|
الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم
يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله عز وجل الموتى،
ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد
هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف
الغالبين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا
عنان الفتنة فهم مختلفون في الكتاب، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ
بالله من فتن المضلين.
وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده
ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وبعد:
فمن المعلوم أنه كلما تأخر الزمان وبعد الناس عن آثار الرسالة
حدثت البدع والخرافات، وفشا الجهل، واشتدت غربة الدين، وظن الناس أن ما وجدوا عليه
آباءهم هو الدين وإن كان بعيدًا عنه، ولكن الله سبحانه لا يخلي الأرض على الحق
ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله تعالى، وأخبر صلى الله
عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو داود وصححه الحاكم وغيره حيث قال: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها
دينها".
قال المناوي في فيض القدير(2/282.281): ""يبعث" أي يقيض لها "على رأس كل
مائة سنة" أي من الهجرة أو غيرها.
والمراد بالرأس تقريبًا، "من" أي رجلًا أو أكثر "يجدد لها
دينها" أي يبين السنة من البدعة، ويكثر العلم وينصر أهله, ويكسر أهل
البدعة وبذلهم - قالوا: ولا يكون إلا عالمًا بالعلوم الدينية الظاهرة والباطنة,
قال ابن كثير: قد ادعى كل قوم في إمامهم أنه المراد بهذا الحديث، والظاهر أنه يعم
جملة من العلماء من كل طائفة وكل صنف من مفسر ومحدث وفقيه ونحوي ولغوي
وغيرهم". انتهى.
أقول: وفي زمننا منح لقب التجديد لكل جاهل مدع يظهر على الناس
بآراء شاذة وأقول جاهلة.
وهذه مغالطة وتضليل، إنما المجدد في الحقيقة هو العالم بشرع الله
المستقيم على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يرد الناس إلى الهدى.
وقد وقع مصداق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في هذا
الحديث, فلا يزال والحمد لله فضل الله على هذه الأمة يتوالى بظهور المجددين عهد
اشتداد الحاجة إليهم، ومن هؤلاء المجددين: الإمام أحمد بن حنبل في القرن
الثالث, وشيخ الإسلام ابن تيمية في آخر القرن السابع وأول الثامن, وشيخ الإسلام
محمد بن عبد الوهاب في القرن الثاني عشر, وغرضنا في هذه الكلمة الموجزة أن نبين
الحقيقة ونزيل الشبه والتعميم اللذين روج لهما أعداء السنة ضد الإمام الجليل
والمجدد الكبير, شيخ الإسلام ابن تيمية عند من لم تتوفر له المعلومات الكافية عنه
وعن علمه الصافي الغزير, فإن كثيرًا من خصومه وحاسديه قديما وحديثا اختلقوا حوله
الأكاذيب، واتهموه زورًا وبهتانًا باتهامات كثيرة، وكتبوا ضده كتابات شوهت التاريخ
وسرّت أعداء الاسلام, ولكن والحمد لله طوى النسيان ذكرهم ومحى الحق ما كتبوه من
ضلال.
وبقي ذكر شيخ الإسلام دائمًا عطرا في الأوساط العلمية، وتتلمذ على
كتبه الأقواج تلو الأفواج، وأصبحت مؤلفاته نبراسا وضاء لكل من يريد الحق في كل
زمان.
وصدق الله العظيم حيث يقول سبحانه: {فَاَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَاَمَّا مَا يَنفَعُ
النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الارْض كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الامْثَالَ} [الرعد/ 17].
قال الإمام الشوكاني رحمة الله: "إن الباطل وإن ظهر على الحق في
بعض الأحوال وعلا، فإن الله سبحانه سيسحقه ويبطله ويجعل العاقبة للحق وأهله -
كالزبد الذي يعلو الماء فيلقيه الماء ويضمحل -". انتهى.
وهذا المثل العظيم ينطبق على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله مع
خصومه، فإنهم حالوا الظهور عليه واستعدوا عليه السلطة في وقته وضايقوه وكتبوا ما
كتبوا ضده من التلبيس والتدليس, ولكن سرعان ما نسف الحق الذي معه ما روجوه من
الباطل وبقي علمه النافع في كتبه التي صار المسلمون ولله الحمد يتسابقون إلى نشرها
وإحيائها - وعفا الزمان على كتب خصومه ونسيها الناس فأصبح في زوايا الإهمال
والامتهان -، وهذه سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلًا.
التعريف بشيخ
الإسلام ابن تيمية
هو شيخ الإسلام الحافظ تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم
بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن الخضر بن محمد بن تيمية الحراني
الحنبلي.
ولد بحران يوم الإثنين عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة,
وقدم به والده وبأخويه عند استيلاء التتار على البلاد إلى دمشق سنة 667هـ.
مشايخه
وتحصيله
أخذ الفقه والأصول عن والده وسمع عن خلق كثير، منهم: الشيخ شمس
الدين، والشيخ زين بن المنجّا، والمجد بن عساكر, وقرأ العربية على ابن عبد
القوي, ثم أخذ كتاب سيبويه فتأمله وفهمه, وعنى بالحديث وسمع الكتب الستة
والمسند مرات, وأقبل على تفسير القرآن الكريم فبرز فيه, وأحكم أصول الفقه
والفرائض والحساب والجبر والمقابلة وغير ذلك من العلوم, ونظر في الكلام والفلسفة
وبرز في ذلك.
وردَّ على أكابر المتكلمين, والفلاسفة, وتأهل للفتوى والتدريس
وله دون العشرين من السنين, وتضلع في علم الحديث وحفظه وكان سريع الحفظ قوي
الإدراك، آية في الذكاء، رأسًا في معرفة الكتاب والسنة والاختلاف، بحراً في
النقابات, وكان له باع طويل في معرفة مذاهب الصحابة والتابعين.
اشتغاله في
التدريس
كان والده من كبار أئمة الحنابلة، فلما مات خلفه في وظائفه وكان
عمره تسع عشرة سنة، فاشتهر أمره وبعُد صيته في العالم, وأخذ في تفسير القرآن
الكريم أيام الجمع من حفظه, قال عنه الحافظ أبو حفص عمر بن على البراز, وكان من
معاصريه: "لقد كان إذا قرئ في مجلسه آيات من القرآن العظيم شرع في تفسيرها فينقضي
المجلس بجملته والدرس برمته وهو في تفسير بعض آية منها, وقد منحه الله تعالى
معرفة اختلاف العلماء ونوصهم وكثرة أقولهم واجتهادهم في المسائل وما روي عن كل واحد
منهم من راجح ومرجوح ومقبول ومردود, حتى كان إذا سئل عن شيء من ذلك كان جميع
المنقول عن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه والعلماء فيه من الأولين والآخرين
متصور مسطور بإزائه، وهذا قد اتفق عليه كل من رآه أو وقف على شيء من علمه ممن لم
يغلظ عقله الجهل والهوى" انتهى.
وقال أيضًا: "وأما ذكر دروسه فقد كنت في حال إقامتي بدمشق لا
أفوتها, وكان لا يهيئ شيئًا من العلم ليلقيه ويورده، بل يجلس بعد أن يصلى ركعتين
فيحمد الله ويثنى عليه ويصلى على رسوله صلى الله عليه وسلم على صفة مستحسنة مستعذبة
لم أسمعها من غيره، ثم يشرع فيفتح الله عليه إيراد علوم وغوامض ولطائف ودقائق وفنون
ونقول واستدلالات بآيات وأحاديث وأقوال العلماء ونقد بعضها وتبيين صحته أو تزييف
بعضها وبإيضاح حجته واستشهاد بأشعار العرب وربما ذكر ناظمها, وهو مع ذلك يجري كما
يجري السيل ويفيض كما يفيض البحر, من غير تعجرف ولا توقف ولا لحن بل فيض إلهي حتى
يبهر كل سامع وناظر فلا يزال كذلك إلى أن يصمت, ويقع عليه إذ ذاك من المهابة ما
يرعد القلوب ويحير الأبصار والعقول - وكان لا يذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قط
إلا ويصلى ويسلم عليه, ولا والله ما رأيت أحدًا أشد تعظيماً لرسول الله صلى الله
عليه وسلم ولا أحرص على اتباعه ونصر ما جاء به منه, حتى إذا كان أورد شيئًا من
حديثه في مسألة ويرى أنه لم ينسخه شيء غيره من حديثه يعمل به ويفتي بمقتضاه, ولا
يتلفت إلى قول غيره من المخلوقين كائنا من كان, وقال رضي الله عنه: كل قائل
إنما يحتج لقوله لا به إلا رسول الله, وكان إذا فرغ من درسه يقبل على الناس بوجه
طلق بشيش وخلق دمث, وربما اعتذر إلى بعضهم من التقصير في المقال مع ذلك الحال,
ولقد كان درسه الذي يورده حينئذ قدر عدة كراريسي، وهذا الذي ذكرته من أحوال درسه
أمر مشهور يوافقني عليه كل حاضريه وهم بحمد الله خلق كثير لم يحصر عددهم علماء
ورؤساء وفضلا من القراء والمحدثين والفقهاء والأدباء وغيرهم من عوام
المسلمين" انتهى. كلام البراز في كتاب الأعلام العلية عن حياة شيخ
الإسلام ابن تيمية.
مؤلفاته
العظيمة
لقد خلف رحمة الله للمكتبة الإسلامية ثروة ضخمة من المؤلفات
القيمة التي تحمل التحقيق والتدقيق والتجديد لدين الله في مختلف الفنون، والتي ترد
الزيف والدخيل والدجل والتضليل.
قال الحافظ الذهبي: "وما أبعد أن تصانيفه إلى الآن تبلغ خمسمائة
مجلد".
وقال تلميذه ابن عبد الهادى: "وللشيخ رحمه الله من المصنفات
والفتاوى والقواعد والأجوبة والرسائل وغير ذلك من الفوائد ما لا يضبط".
وقال: "ولا أعلم أحدًا من متقدمي الأئمة ولا متأخريها جمع مثل
ما جمع، ولا صنف نحو ما صنف في الحبس وليس عنده ما يحتاج إليه من الكتب, فمن ذلك
ما جمعه في تفسير القرآن العظيم، وما جمعه من أقوال مفسري السلف الذين يذكرون
الأسانيد في كتبهم وذلك في أكثر من ثلاثين مجلدًا، وقد يفوت أصحابه بعض ذلك
وكثيرًا منه لم يكتبوه".
وكان رحمه الله يقول: "ربما طالعت على الآية الواحدة نحو مائة
تفسير ثم أسال الله الفهم وأقول: يا معلم إبراهيم علمني".
وقال العلامة ابن الزملكاني: "لقد أعطى ابن تيمية اليد الطولى
في حسن التصنيف وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتبيين، وقد ألان الله له
العلوم كما ألان لداود الحديد".
وقال الشيخ عمر البزار: "وأما مؤلفاته ومصنفاته فإنها أكثر من
أن أقدر على إحصائها, بل هذا لا يقدر عليه أحد. لأنها كثيرة جدًا كبارًا
وصغارًا. وهي منتشرة في البلدان فقلّ بلد نزلته الا ورأيت فيه من تصانيفه، فمنها
ما يبلغ عشرين مجلدًا كنقص التأسيس، وما يبلغ خمس مجلدات كالجمع بين العقل
والنقل، وما يبلغ أربع مجلدات ككتاب الرد على طوائف الشيعة والقدرية وابن المطهر
الرافضين، وما يبلغ ثلاث مجلدات كالرد على النصارى، وما يبلغ مجلدًا واحدًا فكثير
جدًا فكتاب تفسير سورة الاخلاص مجلد، وكتاب الكلام على قوله سبحانه: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} مجلد نحو خمس
وثلاثين كراسة، والصارم المسلول على شاتم الرسول مجلد، وتنبيه الرجل العاقل على
تمويه المجادل الباطل مجلد، وكتاب المسائل الإسكندرية في الرد على الملاحدة
الاتحادية، وله في الرد على الفلاسفة مجلدات".
قال: "وبالجملة فذكر أسماء كتبه مما يطول، وله من الرسائل
والقواعد والتعاليق ما لا يمكن حصره، وقد ذكر كثيرًا منها الحافظ ابن عبد الهادي في
كتابه القواعد الدرية".
وكان شيخ الإسلام رحمة الله إنما يكتب على قدر الحاجة، إما إجابة
أو توضيح مشكل أو ردًا على مبطل، فهو رحمة الله يقول: "الفروع أمرها قريب، فمن
قلد فيها أحدًا من الأئمة جاز له العمل بقوله ما لم يتبين خطأه، وأما الأصول فقد
رأيت أهل البدع تجاذبوا فيها وأوقعوا الناس في التشكيك في أصول دينهم، ولذلك أكثرت
من التصنيف في أمر الرد عليهم".
وكان الشيخ سريع الحفظ، قال بعض من رآه: "حضرت مجلس الشيخ رضي
الله عنه وقد سأله يهودي عن مسألة في القدر قد نظمها شعرًا ثمانية أبيات، فلما وقف
عليها الشيخ فكر لحظة يسيرة وأنشا يكتب جوابها، وجعل يكتب ونحن نظن أنه يكتب
نثرًا فلما فرغ تأمله من حضر من أصحابه وإذا هو نظم من بحر أبيات السؤال وقافيتها
تقرب من مائة وأربعة وثمانين بيتًا، وقد أبرز فيها من العلوم ما لو شرح لبلغ
مجلدين كبيرين، وهذا من جملة بواهره".
قال ابن عبد الهادي: "بلغني أن بعض مشايخ حلب قدم إلى دمشق
وقال: سمعت في البلاد بصبي يقال له أحمد بن تيمية وأنه كثير الحفظ وقد جئت قاصدًا
لعلي أراه. فقال له خياط: هذه طريق كتابه وهو إلى الآن ما جاء، فاقعد عندنا،
الساعة يمر ذاهبًا إلى الكتاب.
فلما مر قيل هاهو الذي معه اللوح الكبير، فناداه الشيخ وأخذ
منه اللوح وكتب من متون الحديث أحد عشر حديثًا، وقال له: اقرأ هذا فلم يزد على أن
نظر فيه مرة بعد كتابته إياه، ثم كتب عدة أسانيد تحتها فنظر فيها كما فعل أول مرة
فحفظها، فقام الشيخ وهو يقول: إن عاش هذا الصبي ليكونن له شأن عظيم، فإن هذا لم
ير مثله فكان كما قال".
وأما سرعته في الكتابة فقد ذكروا عنه الشيء العجيب وأنه كان يكتب
من حفظه من غير نقل، وذكروا أنه كتب مجلدًا لطيفًا في يوم، وكتب غير مرة الأربعين
ورقة في جلسة.
ومن عجائب حفظه أنه لما سجن صنف كتبًا كثيرة وذكر فيها الأحاديث
والآثار وأقوال العلماء وأسماء المحدثين والمؤلفين ومؤلفاتهم وعزا كل شيء من ذلك
إلى ناقليه وقائليه بأسمائهم، وذكرت فيها تلك النقول والأقوال ومواضعها منها، كل
ذلك من حفظه.
عصره وما فيه
من الفتن وغربة الدين
ظهر شيخ الإسلام في عصر قد اشتدت فيه غربة الإسلام وتفوقت كلمة
المسلمين وظهرت الفرق المخالفة لما كان عليه السلف الصالح في العقائد والفروع وخيم
الجمود الفكري والتقليد الأعمى فأثر في الجو العلمي، وظهرت فرق الشيعة والصوفية
المنحرفة والقبورية ونفاة الصفاة والقدرية وطغى علم الكلام والفلسفة حتى حلا محل
الكتاب والسنة لدى الأكثر من المتعلمين في الاستدلال, هذا كله في داخل المجتمع
الإسلامي في ذلك العصر.
ومن خارج المجتمع تكالب أعداء الإسلام فغزوا المسلمين في عقر
دارهم فجاءت جيوش التتار تداهم المسلمين وتفك بهم, وفي هذا الجو المعتم عاش شيخ
الإسلام ابن تيمية ضياء لامعًا بعلمه الأصيل الغزير يدرس الطلاب ويؤلف الكتب
والرسائل ويفتي في النوازل والمسائل ويناظر المنحرفين, ويرد على المخرفين وينازل
الفرق والطوائف، فيرد على الشيعة والقدرية ويرد على علماء الكلام والفلاسفة ويرد
على المعطلة والمؤولة في الصفات من الجهيمة والمعتزلة والأشاعرة, ويرد على
الصوفية المنحرفة وعلى القبوريين والمبتدعة ويحرك أهل الجمود الفقهي والخمول الفكري
برد الفقه إلى أصوله الصحيحة ومنابعه الصافية وتصحيح وتزيف الزائف حتى أعاد للشريعة
نقاءها وإلى العلوم الشريعة صفاءها.
يظهر ذلك في مؤلفاته التي خلفها ثروة علمية هائلة, وإلى جانب
مجهوده العلمي العظيم شارك في الجهاد في سبيل الله فحمل السلاح وخاض المعارك ضد
التتار عدة مرات مما كان له أطيب الأثر في تقوية معنوية المجاهدين حتى انتصروا على
عدوهم، وقد تخرج على يد هذا العالم الجليل أئمة من طلابه حملوا الراية من
بعده.
منهم الإمام ابن القيم، والإمام ابن كثير، والحافظ الذهبي،
والحافظ ابن عبد الهادي، وغيرهم ممن أخذوا عنه العلم ونشروه في الآفاق بما ألقوه من
المؤلفات القيمة التي تزخر بها المكتبات الإسلامية اليوم, فجزى الله شيخ الإسلام
ابن تيمية عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء ونفعنا بعلومه.
ولما قام بهذا الواجب العظيم غاص خصومه فرمته كل طائفة من الطوائف
المنحرفة بلقب سيئ تريد بذلك صد الناس عن دعوته وتشويه عمله.
فنفاة الصفات قالوا: إنه مجسم, لأن إثبات الصفات عندهم
تجسيم.
ومتعصبة الفقهاء والمبتدعة قالوا: خرق الاجماع, لأنه أخذ
القول الراجح بالدليل المخالف لما هم عليه ورد البدع, خرق للإجماع عندهم.
وغلاة الصوفية والقبوريون قالوا: إنه يبغض الأولياء ويكفر
المسلمين ويحرم زيارة القبور، لأن الدين عندهم هو التقرب إلى الأولياء والصالحين
وتعظيم مشايخ الطرق الصوفية واتخاذهم أربابا من دون الله والغلو في تعظيمهم بصرف
العبادة إليهم.
هذا موقف هذه الطوائف من دعوة وتجديد شيخ الإسلام وهو موقف يتكرر
مع كل مصلح ومجدد يدعو إلى دين الله الذي جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم ونبذ ما
خالفه من دين الآباء والأجداد وعادات الجاهلية.
وليس هذا بغريب، فقد قوبلت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم من قبل
بأعظم من هذا وقيل عنه أنه ساحر كذاب, وأنه شاعر مجنون، إلى غير ذلك من الألقاب
السيئة التي يراد بها الصد عن دين الله والبقاء على دين الشرك الذي ورثوه عن آبائهم
وأجدادهم, فلشيخ الإسلام وإخوانه من الدعاة إلى الله أسوة بنبيهم، ولهؤلاء
المنحرفين سلف من المشركين والمكذبين, ولكن العاقبة للمتقين.
فهذه كتب شيخ الإسلام تأخذ طريقها إلى أيدي كل من يريدون الحق،
يتنافس الناس في الحصول عليها والتنقيب عن المفقود منها لإخراجه للناس, فعليك
أيها المسلم الناصح لنفسه أن لا تلتفت إلى أقوال المرجفين في حق هذا العالم
المجاهد، وأن تنظر إلى أقواله هو لا إلى ما يقال عنه لتصل إلى الحقيقة: {وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ} [الروم/
60].
فتاواه
قال تلميذه الحافظ ابن عبد الهادي رحمة الله: "وأما فتاويه ونصوصه
وأجوبته على الملل فهي أكثر من أن تحصى، لكن دُوِن منها بمصر على أبواب الفقه سبعة
عشرة مجلدًا وهذا ظاهر مشهور.
وقلَّ إن وقعت واقعة وسئل عنها إلا وأجاب فيها بديهة بما بهر
واشتهر وصار ذلك الجواب كالمصنف الذي يحتاج فيه غيره إلى زمن طويل ومطالعة كتب على
السؤال الواحد مجلدًا.
وأما جواب يكتب فيه خمسين ورقة وستين فكثير جدًا".
وقال عنه أيضًا مبينًا لمنهجه في الفتوى: "ففي بعض الأحكام يفتي
بما أدى إليه اجتهاده من مواقفه أئمة المذاهب الأربعة، وفي بعضها قد يفتي بخلافهم
أو بخلاف المشهور في مذاهبهم" انتهى.
والمطبوع من فتاواه الآن الفتاوى المصرية في خمسة مجلدات,
ومجموعة الرسائل والمسائل ستة أجزاء طبعت في مطابع المنار وعلق عليها وصححها السيد
محمد رشيد رضا.
وأخيرًا قام الشيخ عبد الرحمن بن قاسم بجمع الموجود من فتاواه
المطبوع منها والمخطوط وترتيبها على الأبواب فبلغت خمسة وثلاثين مجلدًا, وقد
استفاد منها أهل العلم فائدة عظيمة وأصبحت مرجعا كبيرا ومنهلا غزيرًا, وقال في
مقدمتها:
"ولعظيم النفع بفتاويه والثقة بها واعتماد مبتغى الصواب عليها
فتشت عن مختصراتها في بعض مكتبات نجد والحجاز والشام وغيرها فجمعت منها أكثر من
ثلاثين مجلدًا ورتبتها.
وهو بدء - و إلا فعسى الله سبحانه أن يقيض لفتاواه من يجمعها من
مشارق الأرض ومغاربها ومن المكتبات التي لم نتطلع عليها ويلحقه بما جمعته منها فهو
سبحانه المستعان".
وقال ابنه الشيخ محمد:
"تتاأف هذه المجموعة القيمة من فتاوى وهي الأكثر ومن كتب ورسائل
ونقول بلغ عدد مجلدات قسم منها مطبوع عدد صفحاته (7000) صفحة
تقريبًا.
وقسم في أصول الدين يشمل العقائد وما يتصل بها - وقسم في تفسير
القرآن الكريم وقسم في الحديث وقسم في الفقه مرتبًا على ترتيب كتب المتأخرين من
فقهاء الحنابلة مبتدئًا من كتاب الطهارة إلى كتاب الاقرار وهذا المجموع يعتبر رصيدا
ضخما من علوم شيخ الإسلام ابن تيمية في مختلف العلوم الشرعية قد استفاد منه
الباحثون فائدة كبيرة فجزى الله من قام بجمعه وترتيبه ومن قام بطبعه وتوزيعه خير
الجزاء عن الإسلام وأهله" انتهى.
ونسال الله أن يوفق العلماء والباحثين والجهات العلمية مثل رئاسة
البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ومثل الجامعات الإسلامية إلى تتبع مؤلفات
الشيخ ورسائله وفتاويه في مظانها من المكتبات العالمية وجمعها وتصحيحها ونشرها فإن
رصيده العلمي ضخم لم يعثر حتى الآن إلا على القليل منه.
قال تلميذه الحافظ ابن عبد الهادي: "وكان - يعني الشيخ - يكتب
الجواب من حفظه فإن حضر من يبيضه والا أخذ السائل حظه وذهب، ويكتب قواعد كثيرة في
فنون من العلم في الأصول والفروع والتفسير وغير ذلك، فإن وجد من يبيضه وإلا لم
يشتهر ولم يعرف وربما أخذه بعض أصحابه فلا يقدر على نقله ولا يرده إليه
فيذهب.
وكان كثيرًا ما يقول: قد كتبت في كذا وفي كذا، ويسأل عن الشيء
فيقول: قد كتبت في هذا فلا يدرى أين هو، فيلتفت إلى أصحابه ويقول: ردوا خطي
وأظهروه لينقل, فمن حرصهم عليه لا يردونه ومن عجزهم لا ينقلونه فيذهب ولا يعرف
اسمه.
فلهذه الأسباب وغيرها تعتذر إحصاء ما كتبه وما صنفه، وما كفي
هذا, لأنه لما حبس تفرق أتباعه وتفرقت كتبه وخوفوا أصحابه من أن يظهروا ما كتبه
فذهب كل أحد بما عنده وأخفاه ولم يظهروا ما كتبه، فيقي هذا يهرب بما عنده وهذا
يبيعه أو يعبه وهذا يخفيه ويودعه، حتى أن منهم من تسرق كتبه أو تجحد فلا يستطيع أن
يطلبها ولا يقدر على تخليصها.
ولولا أن الله تعالى لطف وأعان وجرت العادة في حفظ أعيان كتبه
وتصانيفه لما أمكن لأحد أن يجمعها.
وقد رأيت من خرق العادة في حفظ كتبه وجمعها وإصلاح ما فسد منها
ورد ما ذهب منها ما لو ذكرته لكان عجبا يعلم به كل منصف أن لله عناية به وبكلامه،
لأنه يذب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تحريف الغالين وانتحال المبطلين
وتأويل الجاهلين" انتهى كلام ابن عبد الهادي رحمة الله.
مما طعن به
خصومه عليه والجواب عنه
1- قالوا عنه أنه يخالف الإجماع, وقد أجاب عن هذه الشبهة الشيخ
محمد بهجة البيطار بقوله: "اشتهر ابن تيمية بمسائل أثرت عنه وظن كثير من الناس
أنه انفرد بها عن غيره، بل ظنوا أنه خالف في بعضها الإجماع وهي أمور اجتهادية يقع
في مثلها الخلاف بين العلماء، ومن المفروغ منه أن ابن تيمية قد بلغ رتبة الاجتهاد
في الأحكام الشرعية، وأنه كان يفتي الناس بما أدى اليه اجتهاده, وأنه موافق في
فتاواه بعض الصحابة أو التابعين أو أحد الأئمة الأربعة أو غيرهم ممن عاصرهم أو جاء
قبلهم أو بعدهم".
وقد قال العلامة برهان الدين بن الإمام محمد المعروف بابن القيم
الجوزية: "لا نعرف مسألة خرق فيها الإجماع, ومن ادعى ذلك فهو إما جاهل وإما
كاذب, ولكن ما نسب إليه الانفراد به ينقسم إلى أربعة أقسام:
الأول: ما يستغرب جدًا فينسب إليه أنه خالف فيه الإجماع لندور
القائل به وخفائه على مخالفه.
الثاني: ما هو خارج عن مذاهب الأئمة الأربعة, وقال به بعض
الصحابة أو التابعين أو السلف والخلاف فيه محكي.
الثالث: ما اشتهرت نسبته إليه ممن هو خارج عن مذهب الإمام رضي
الله عنه لكن قد قال به غيره من الأئمة وأتباعهم.
الرابع: ما أفتى به واختاره مما هو خلاف المشهور في مذهب أحمد
وإن كان محكيا عنه وعن بعض أصحابه" انتهى.
قلت: وبهذا يعلم أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله لم ينفرد
بقول لم يقم عليه دليل من الكتاب والسنة ولم يقل به أحد من الأئمة من الصحابة
والتابعين ومن بعدهم.
2- قالوا أنه أفتى بفتاوى تخالف فتاوى الأئمة أهل السنة
والجماعة, وهذا من الكذب على شيخ الإسلام ابن تيمية فهو لم ينفرد بقول يخالف به
الأئمة جميعًا, سواء الأئمة الأربعة أو أئمة السلف الذين هم قبل الأربعة كما سبق
بيانه، فلم يقل قولا إلا وله سلف فيه من الأئمة, وأهل السنة والجماعة, اللهم
إلا أن يريد هذا القائل بأهل السنة والجماعة جماعة الأشاعرة والماتريدية, فهذا
اصطلاح خاطئ, لأن المراد بأهل السنة والجماعة حقاً من كان على طريقة الرسول صلى
الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين ومن سار على نهجهم واتبع طريقهم, والأشاعرة
والماتريدية خالفوا الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة في كثير من المسائل
الاعتقادية وأصول الدين فلم يستحقوا أن يلقبوا بأهل السنة والجماعة، وهؤلاء لم
يخالفهم شيخ الإسلام ابن تيمية وحده بل خالفهم عامة الأئمة والعلماء الذين ساروا
على نهج السلف. والله أعلم, وصلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه
أجمعين.
|