهر فإتعاب غيره من باب أولى، لأن أقوى عضو في أعضائك للحمل هو
الظهر".
والنقيض من الأصوات: ما يكون لمفاصل الجسم حين تعطي صوتاً من ثقل يقع عليها، والناس
يضغطون على الأصابع عند المفاصل فتطلق صوتاً، هذا الصوت يطلق عليه في اللغة اسم
"نقيض".
والنقيض: هو الصوت الخفي الذي يسمع من الرحل الكائن فوق ظهر البعير، إذا كان الرحل
ثقيلاً، ولا يكاد البعير يحمله إلا بمشقة وعسر.
قال
عبد الله اليزيدي:
53- "أثقله
فتنقَّضت له العظام كما ينتقض البيت إذا صوَّت للوقوع".["غريب
القرآن وتفسيره]
وقال
الراغب الأصفهاني:
54- "وحقيقة
الانتقاض ليس الصوت، إنما هو انتقاضها في نفسها لكي يكون منها الصوت في ذلك الوقت،
فعبر عن الصوت به".
ولمّا تقدم في سورة الضحى أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يزل يصعد
في درجات المعالي. فلم يتوقف عطاء الله تعالى له في الدنيا عند إتمام الدين، والنصر
على أعداء الله، بل أعطاه في الآخرة الجزاء الأوفر ومنه المقام المحمود، والحوض
المورود إلى غير ذلك من الفضائل، وزاده هنا ـ في سورة الشرح ـ عطاءً آخر؛ وهو: أن
يرفع ذكره، إعلاء لمنزلته ـ عليه الصلاة والسلام ـ ورفعة لشأنه في الدنيا والآخرة،
لذا مهّد لهذا العطاء بنعمتين: نعمة انشراح صدره للقيام بأعباء الدعوة، ونعمة غفران
ذنبه، ليكون جديراً ـ عليه الصلاة والسلام ـ بحمل الرسالة الربّانية العظيمة،
فيستحق لأجل هذا الثقل هذا العطاء تشريفاً له، لذا قال:
وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ(4)
ورفع الشيء يكون بإعلائه، ومنه رفع الرايات، ورفع المنارات، ليراها
الراؤون، ورفع الله ذكر نبيِّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ تشريفاً له، ليسمع بصيته
العظيم أهل السماوات والأرضين. فقرن اسمه باسمه تبارك وتعالى. قال مجاهد في
تفسيرها:
55- "لا
أذكر إلا ذكرت، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله". [أخرجه عبد الرزاق، والجهضمي، في فضل الصلاة على النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ
وقال شيخنا الألباني: حديث قدسي صحيح مرسل، وقال الحافظ: أثر صحيح أخرجه البيهقي]
وقال
قتادة:
56- "رفع
الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب، ولا متشهد، ولا صاحب صلاة إلا ينادي بها،
أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله".
|